Showing posts with label Arabic. Show all posts
Showing posts with label Arabic. Show all posts

Wednesday, September 5, 2007

حديث الدكتور عزمي بشارة مع اذاعة الشمس نصا

تسجيل إذاعة الشمس مع الشكر
أجرى اللقاء جاكي خوري
13/04/2007 12:30

عرب 48




إذاعة الشمس: دعنا نسأل عن صحة النائب عزمي بشارة وما هي آخر أخبار النائب عزمي بشارة بشكل شخصي نسأل هذه المرة







د.بشارة: الحقيقة الأخبار حسنة وجيدة سوى ما أسمعه في البلاد من هستيريا، فيما عدا ذلك أنا قمت بالبرنامج كالمعتاد. كان مخطط سلفاً ومعروفاً.. ذهبت للمشاركة في محاضرة لرابطة الكتاب الأردنيين، ثم إلى تغطية القمة العربية من الجزيرة، ثم المنتدى، ثم التقيت مع عائلتي لأنه كانت عطلة عيد الفصح. في النهاية قمت ببعض الفحوصات الطبية لأنه "مش جو فحوصات في البلد عالهستيريا الموجودة".. وأكملت برنامجي المخطط.



الآن لدي بعض الأمور مثل منتدى المؤتمر القومي العربي، وأقوم بالتفكير بما يجري، لأني فوجئت من حجم الحملة الصاعق التي تمت بغيابي.. "من وراء ظهري" بهذا الشكل الغادر الماكر، ولذلك أفكر بالموضوع، أريد أياماً من الهدوء للتفكير بما يجري، وخاصة أن الإعلام الإسرائيلي لا ينفك يتصل إلى كل مكان.. وأنا لست في مزاج لمقابلة الإعلام الإسرائيلي في هذه المرحلة، ولذلك فهذه الأيام للتفكير. بعد يومين أعتقد سأصل لعمل في قطر ثم أتجه إلى البحرين للمؤتمر القومي العربي.. وهكذا.. هنالك بعض الأمور التي يجب أن أرتبها قبل أن أقرر في الأيام القادمة.



* نعم.. ولكن نحن نعلم أن هنالك أيضا أموراً قضائية يمكن أن نسميها، أو إجراءات قضائية تمنعنا نحن كوسيلة إعلام وربما أيضاً تحدد من إمكانية الحديث في مجمل القضايا المتعلقة بهذه القضية الكبيرة، والتي يتناولها الإعلام منذ أسبوع وتحدثت عن هستيريا، ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك.. السؤال وقبل أن نخوض في التفاصيل هنالك من يسأل "لماذا صمت عزمي بشارة كل هذا الأسبوع؟".. ونحن نعرف أن رئيس التجمع الوطني الديمقراطي لا يتردد في الرد وهو دائماً يملك الأجوبة.. لماذا هذا الصمت ولماذا هذه محاولة الابتعاد عن الأنظار إذا أمكن أن نسميها؟؟.



د.بشارة: لا أبداً.. الحقيقة كنت في الأنظار أكثر من اللزوم.. في بداية جولتي كنت حوالي 4 أيام متواصلة على التلفزيون، أتحدث عن قضايا أخرى باستمرار.. وأنت نفسك أجبت على السؤال عندما قلت أن هنالك قضية تحقيق جار ممنوع الحديث عنها، فعما أتقابل؟ ما معنى المقابلة إذا كنت لا أستطيع أن أتطرق إلى التهم، وقد تعهدت بذلك للمحققين؟ ولكن أستطيع الآن أن أقول الآن بعد كل هذه التسريبات التي تمت.. "أنت مربّط ممنوع عن الكلام ولكن التسريبات مسموحة بهذا الشكل الذي سار".. أستطيع أن أقول لك، حتى أصور لك الموضوع بالضبط دون أن نخرق أمر منع النشر، التهم ذات طابع أمني وخطير وواضح من حملة الإعلام ماذا يبيتون.. الآن.. هم فشلوا في الماضي بتلفيق تهم جنائية من نوع التحريض على العنف.. فشلوا في التهم الدستورية من نوع دولة لجميع مواطنيها وعدم الإعتراف بيهودية الدولة، وجاء دور التهم الأمنية بالتفسير الإسرائيلي للأمن. إذا كنت تذكر آخر محكمة لقيادي عربي في الداخل كانت للشيخ رائد صلاح طبعاً بسبب مواقفه وبسبب الحركة الإسلامية وعدائهم للحركة الإسلامية، ولكن التهمة التي وجهت مباشرة للشيخ رائد صلاح كانت تبييض أموال وخرق قانون تمويل الإرهاب، أو شيء من هذا النوع.. في النهاية حكم 30 شهراً على تبييض أموال واتصال بعميل أجنبي.. في حالة عزمي بشارة الطابع الأمني أكبر بكثير والموضوع المالي أقل بكثير.. بمعنى الآن بإمكاننا التلميح أكثر.. هذا ما أستطيع قوله، ولكن التهم خطيرة ونحن أنكرناها جملة وتفصيلاً.. وليس منصفاً أن أقوم بمقابلات للإعلام ولا أستطيع أن أتحدث عن طبيعة التهم الموجهة، لذلك لم أفهم هذا الحجم في الإهتمام الإعلامي بقضية لا يستطيعون الحديث عنها، ولم أفهم ما معنى أن أرد كل يوم على إشاعة جديدة أو على تهمة جديدة أو على اتهام جديد يصدره الإسرائيلي.. وأنت تعرف أنه من عام 2000 هنالك كسر حقيقي بيننا وبين الإعلام الإسرائيلي.. أنا أتعرض لتحريض في الإعلام الإسرائيلي من عام 2000 لم ينصفونا، ولا حتى بقانون شلل الأطفال ما أنصفونا.. يعني من عام 2000 هنالك عملية تحريض وتعبئة مستمرة ضد القيادات الوطنية عند عرب الداخل، خاصة التي شبت عن الطوق وكسرت مسألة يهودية الدولة وصهيونية الدولة، والطابع القومي للعرب في إسرائيل والرغبة في إدارة شؤوننا الذاتية وكل هذا الطروحات التي طرحت .......... وأخيراً موقفنا إبان الحرب على لبنان وتضامننا مع الشعب اللبناني ضد العدوان عليه.



* لكي نوضح هذه النقطة د. عزمي يعني أنت موقفك بعدم التحدث إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية العبرية تحديداً أنت تقول هو ليس فقط بسبب وجود منع قضائي معين إنما أيضاً هو لوجود موقف سياسي حتى.



د.بشارة: الإعلام الإسرائيلي، مع احترامي لبعض الاستثناءات طبعاً دائماً هنالك استثناءات، الإعلام الإسرائيلي يتعامل معنا كعدو.. يعني مرة يثيرون إشاعات مرة هجوم ولكن ولا مرة إنصاف.. خذ مثلاً أخيراً عندما قلت أريد أن أتفرغ للأدب والفكر فقط بالأمس، وترجموها عن "كل العرب".. ماذا ترجموا كلمة فكر؟ ترجموها "ميديتاتسيا" (تأمل) يعني حتى يرفضون قضية أن يعرضوا ما يقال عربياً أن هذا الرجل ينتج إنتاجاً فكرياً أهم من كل إنتاجهم الفكري بجامعاتهم.. أو ينتج إنتاجاً أدبياً. هل رأيت مرة مراجعة جدية لإنتاجي الأدبي أو الفكري في إسرائيل بما فيها أهم الكتب بالجامعات عن إسرائيل ذاتها.. يعني هنالك شيء من عدم الرغبة بالتعامل بندية مع رجل يرفض أن يكون أقل ديمقراطية منهم. أنا ديمقراطي ليبرالي تقدمي يساري أكثر منهم... يرفضون من يشذ عن نظام الوصاية.. لا بد من جوقة التحريض من أناس صغار وعنصريين. أتريد مني أن أرد على عنصر صغير من نوع بن درور يميني، عنصري صغير، أصلاً لا يقرأ ولا يفقه إذا قرأ ما أكتب.. لذلك لن أستطيع، يعني محاولة تصغيرنا إلى حجم أن نثبت براءتنا لأناس نعتبرهم مجرمين، نحن كبرنا على ذلك سناً ومنزلة.. يعني لا أستطيع باستمرار أن أبرر نفسي أمام الإسرائيليين.. أنا أحتقر هذه العملية.. يعني بدأت أكبر على قواعد اللعبة هذه، لا أريدها، أشعر بالذل إذا بدأت أبرر نفسي وأشرح نفسي لصحفي إسرائيلي صغير، أنا أشعر بالذل من هذا، يعني هذه اللعبة يجب أن لا تقبلوها لنا، أنتم من تعرفوننا عن قرب يجب ألا تقبلوا لنا أن نصغر إلى درجة أن نجيب على كل واحد تافه بالصحافة الإسرائيلية أو مخبر عربي يشتغل عندهم، نحن كبرنا على هذا.. الحقيقة.



* لكن الإعلام الإسرائيلي الآن على جنب، هنالك جمهور ينتظر ويريد أن يعرف ما يحدث مع النائب عزمي بشارة بطبيعة الحال كل أعضاء الكنيست من التجمع، تحدثوا كثيراً عن الموضوع هذا الأسبوع ولكن الناس تريد أن تعرف من عزمي بشارة وبشكل شخصي عن مخططات مستقبلية، كيف تؤثر هذه القضية على مستقبل عزمي بشارة برأيه السياسي وحتى بكل ما يتعلق إن كان بنشاطه البرلماني وكل ما يتعلق بقضاياه الشخصية وحتى من يتحدث عن العودة إلى البلاد.



د.بشارة: هذه كمقابلات النجوم ماذا تحب وماذا تكره...... الحقيقة عزيزي أنظر أنا اشتغلت كفاية في البرلمان ومن سنتين أو سنة ونصف كل التجمع بعرف وكل المقربين وأهل بلدي "بيعرفوا" وحتى في اجتماعات عامة قلت أن هذه آخر دورة لي لأني أعتقد سيحتاج الأمر إلى تقييم فيما بعد ولكن من 1996 لليوم قدمت، راجع سنة سنة، قدمت تجربة برلمانية باعتقادي كثيفة وغيرت الكثير في الخطاب السياسي بطريقة تعاملهم معنا، واضطرارهم لاحترامنا.. أيضاً حجم القضايا اليومية والمعالجات التي عالجناها.. فقط في الشهور الأخيرة زرت 23 قرية، أنا أعتقد أنه برلمانياً استنفذت الأدوات البرلمانية، خاصة أنك تتحدث عن شخص من الواضح أنه ليس وارداً ن يدخل ائتلافات حكومية، وأنه في المعارضة ومستمر في المعارضة، أكثر مما فعلته (أنا أشعر) أنه في جيلي وفي قدراتي لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك في البرلمان، وأريد أن أتيح فرصة لآخرين، هذا كان قراري، قدمت استقالتي رسمياً للحزب في أيلول الماضي. لو كنت استقلت مباشرة مثلما كنت مقرراً مباشرة بعد قانون شلل الأطفال لاعتقلوني بالليل، وأحضروني للتحقيق مثلما اعتقلوا الشيخ رائد وغيره.. لكنت الآن معتقل حتى نهاية التحقيق بحسب حجم التهم.. لذلك بالعكس ما جرى دعاني إلى تأجيل التفكير بالإستقالة ولكن قرار الإستقالة لن أغيره.



أصلاً.. الآن طريقة تعاملهم معي؛ تصوير عائلتي وتصوير بيتي ونشر العنوان بالصحف فيه نوع من التحريض على التصفية، هذا يعيد النظر عندي في إن تكون منصب نائب، وماذا تعني لعبة نائب الآن في البلاد؟ وهل أريد أصلاً قواعد اللعبة هذه؟ وهل أريد حصانتهم؟ وأضحك على نفسي وأقول أن الحصانة موجودة.. كي يركب صغار السياسيين على الموضوع من اليسار واليمين ويحرضون؟؟. لذلك كل هذه المواضيع أنا أفكر بها في هذه الأيام طريقة العمل، ماذا فعلنا.. أنا أريد أيضاً أن أتيح مجال لآخرين.. نحن أقمنا مؤسسات وحزب هذه الحزب مستمر، فقط بالأمس بشرني إخوة من الحزب أنهم أنهوا جمع 7000 توقيع، هذا أمر شبه مستحيل من أعضاء الهستدروت ليفرضوا انتخابات هستدروت، هذا حزب موجود ويعمل وله مؤسساته، كل هذا في غيابي.



طبعاً هنالك إخوة كثيرون يقولون أنه كم بقي من العمر.. يجب أن تفرغ وقتاً أكثر للعمل الفكري والأدبي.. في إقامة الأحزاب وفي بناء الحزب وفي بناء الصحف وفي بناء المؤسسات وفي الذهاب إلى البرلمان، أنا أعتقد أني أعطيت ما علي.. عادة الذي يستقيل يمدحوه الناس.. الحقيقة أنه اليوم لا يوجد نواب عرب أو يهود يستقيلون لا أحد يستقيل، أن تستقيل وتفرد مكاناً للآخرين.. أما أن أتحول.. أن أضطر، نتيجة لما يجري أن أجيب على "لماذا تستقيل" كأني في حالة دفاع، فهذا غير مقبول...



نحن نفكر الآن في هذه الموضوعات سوية مع الإخوان جميعاً.. نتبادل الرسائل بهذا الشأن نفكر بهذا، أشاور إخوة مقربين لي أيضاً في الوطن العربي لأني أعتقد أن ساحة عملي وحلبة عملي تقتصر فقط على الداخل.. وأنا أعتقد أني هنا ساهمت كثيراً أيضاً في تغيير صورة عرب الداخل في الخارج.. وهذا أمر كان مساهمة كبيرة أيضاً للعرب في الداخل.. ساحة عملنا أوسع قليلاً، دعوني أفكر وأستشير الإخوان بهدوء. و(لاحقين).. على قواعد اللعبة التي يريدون أن يفرضوها علينا بهذا الشكل الذي يفرضوه.



أنا في الحقيقة سئمت وكبرت أيضا على إثبات براءتي كل الوقت لأناس لا أعتبرهم بريئين.. منذ عام 2000 مرة يجب أن تثبت براءتك أنك لم تحرض على الإرهاب، مرة عليك إثبات براءتك أنك لست ضد يهودية الدولة، وإذا أثبت براءتك يهاجمك عملاؤهم.. (إيه هياته طلع مش يهودية الدولة) يعني لعبة مزدوجة قذرة مرة عليك الإثبات لعملاء إسرائيل أنك لست بريئاً، وعليك أن تثبت لإسرائيل أنك بريء.. لعبة قذرة ومزدوجة، الحقيقة دعوني أفكر بهذا الموضوع.. ولكن، أنت رأيت أنه طبعاً لا أستطيع بهذه الظروف والضغط النفسي أن أتابع كتابة الكتب التي بدأت بها وهي كتاب من جزأين ولكن مقالي الأسبوعي أو مقالاتي الأسبوعية أستمر بكتابتها وها أنا عندما لزم عملت مقابلة مع التقدير لكم.. ولكن لم أر في السابق مادة سوى الرد على إشاعات هنا وهناك، وأنت لا تقدر الحديث بشكل جدي عن طبيعة التهم.. الآن آن الأوان بعد أن أشبعونا كلاما بوسائل الإعلام، آن الأوان أن نرد بمقابلة، وأنا اخترت براديو الشمس وليس بقناة عربية كبيرة لأني أريد أن أتحدث أولاً وقبل كل شيء إلى جمهورنا المحلي .. وهو قاعدتي وهو الأساسي.



* المحكمة يوم الأحد، محكمة الصلح في "بيتاح تكفا" ستناقش طلب تقدم به حتى التجمع كحزب وصحيفة فصل المقال بالإضافة إلى صحف أخرى بإزالة أمر منع النشر.. هل إذا كان هنالك قرار عملياً بإزالة منع النشر هل هذا يعني أن النائب عزمي بشارة سيتحدث بإسهاب وربما هنالك من ذكر من خلال التلفزيون ولكن لنتحدث بشكل مباشر إلى الجمهور.



د.بشارة: طبعاً، إذا رفعوا، طبعاً.. لن نكون سعيدين لأني أعرف طبيعة التهم، وأنا أعرف كم هي خطيرة.. ولكن على الأقل تستطيع أن تجيب مباشرة عليها.. ولو كنت أنا أريد أن أكسب شعبية رخيصة في الخارج.. فقط شعبية في الخارج، دون أن أهتم بمصير التجمع وعرب الداخل إلى آخره، ماذا كان سيكون تصرفي الطبيعي... أن أفاخر بهذه التهم لأنها تكسبك شعبية كبيرة عربياً، ولكن ما أفعله هو تصرف مسؤول.. أولاً التزمت أن لا أتكلم، ولن أتكلم.. هم الذين سربوا للصحافة، ثانياً عندما تصدر هذه التهم سأكرر إنكاري لها جملة وتفصيلاً ولكن على الأقل سأستطيع أن أجيب عليها واحدة واحدة.



* على بعض الأسئلة لا بد أن أشير أنه تلقينا في الإذاعة خلال الأيام الأخيرة العديد من التساؤلات حتى من قبل المواطنين، حتى مثلاً المسؤولين عن الإعلام في التجمع في هذه المرحلة نسأل أين يتواجد الدكتور عزمي بشارة دائماً الأجوبة غير واضحة، هل هنالك سبب معين لعدم نشر هذه التفاصيل وما يقف وراء ذلك دكتور.



د.بشارة: أنا أعرف أنك والإخوان في راديو الشمس قريبين جداً من الإعلام الإسرائيلي.. تخيل أن أقول لك الآن أين أنا و"شوف" كمية الإتصالات التي ستنهال علي.. لن أستطيع أن أفعل شيئا.. أريد بعض الخصوصية من الإعلام، هذا كل شيء.. أنا أتصل بمبادرتي عندما أريد... الآن أريد بعض الخصوصية، فيما في الفترة السابقة ما قبل "تفجر هذه الحملة علي كنت موجود ومعروف أين".. موجود وبناءً على برنامج.. ولم يكن أصلاً مطلوباً أن يعرف أين.. ولم يسأل أحد، عندما كنت أغطي القمة العربية أو المنتدى، أين أنت.. الكل كان يعرف والكل كان يعرف أني أقضي عطلة عيد الفصح في عمان، ومؤخراً سرب أيضا، وهذه قضيتي الخاصة، أني عملت بعض الفحوصات في إحدى مستشفيات عمان، فحوصاتي دورية أنا رجل لدي كلية مزروعة وهذا معروف.. ثم بدأت الحملة، وأنا لست مستباحاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية.. كل بلد وكل صبية تتصل وتسأل أسئلة.. لست مستباحاً بهذا الشكل، ولذلك فضلت في هذه الفترة الخصوصية لنفكر ونتشاور نحن والناس بدون ضغط.. هذا كل شيء.. الآن وعندما اعتقدت أنه آن الأوان للتصريح صرحت، ولكن انتبه لمن.. للإعلام العربي المحلي لأنه هذا جمهوري.. ستسمع فيما بعد أموراً للإعلام العربي بشكل عام.. ولكن نبدأ هنا كما يجب أن يبدأ وبالتزام بأمر منع النشر، لأني لا أريد أنا أبادر إلى خرقه مع أنه لو أردت تبعات أخرى وشعبية أخرى لبادرت أنا بخرقه، ولكبرت حتى من حجم التهم لأكسب شعبية في أماكن أخرى.



* تحدثت أنك الآن في مرحلة تفكير ودراسة كل ما يحدث السؤال يسأل وأنا أعرف أن هذا السؤال قد يزعج متى سنرى الدكتور عزمي بشارة بيننا هنا في البلاد.



د.بشارة: ستسمع قريباً.. الحقيقة أنا أفكر الآن في الموضوع بكل قواعد اللعبة التي يحاولون الآن فرضها علي، حجم التهم وماهيتها وماذا يريدون.. هل يمكن إدارة قواعد اللعبة مثل المرة الماضية في مسألة يهودية الدولة أو حرية التعبير.. أم أن هذه الآن قواعد لعبة جديدة مختلفة تماماً.. عندما ستسمع التهم ستعرف أنها قواعد لعبة جديدة تماماً مختلفة لا يتميز فيها القضاء الإسرائيلي بالحياد في مثل هذه الحالات.. لا أعلم، أنا أبحث الآن الموضوع وستسمع قريباً ما هي خطواتي المقبلة هذا هو التوجه العام. أفضل أن لا يضغط بهذا الشكل لكي أفكر بشكل منظم حول الموضوع أنا فعلاً أدرسه من كل جوانبه ما هي تبعاته والى آخره ولم تتغير قراراتي حتى الآن.. سأرى ماذا سيحدث..



* هنالك الكثير من العناوين التي طرحت مؤخراً بما في ذلك حتى في وسائل الإعلام العربية وأيضاً الإسرائيلية بدون شك حول مستقبل النائب عزمي بشارة هنالك من تحدث عن لجوء سياسي في قطر هنالك من تحدث عن جولات في العالم



د.بشارة: أرأيت أنا أتجنب المقابلات لهذا السبب، يخترعون، وعليك الإجابة على الاختراعات. أنظر لو اختار عزمي بشارة العالم السياسي الأرحم في العالم العربي لاخترت وكانت كل المجالات متاحة أمامي بما فيها مؤسسات كبرى جداً تعرض علي عمل ومجال العمل السياسي أوسع وأيضاً للإنتاج الأدبي والفكري.. وأصلاً من ناحية المستوى القيادي لعرب الداخل.. هل هنالك أكثر نطمح إليه، هل لدينا حكومة ماذا لدينا أن نطمح سياسياً.. هذه ليست المسألة.. أنا أسست مشروع، أو ساهمت مع إخوة أحبهم كثيراً في بناء هذا المشروع، وهم موجودون الآن ويتابعون، ومسؤول عنه في كل خطوة.. ولكن يعني أن يثار "لاجئ سياسي".. هل سأختار اللجوء السياسي ومعروض علي أشياء أكبر بكثير.. هذا كلام لا أساس له.. عندما خرجت من البلاد، خرجت ببرنامج منظم.. وفي أثناء وجودي خارج البلاد فوجئت من حجم الحملة.. فوجئت وصعقت من حجم الحملة وما هو الهدف منها ولماذا تتم بهذا الشكل، في حين أنا أعرف أنه حقق معي وعلى ماذا حقق معي، وقمت ببناء برنامج على أساس أنا نائب ولم تنزع مني الحصانة بعد وأستطيع أن أتحرك. وقمت بإتمام برنامجي لأن كل الأشهر الماضية لم أسافر فيها مرة واحدة إلى خارج البلاد، راكمت كثيراً في فترة التي هي عطلة برلمانية، نحن الآن في عطلة برلمانية للأسبوع الأول من أيار وأستطيع أن أستغلها دون حساب طويل لإتمام برامجي وللتفكير.. أنا لا أقول سأنهي كل الكتب التي فكرت... ولكن لا أريد أن أكون مضغوطاً في التفكير حول هذا الموضوع.



* تحدثت في خلال جوابك أنه عرض عليك أمور أكبر بكثير، هل يمكن أن نعرف شيئاً منها





د. بشارة: حين يحين الوقت.. أصلا عربياً أثيرت إشاعات حول هذا، أقصد إشاعات بالمعنى الإيجابي للكلمة، يوجد مؤسسات كبرى في العالم العربي عرضت أكثر من عرض وأنتم تعرفون إمكانياتي وما هو وضعي العربي لذلك لا أمنن أحداً في الحقيقة.. لا بالتضحية ولا بغيره..



* أنت تقول أن كل قضية الإستقالة كانت واردة وأنت أيضا صرحت بهذا الموضوع قبل أشهر عبر أثير إذاعة الشمس وليس بالأمر الجديد، ولكن في أعقاب التطورات الأخيرة أنت تقول أن هذا الموضوع الآن قيد الدراسة والبحث، يعني لا تتخوف أن يقولوا الآن أن عزمي بشارة يستغل الحصانة من أجل كل ما يحدث مثلاً ويربط الإستقالة فقط بسبب الدافع الأمني أو الجنائي الموجود؟









د. بشارة: أنت ترى.. إذا استقلت (سيقولون).. استقال لأنه لا يريد أن يواجه، وإذا لم يستقيل (سيقولون) لم تستقيل لأنك لا تريد نزع الحصانة.. هناك خصوم من نوع "شو ما عملت راح يهاجموك" إذا جلست في السجن وإن اغتالوك سيقولون شخص غير مسؤول أدت ممارساته إلى اغتياله.. يوجد أناس هذا هدفهم.. أنت لا تستطيع أن ترضي كل الناس خاصة إذا لم تكن نواياهم بريئة. تستطيع أن تقنع ذوي النوايا البريئة بالحجة، ولن تقنع ذوي النوايا غير البريئة لو قدمت لهم كل حجج الدنيا.. كيف تقنع عميل سلطة بوطنيتك وهو عميل سلطة.. بماذا يجب أن تقنعه وهكذا.. هناك أمور لا أريد أن أدخل فيها.. الحقيقة بالضبط لهذا السبب الذي تقوله نحن نفكر.. يعني لو استقلت لاعتقلوني وانتهى الموضوع إلى نهاية التحقيق لأنه هكذا طبيعة التهم.. إذا ما استقلت، بتهم من هذا النوع وبالطريقة التي اخترقوا فيها حالة عزمي بشارة بهذا الشكل السافر في الإعلام الإسرائيلي، ستخدع نفسك لتقول أنت نائب لإعطاء عدد من النواب في الكنيست للبحث في حصانتك وبناء شعبية على مسألة حصانتك.. هل أريد أن أتيح لهم الفرصة وأنا أعرف أنه في النهاية سترفع حصانتي؟ إذاً لماذا ألعب هذه اللعبة؟ ما الجدوى من لعب هذه اللعبة؟



هذا النوع من الأفكار يفكر فيها السياسي الذي لم يفقد ضميره ولا أخلاقه ولا مشاعره ولذلك أفكر بهذه المواضيع… والآن سمع الجمهور بشكل عال بماذا أفكر في هذه الأيام



* هنالك من يتحدث عن التجمع الوطني الديمقراطي ما بعد عزمي بشارة سؤال وطبعاً الاجتهادات كثيرة والمقالات عديدة ومتعددة سيبقى تجمع لن يكون تجمع التجمع هو تجمع والتجمع هو عزمي ماذا تقول أولاً للتجمعيين والمواطنين العرب في هذا الموضوع.



د.بشارة: الحركة الوطنية كانت قبل عزمي بشارة، وستبقى بعد عزمي بشارة، كانت بأشكال مختلفة.. شكل التجمع وأنا ساهمت في تأسيسه، والآن له أبناء وله قيادة أعتز بها.. جمال زحالقة وواصل طه، وإذا استقلت يدخل سعيد نفاع من أرفع النواب والقيادات المخلصة.. حنين زعبي نعرفها، رياض أنيس تعرفونه جميعاً، مصطفى طه… يعني لا أريد أن أعدد الأسماء قيادات التجمع، المكتب السياسي، عوض عبد الفتاح، أناس كانوا وطنيين قبل أن ننشئ التجمع، وكانوا موجودين قبل أن ننشئ التجمع، ليس فقط في التجمع..... الآن أجيال تربت في التجمع.



الآن هذا السؤال سيواجه التجمع.. لنفترض ولا أريد أن أقول لا سمح الله أريد أن أقول بمشيئة الله حدث مع عزمي بشارة حادث طرق.. لي أصدقاء أعزاء جداً توفوا هذا العام وجعلوني أفكر وجودياً في هذا الموضوع، وفي جيلي توفوا، والموت حق في النهاية، التجمع سيواجه هذا السؤال عاجلاً أم آجلاً، التجمع باعتقادي قادر.. أسسنا مؤسسات أسسنا قدرة، التجمع في النهاية قادر على الإستمرار، المسألة ليست استقالة، ولا فضيحة أو غيره، أنا لدي "صديقين مقربين" توفوا هذا العام أحدهم، أصغر مني قليلاً والثاني أكبر مني قليلاً، لماذا لا يحصل لنا جميعاً هذا حق.. وفي النهاية إذا حصل سنواجه هذا.. ولذلك استقالتي لا تثير سؤالا حول مصير التجمع.. التجمع يجب أن يثير سؤالاً حول كيف يستمر العمل بتوطيد وتقوية المؤسسات، وأن كل الناس الذين على الهوامش في ظروف التحدي، الآن هو الوقت للتحدي والتصدي والإنضمام.. وأنا أوجه تحيتي ليس فقط للتجمع لكل القوى الوطنية العربية والأحزاب التي تقف الآن ضد هذه الهجمة مع إخواني في التجمع.



* دور الأحزاب العربية وأنت تتابع عن كثب ونحن نعلم ذلك، أي ما تسمعه وما تقرأه ربما كيف ترى دور باقي النواب العرب حيال هذه القضية وفي هذه المرحلة قبل أن تأتي العاصفة الكبرى خلال أيام؟



د.بشارة: إن شاء الله أنا كلي ثقة أنهم يدركون حجم الموقف وطبيعة التهم ولماذا توجه هذه التهم في هذه الفترة لقيادات ورموز من الحركة الوطنية إن كان في الحركة الإسلامية وإن كان في التجمع الوطني الديمقراطي أو آخرين.. يريدون تحجيم العمل السياسي في الوسط العربي وتقزيمه، ثارت ثائرتهم مؤخراً، انتشار الخطاب السياسي الذي يدعو انه في هذه البلاد هنالك قوميتان وليست قومية واحدة، وأثار ثائرتهم مسألة المواطنة والتركيز عليها بهذا الشكل بمعنى تناقضها مع الفكر الصهيوني، وليس اندماجها في الفكر الصهيوني، هذا كله أثار ثائرتهم، موقفنا المتحدي المتصدي في التعاطف مع الشعب اللبناني أثناء الحرب على لبنان.. رفضنا اعتبار أعداء إسرائيل هم أعداؤنا، هنالك نوع من العمل السياسي والخطاب السياسي الذي انتشر وهذا يغضب الجميع الآن.



الأحزاب العربية تعلم أنه إذا ضرب، طبعاً ربما بعض الأحزاب سيكتب لها البقاء والاستمرار في ظل الهيمنة الصهيونية، ولكن ستفقد هويتها ستفقد ذاتها.. لذلك من يتضامن ويتفاعل الآن مع شعبه يتضامن مع نفسه ومع قضيته.. وأنا أتوقع من جميع الإخوة وأسمع أخباراً طيبة إن شاء الله من التنسيق الجاري بين الأحزاب المختلفة..



عادة أنا أقول في هذه الأيام عبر راديو الشمس كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفصح المجيد طبعاً تأخرنا يومين.. غير مهم، ولكن أعطوني الفرصة أقولها بأثر رجعي لكل إخواني ولكل أبناء شعبنا.



* سؤال أخير د.عزمي.. الجميع كما ذكرت وربما قرأت هذا السؤال حول ما سيحدث في الأيام المقبلة.. هل هنالك مخططات واضحة باتت بالنسبة للدكتور عزمي بشارة وربما كلمة للجمهور في هذه المناسبة؟



د.بشارة: حول مخططاتي في الحقيقة لا أستطيع أن أفصل أكثر، قلت ما أعرف.. هنالك أشياء أنا نفسي لا أعرفها للآن.. ولكن ما أعرفه قلته.. بكل وضوح.. بالنسبة للجمهور الكريم أن يتذكروا دائماً أنه نحن أصحاب هذه البلاد وسكانها الأصليون، ويريدون أن نتصرف "كأننا ضيوف في بلدنا نحاول أن نثبت لهم كل الوقت أننا نحن بلغتهم "بسيدر" (على ما يرام).. ولكن نحن لسنا "على ما يرام"، نحن العرب الفلسطينيين أبناء هذه البلاد نتمسك بحقوقنا المدنية والوطنية ونتفاعل كما نرى مع حق الشعوب في مقاومة الإحتلال والعدوان، وهكذا يجب أن يرضوا بنا. الآن طبعاً إذا ما اعتبرونا أعداء سيحاربوننا كالأعداء.. ماذا تتوقعون منهم إذا اعتبرونا أعداء؟ سيحاولون بكل الوسائل التصدي وربما حتى تصفية من يعتبرونه عدواً ولذلك توقع ما يتوقع.. وهذا ما هو متوقع في مثل هذه الحالة وأنا أحب أن أؤكد محبتي وانتمائي وإخلاصي وشعوري الذي لا أستطيع وصفه بالتأثر من حجم التضامن الذي تم من أبناء شعبنا في الداخل... الأصوات المرتبطة بالسلطة هي عالية، ربما تكون عالية ولكن في النهاية هي أقلية صغيرة جدا..ً غالبية شعبنا شعب وطني وطيب ويعرف ماذا تريد الحكومة ماذا تريد المؤسسة الأمنية لماذا يستهدفون الناس.. طبعاً من حق الإنسان العادي في بعض الحالات أن يتردد أن يخاف أن يقلق ولكن هذا لا يصنع مستقبلا ولا يصنع شعبا.. ما يصنع مستقبلا وما يصنع شعبا هو الصمود والموقف الصلب وعدم التأثر والرغبة ببناء مجتمع حر وكريم في وطننا.. نحن لسنا ضيوفا عندهم.. ولذلك أنا الحقيقة بمنتهى التأثر وبمنتهى الامتنان لشعبي أشكر على كل العواطف التضامنية التي تمت.. وأيضاً الإعلام العربي المسؤول الذي تصرف بشكل مسؤول لأنه في النهاية من تصرف بشكل غير مسؤول هو أقلية صغيرة أيضا بين الإعلاميين.



* هنالك العديد والكثير من الأسئلة التي يمكن أن نسألها وأن تعلم



د.بشارة: الأيام قادمة سنحكي.



* الأيام قادمة واضح وأنت تعرف الآن هنالك أمور لا يمكن أن نخوض بها وأنا أعلم أن عدد كبير من المواطنين يتصلون الآن على الإنتاج ويسألون ويحاولون الاستفسار ولكن كما ذكرنا في البداية هنالك أمور تمنعنا للأسف هذه المرحلة وكما ذكرت الأيام قادمة النائب الدكتور عزمي بشارة رئيس التجمع الوطني الديمقراطي شكراً لك على هذا اللقاء الخاص لإذاعة الشمس ونحن نتمنى دائماً الصحة لك وأن نسمع أخبار جيدة في القريب.



د.بشارة:: تحياتي لك جاك ولكل المستمعين.

عزمي بشارة حول تجديد الفكر القومي في المرحلة الراهنة


قام الدكتور عزمي بشارة بزيارة الى دمشق حيث قام بالقاء ندوة حول تجديد الفكر القومي العربي في الوقت الراهن, بامكانك مشاهدة التسجيل صوت وصورة هنا

Friday, March 30, 2007

حول تجيير الفشل الأميركي لمصلحة أميركا

الاخبار

عزمي بشارة

بعد ثبوت احتمال أن تفشل مشاريع الولايات المتحدة في مواجهة مقاومة وطنية «سنية» في العراق، ومقاومة وطنية «شيعية» في لبنان، وذلك بالضبط لأنها ليست حروباً ضد دول، ولأنها غير متكافئة، تعرّض العالم العربي المشدوه من قوة المقاومة أمام القصف الشامل، المأخوذ بنجاعتها رغم ضعفها النسبي أمام عُتُوّ الاحتلال وجبروته، لجهد علاجي تبذله الدول لتبديد الوهم. ويتم ذلك بتجيير تحوّل اختلاف مذهبي بين الشيعة والسنة في العراق إلى خلاف طوائف، ثم تأميم نزاع الطوائف بحيث تمثّله دول على مستوى إقليمي. هكذا تصبح المقاومة وأعداء المقاومة من طائفة معينة في طرف واحد، وتطمس الحدود بين من قاوم ومن لم يقاوم ومن تواطأ ضد المقاومة في العراق مثلاً.

لقد ثبت إذاً أن لعبة الدول تستمر في الوقت عينه، وبشكل متواز... وهي تحاول تغيير قواعد اللعبة بحيث تطمس الفرق بين المحاور الحقيقية في المنطقة. وهي في حقيقتها ودوافعها وأهدافها ليست محاور طائفية. ولكنها كما قلنا آلية الدول في استغلال تخلّف المجتمعات وتجييرها لمصلحة تكييف الدول لذاتها مع الأوضاع الجديدة التي نشأت بعد فشل إعادة هندسة الشرق الأوسط أميركياً. وما إن فشلت إعادة التصميم وتحولت الى فوضى حتى حُوِّلت الفوضى الى إيديولوجية، وما إن فشلت الأخيرة حتى عادت إعادة هندسة المنطقة على شكل سياسة محاور.

ولكن في حالة الصراع العربي الإسرائيلي والحالة الفلسطينية يصعب طمس الحدود. فما العلاقة بين «سنية» المقاومة في العراق والمحور الذي يحاول حالياً تحويل المبادرة العربية للسلام مع إسرائيل الى «موقف عربي سنّي معتدل». وما علاقة «شيعية» المقاومة اللبنانية ومحاولة «تسويق» هذا الموقف العربي الجديد عبر تعديله وتبنّيه دولياً، أو عبر جعله «أساساً» للتفاوض، أي تعديله في المفاوضات، أو عبر بدء التطبيع مع إسرائيل من دول غير الأردن ومصر (وغير السعودية) قبل بدء «مفاوضات ذات معنى» للحل الدائم، وفقط «لطمأنة» إسرائيل إلى مستقبل وضعها في المنطقة على حد تعبير رايس.

لا طوائف ولا هم يحزنون، بل يحزن الفلسطينيون. والواقع أن الدول التي استفادت من فشل سياسة عدم الاستقرار، ومن دموية سياسة نهاية الاستقرار كقيمة، ومن تعثّر وجهنّمية سياسة الفوضى البنّاءة، تحاول الآن أن تخيّر الولايات المتحدة بين قبولها كما هي، بما فيها خططها الداخلية المناقضة لشروط الولايات المتحدة سابقاً، ومواجهة حالة انحلال الدولة. والأخيرة تطلق العنان لقوى لا سيطرة عليها في الاتجاهين مقاومةً وتخلّفاً، مجتمعات وقبائل، شعوباً وطوائف.

ولا حاجة إلى تفعيل كل ذكاء متوسطي الذكاء للاستنتاج أن الولايات المتحدة اختارت الأنظمة الحليفة القديمة التي يعتمد عليها في القمع داخلياً من دون التشديد على مسألة حقوق الإنسان والإصلاحات الديموقراطية. فبين الديموقراطية وحقوق الإنسان من جهة، ومصالحها من جهة أخرى، اختارت الولايات المتحدة الواقعية طبعاً. وعلى كل حال من في بيته غوانتانامو لا يرمي الناس بالحجارة، تسمعها ولا تدري إذا كان من يقولها فرحاً ومرحّباً بوجود غوانتانامو كشاهد براءة يلوّح به أو غاضباً ناقماً عليه.

في مقابل التسامح الأميركي مع أجندتها الداخلية المتعلقة بإطلاق يد الحكم في ليبرالية اقتصادية متوحشة من جهة، وعداء متوحش لليبرالية السياسية وحقوق المواطن وحرياته من جهة أخرى، تحاول الدول التي أصبحت مَرْضياً عنها، لا فقط عن سياستها، أن تمدّ يد العون للولايات المتحدة في مأزقها، وذلك، أولاً، على حلبة تعيين المحاور وتسميتها محاور طائفية تمنع أو تعرقل تحالف حركات مقاومة من طوائف مختلفة، ويفترض أن تسمح لها بممارسة التأثير ضمن الطائفة نفسها على حركات مقاومة تصبح بقدرة قادر متأثرة بالقاسم المشترك الطائفي المفترض بينها وبين أنظمة معادية للمقاومة. وثانياً، وبشكل خاص، على حلبة القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي. وهنا توجد في الواقع مصلحة مشتركة لا مجرد خدمة في اتجاه واحد. فتشخيص العديد من الدول العربية «الاعتدالية» أنه ينبغي إيجاد «حلّ ما» أو «تسوية ما» للقضية الفلسطينية هو حقيقي وليس مجرد تملّق للشعوب والرأي العام العربي.

وطبعاً تدرك إسرائيل ذلك وتماطل وتبتزّها لهذا السبب تحديداً، كما يحصل حالياً بينها وبين أولمرت الذي شمّ رائحة رغبة عربية في التقدم أو التراجع، يتوقف على زاوية النظر، فبدأ يماطل ويضغط من أجل المزيد. تعتقد الدول العربية المعتدلة فعلاً أن القضية الفلسطينية والموقف الأميركي منها هما من عوامل «عدم الاستقرار» باللغة القديمة، ومن عوامل تأجيج العداء لأميركا وحلفائها، ومن عناصر رواج بضاعة العداء للولايات المتحدة عربياً.

هذا الجرح المفتوح، وليس غياب الديموقراطية العربية، هو بنظر الدول العربية أهم عناصر «عدم الاستقرار» والعداء لأميركا. وخلافاً لرأي إدارة بوش بعد 11 أيلول، ليس الاستبداد هو الذي يفقس إرهاباً في رأيها، بل الجرح الفلسطيني الملتهب في الوعي العربي. وهي مستعدة لتبنّي «حل للقضية» بالمفهوم الدولي للتسوية بعيداً جداً من منطق حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي فقست تياراً شريكاً لها حوّل الدولة الى هدف قائم بذاته. والحديث هو عن ضرورة إقناع إسرائيل بتبنّي تسوية على أساس القرارات الدولية. وهي تحاول إقناع أميركا بل مناشدتها وتوسّلها أن تفهم هذا وأن تضغط، بمعنى أن تتوسط لها عند إسرائيل لتليين قلبها وعقلها لتفهم ان ذلك أيضاً في مصلحتها.

واختلط الأمر على الولايات المتحدة بين الاقتناع بهذا الموقف فعلاً وبين تبنّيه كنوع من علاقات عامة على الساحة العربية، وذلك ليس ارتباكاً بقدر ما هو انعكاس لتغيّر الأجندات بين إدارة وأخرى وفي رحلة حكم الإدارة نفسها.
وغالباً، وفي حالة رفض إسرائيل الخطط والمقترحات الأميركية للتفاوض، ترافق المقترحات والمبادرات السياسات الأميركية في المنطقة العربية كنوع من العلاقات العامة لأجندات أكثر أهمية، وذلك من نوع الحكم الذاتي كحل للقضية الفلسطينية، أي كعلاقات عامة للسلام الاسرائيلي المصري يرافق الأجندة الأهم في حينه، وهي انتقال مصر الى التحالف مع أميركا وتوقيع المعاهدة الإسرائيلية المصرية، وبرنامج ريغان وعلاقته بحرب عام 82 على لبنان، وأخيراً خريطة الطريق للتغطية على الحرب على العراق، ثم التحرك الأخير المتعلق بتشجيع العرب على تعديل المبادرة والتطبيع مقابل منح المبادرة وضعاً دولياً، أي أميركياً كنوع من العلاقات العامة ترافق وتموّه الفشل الذي دوّى أخيراً في آذان بان كي مون في العراق.

وظيفة الدول العربية المتساوقة مع هذا المخطط هي إذاً منح الولايات المتحدة إنجازاً سياسياً في المنطقة بعد فشلٍ إجرامي في العراق وفي لبنان لم يُحاسب عليه أحد بعد، أو على الأقل قناةً سياسيةً لتصريف المياة الآسنة للسياسة الأميركية في لبنان والعراق.
إزاء هذه الصورة، يبدو تفجّر مياه الصرف الآسنة على السطح في غزة المنكوبة كأنها قطاع من الأرض يطفو على بركة مياه صرف، رمزياً جداً لتصوير الحالة.

من زاوية النظر هذه تبدو حالة رايس بائسة بشكل خاص. لقد جمعت العرب وابتزّت منهم تغييراً في اللهجة في ما يتعلق بمبادرة السلام العربية، وهذا إذا لم يقابل بمبادرات «حسن نوايا» إسرائيلية قد يتحول من خدمة علاقات عامة لتحسين سمعة أميركا إلى خدمة سيئة وتخريب سمعة للدول العربية. وتتلخّص العلاقات العامة وتحسين صورة أميركا وحلفائها بأن يتلو ذلك «تنازل» إسرائيل للتعاطي مع مبادرة السلام العربية ومع مفاوضات الحل الدائم فلسطينياً. ولكن رايس عادت من زيارتها الى القدس بخُفّيْ حُنين. فقد بارك أولمرت إبان الزيارة دعوته إلى وليمة التطبيع: الرباعية العربية والرباعية الدولية وفلسطين وإسرائيل. ولِمَ لا يبارك وقضية فلسطين في هذه الحالة باتت واسطة تطبيع مع العرب بدل أن تكون عائق تطبيع علاقات مع العرب. ومما يحبس الأنفاس أن أولمرت وافق بعد زيارتها على الاجتماع، ولكن بمن؟ بالرئيس الفلسطيني. حتى هذا أصبح تنازلاً ودليل حسن نية... وحتى صحيفة الأخبار اللبنانية باتت تقع في فخ هذه اللغة عند تغطيتها أخبار الرباعية والسلام ومبادرة السلام.

أولمرت أخرج الهواء موقتاً من بالون رايس. ولكنه سوف يرى في دولة فلسطينية ذات حدود موقتة عودةً محمودةً إلى ما اقترحه شارون وفشل وتحوّل الى فك ارتباط فاشل بدوره. وسوف يقبل بالحل الانتقالي المتمثّل في «دولة» بحدود موقتة تُرفع منزلتها الى دولة في الأمم المتحدة (إذا كان المقابل هو اعتبار ذلك تفسيراً دولياً وتسويقاً لمبادرة السلام العربية)، وبحيث يبقى كل شيء بعد ذلك مسألة علاقات ثنائية بين كيانين، فلسطين وإسرائيل. وما تبقّى، مقابل صنمية الدولة (فتيشية الدولة)، من تفاصيل صغيرة مثل القدس واللاجئين والحدود الدائمة لا يُفترض أن تُوقّع هذه «الدولة» تنازلاً عنها إلا مقابل حدود دائمة. ولكن تأجيل حلّها الى الأبد لا يفسد للودّ قضية. فهي في أقصى الحالات تعبيرات عن صراع حدود بين كيانين لا يفترض أن يتدخل فيه العرب الذين يقيمون في هذه الأثناء علاقات سلام وتطبيع تدريجية مع إسرائيل. ومرة أخرى سيقول العرب إنهم لا يستطيعون أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، وذلك بعدما دفعوا بفلسطينيين من النوع الذي يرغب في أن يُدفع به الى القبول بهذه التسوية.

هكذا تبدو هذه الدينامكية: العرب يقولون إنهم لا يستطيعون أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين. والدول الإسلامية التي اجتمعت في باكستان كان يفترض أن تقول إنه ليس في وسعها أن تكون عربية أكثر من العرب.
وأخيراً حاولت الدول العربية «الاعتدالية» ان تشكل نواة محور اعتدالي إسلامي أيضاً. ومن غرائب الدنيا أن تركيا أحبطت ذلك المسعى بسبب مصالح جيو ــ استراتيجية متعلقة بعدم تعريض علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع إيران وسوريا للخطر مقابل مجهول... وليس لديها ما تكسبه مع أميركا ولا تحتاج الى وساطة للتطبيع مع إسرائيل. ولكن النوايا اتضحت على الأقل.

ومن الغرائب أن المُعطّل حالياً هو تردّد أولمرت، فمن دلائل رداءة الوضع العربي أن لا تثنيه تحوّلات كبرى عن الابتزاز حتى في تفاصيل مثل تحرير الجندي شاليط. إنها بالنسبة إلى الفلسطينيين مسألة تبادل أسرى، ولكن بالنسبة إلى أولمرت إطلاق سراحه يعني ضرورة أن يحقق إنجازاً سياسياً شعبياً بعد فشله المكلف في إطلاق سراح الأسرى المخطوفين في لبنان وغزة. مرة مصالح تركيا في المنطقة ومرة أخرى مصالح سياسية انتخابية لأولمرت، فأين العائق والمعوق العربي الفعلي لتجيير الفشل الأميركي لمصلحة أميركا؟

عدد الخميس ٢٩ آذار ٢٠٠٧

شرك شراكة شيراك ولاعقلانية السياسة

عزمي بشارة

عندما شنّت إسرائيل عدوانها على لبنان كان من الواضح أنها تحظى بتشجيع أميركي يتجاوز الدعم بفتاوى أو براءات أو صكوك غفران (مترادفات لكي لا يزعل أحد) جورج بوش: «من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها ضد الإرهاب»، إلى الرهان على العدوان ووضع أهداف له ترتبط أيضاً بالأهداف والمحاور الإقليمية. وقد اعتبرنا هذا التشجيع الأميركي و«العربي الاعتدالي» لهذا العدوان المتطرف أحد أسباب توسيع نطاق «العملية» التي لم تعلن كحرب إطلاقاً لتستلّ من الأدراج الخطط المعدة للقضاء على المقاومة اللبنانية. وقد حظيت إسرائيل بدعم علني من دول غربية أخرى منها بريطانيا. أما فرنسا فقد اتخذت موقفاً نقدياً من الحرب كرّره شيراك عدة مرات مستمداً منطقه من عدم تلاؤم رد الفعل الإسرائيلي مع فعل خطف جنديين، وبما معناه باللبناني «ما في نسبة وتناسب». واستعار شيراك عبارة من قوى لبنانية: «ينشأ أحياناً الانطباع أن إسرائيل تريد تدمير لبنان». لم يكن رد الفعل الفرنسي معارضاً للحرب بقدر ما جاء دليلاً على أن فرنسا متورطة في لبنان إلى درجة التماهي مع صيغ ردود فعل بعض القوى اللبنانية، ونقصد تلك التي أشعرها موقفها غير المعارض، أو المتفهّم للحرب، أو غير الآسف على الطرف المعرض للعدوان والذي تهدف الحرب إلى اجتثاثه، بالحرج. وهي بالتالي تصيغ موقفها كما يفترض بقوى لبنانية أن تصيغه. وهذا يضع فرنسا في موضع الشـــــــبهة أكثر مما يبرؤها، ويفسر أيضاً موقفها الأكثر تطرّفاً ضد إمكانية التوصل إلى وفاق داخلي في لبنان.

في 18 آذار جاء من الدولة التي شنّت العدوان، والتي لا تحفظ سراً ما هو أوثق قليلاً من التحليل أعلاه. جاء خبر نصّه أنحف من عنوانه، ومضمونه أكثر ضموراً من شكله، أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك اقترح على إسرائيل في الأيام الأولى للعدوان على لبنان «مهاجمة سوريا وإسقاط نظام الحكم فيها مقابل تأييد فرنسي غير محدود في الحرب». تقول «معاريف» أنها كانت «رسائل» من الرئيس الفرنسي جاك شيراك شخصياً، بينما تشير الصحيفة في آخر التقرير إلى أن المقترح الفرنسي بُحث فقط في طواقم مهنية تابعة لوزارة الخارجية، ولم يطرح أمام المستوى السياسي لبتّه... بالعبرية كما في العربية تحتمل كلمة رسائل تأويلات من الدلالة على تلميحات وحتى الرسائل الرسمية المكتوبة. ونحن نرجّح في النهاية أن فرنسا جعلت إسرائيل تفهم من دون رسائل واضحة أنها لا تمانع بل تشجع أن يكون الرد الإسرائيلي على عملية خطف الجنديين موجّهاً ضد «مواقع» حزب الله (فسّر كلمة مواقع بالإسرائيلي!!) وضد سوريا مباشرة بحجة دعمها غير المشروط للإرهاب في لبنان.

كان هذا هو الرأي المعلن لبعض قوى اليسار الصهيوني التي تبدي عادة تفهّماً أكبر للقوى المعتدلة العربية ولضرورة عدم تنغيص التحوّل الجاري في لبنان بسوء الحسابات. ولذلك سمعت مع بداية قرع طبول الحرب تصريحات من أمثال النائب يوسي بيلين بتوجيه الضربة إلى سوريا. ندم بيلين على كلامه هذا، وهو يطالب حالياً بالتفاوض مع سوريا. لم يندم أخلاقياً بالطبع، أي لم يؤنّبه ضميره، بل تغيّرت الحسابات بعد فشل إسرائيل المدوّي في الحرب.

وجاء في هذه المراودة الفرنسية حسب «معاريف»، أن إسرائيل ستحظى بدعم فرنسي غير محدود في مجلس الأمن ومن خلال تأثيرها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إذا قررت اجتياح سوريا وإسقاط نظام الحكم الحالي(!!)، موضحةً أنها ستعبّر عن دعمها بتأييد قرارات وتصريحات دولية تمنح إسرائيل مساحة واسعة من المرونة في حربها على سوريا. وستمنع فرنسا في الوقت نفسه أي تدخّل من شأنه أن يؤثر في عمل الجيش الإسرائيلي ضد سوريا. هذا ما قامت به أميركا في مجلس الأمن طوال الحرب الوحشية على لبنان وحده.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله: «إن الفرنسيين قالوا لنا عملياً ماذا تريدون من لبنان؟ توجّهوا إلى سوريا، فهي مصدر كل المصائب»، مضيفاً: أراد الفرنسيون أن ينفّذ الجيش الإسرائيلي المهمة في سوريا بالنيابة عنهم. وحسب مسؤول إسرائيلي آخر: «لم يفهم شيراك المصلحة الإسرائيلية على أنها لم تبحث آنذاك عن سبل لمهاجمة سوريا». ويضيف «وحين أدرك شيراك أننا نبحث عن سبل لإنهاء الحرب لا توسيعها، توقفت الرسائل». وبرأيه «لم تكن الولايات المتحدة لتعترض لو قررنا اجتياح سوريا في الأيام الأولى للحرب».
هذه بالطبع كلها تحليلات وآراء محدودة الضمان، وليست حقائق، ولا حتى حقائق بمنزلة أخبار. وكان لدينا رأي منشور في بداية الحرب أن عدم رغبة إسرائيل في توسيع نطاقها لتشمل سوريا، لم يأت بضغط أميركي، بل كان من منطلق ميداني عسكري وسياسي إسرائيلي محض ملخّصه التركيز على المهمة وإنجاحها، وعدم ولوج حرب محسوبة الأهداف نظرياًَ، ولكنها غير معروفة العواقب عملياً. وعلى كل حال نظام الحكم في سوريا وفي غيرها لا يسقط بقرار إسرائيلي أو فرنسي، والأرجح أن يؤدي قرار كهذا إلى نتائج عكسية.

قد تنصاع الخارجية الفرنسية رغماً عنها لأهواء رئيسها في جمهورية ذات نظام رئاسي، ولكن في إسرائيل، كما يبدو، هناك حتى بين موظفي الخارجية من لا يبحث بجدية كيف ينفذ رغبات فرنسية متعلقة بموضوعات حب الرئيس الفرنسي وكرهه تصل حد السلم والحرب، كما يروّج عن أمزجة بعض زعماء دول العالم الثالث، وناهيك بأنه لا يعوّل كثيراً على مثابرة الدعم الفرنسي. وأولمرت يعرف أنه لا يستطيع الاعتماد في ذلك حتى على حزبه. الجميع كان سيمتدحه لو «نجح» في لبنان وحده، وها هو يتعرض للإدانة والتحطيم السياسي من دون رأفة لأنه فشل. ها هو يتعرض للجنة تحقيق كان يمكن أن تكون لجنة أوسمة بعضوية الأشخاص أنفسهم لو نجحت إسرائيل في الحرب ولو بضعف عدد الضحايا.

عندما ترشح معلومة أو يُعلن خبر إسرائيلي يدين إسرائيل من نوع امتلاكها السلاح النووي، أو جريمة قتل مئات الأسرى المصريين في سيناء عام 1967، فغالباً ما يتلوها في الصحافة العربية وبجرعات كبيرة السؤال عن التوقيت، وهو يرشح من زوايا التفكير التآمري بصيغة لا تمل ولا تحصى: «ولماذا في هذا الوقت بالذات؟»، وغالباً ما يعبّر السؤال عن ميني ــ مؤامرة للتهرب من مواجهة الحقيقة. فمن لا يريد مواجهة حقيقة تسلّح إسرائيل النووي ولا يستطيع إنكاره يهاجم النشر الذي أحرجه، ومن لا يريد مواجهة إحراج عدم رغبته حالياً في مواجهة سياسية دبلوماسية مع إسرائيل على جريمة مروّعة وقعت فعلاً، يتهم توقيت النشر التآمري عن مذبحة الأسرى المصريين في التلفزيون الإسرائيلي.

وارد بالطبع أن تستخدم أذرع الأمن الإسرائيلية بعض صحافييها وصحافياتها لأغراض من نوع تسريب المعلومات الخاطئة والمضلّلة، ولكن يجب أن يكون هنالك منطق ما يحكم ذلك. لماذا تدين إسرائيل نفسها بجريمة تسيء إلى علاقتها بمصر؟ ثقوا بخيال سؤال: «لماذا في هذا الوقت بالذات؟» الأبدي وقدرته على أن يجد جواباً. فقد وجد جواباً لم يحاسب أحد عليه يتعلّق بالاشتباه في فعنونو، ومفاده أنه يقوم بدور كهذا لتخويف العرب من القنبلة النووية بكشف سرها المعروف. والأخيرة لا تخيف ما دام العرب يعرفون بوجودها ولكن من دون إثبات أو اعتراف مادي قاطع ومحرج. وطبعاً سُجن فعنونو سنوات طويلة في الحبس الانفرادي. أما قصة الأسرى المصريين فتوقيت النشر لمن يتابع كان في كتاب لمؤرخ إسرائيلي صدر عام 1994. وليس ذنب الحقيقة أن العرب ينتظرون التلفزيون الإسرائيلي لكي يكون مصدراً موثوقاً لها، ولا ذنبها أن يشتعل صراع داخلي بين نواب الشعب والحكومة يساهم في النفخ في نار هذا النشر ليتحول إلى ضجة.

ليست فضيحة شيراك هذه، وفضائح أخرى تنتظر أن يتم التحقيق في شأنها بمثل هذا الوضوح، وربما من حق المراقب أن يسأل في شأنها عن التوقيت، وخاصة أن لصحيفة «معاريف» سوابق كثيرة في التسريب عن الأجهزة الأمنية، بما في ذلك نشر الأضاليل، وخاصة أن فرنسا أرخت قبضتها قليلاً في ما يتعلق بإعاقة العلاقة الأوروبية السورية. ولكن التساؤل المحق في هذه الحالة عن توقيت النشر شيء، وتجاهل الواقعة برمتها شيء آخر. وهدف إسقاط نظام الحكم ليس تفصيلاً في علاقات الدول، فكم بالحري إذا كانت عربية، فلا هو نقد مشروع، ولا هو مطلباً متعلقاً بعلاقات ثنائية بين دول ذات سيادة.
ونحن نعرف أن شيراك فقد عقلانيته في سياسة بلده في سوريا ولبنان، لا بسبب انحياز غير مألوف في السياسة الخارجية الفرنسية للقيم والأخلاق يشوش الواقعية السياسية الفرنسية المعهودة التي لا تمتّ للأخلاق بصلة في إفريقيا، وحيَّدت وتحيِّد قيم الجمهورية عن السياسة الخارجية تماماً في العالم العربي، ولا نتيجة حسابات مصالح متعارضة فعلاً وحقيقةً مع سياسة سوريا وقوى لبنانية وغيرها، بل وصل إلى هذا الحد نتيجة تشويش هذه الحسابات بمصالح شخصية وانتخابية متطرفة يحاكم على أقل منها بكثير رؤساء حكومات في إسرائيل والولايات المتحدة.

عدد الخميس ٢٢ آذار

من الصحي أحياناً أن يطرح هذا السؤال

عزمي بشارة

أجهزة البث والإرسال في الأجساد وفي البيوت التي نخلد إليها باتت تعمل بوظيفة كاملة، حتى من دون أن يعي ذلك سكان الأجساد والبيوت، يشعرون ولا يعون، فقدوا القدرة على التمييز بين ما يشاهدون وما يلمحون، وما لا يشاهدون ولا يلمحون، ولكن شبِّه لهم. وأنت تلمح صوراً تلفزيونية وغير تلفزيونية دون قصد، تخترق مجالك البصري من دون استئذان. أنت مهتم بالسياسة، لكنّ نوعاً محدداً من الأخبار لم يعد يثير فضولك. فأنت لم تعد تنتظر ما تؤدي إليه اجتماعات السياسيين وقادة الدول...فالمضمون غير متعلق بالصورة أصلاً، لأنك ترى رجالاً ونساء يبتسمون، ويتصافحون أو يتعانقون أمام الكاميرات. مهم أن يجلسوا، وربما ما يقولون، ربما، لكن من ينتظر فعلاً وبجدية ما سوف يقولون هم عن الجلسة التي جرت؟ هنالك من أدمن «انتظار النتائج»، وبالنسبة إليه هذه هي «الأخبار» بالمعنى الحرفي للكلمة.
وإذا لمحت أولمرت على جهة من الطاولة في بيته في القدس وطاقم من الرئيس ومستشاريه على جهتها الأخرى، أو إذا لمحت السيدة رايس مع قادة ووزراء في صورة تمر كلمح البصر، وأنت لا تعرف عمّا يتحدثون أثناء السماح للكاميرا بالتصوير، إلا إذا مررت بظروف مشابهة: عن الطقس أو الطريق أو آخر ما رأوا أو تاريخ البناية التي يعقد فيها الاجتماع أو عن الصحة. وأنت تعلم أنهم سيدخلون في الموضوع بعد أن يخرج المصورون... ومع ذلك قد يستغرب المرء ما يمكن أن تثيره هذه الصور مما ليس بوسع النفس أن تتحكم به من تداعيات حول العبث والمعنى والجدوى، مثلما تثيرها لدى المرء في حياته الشخصية أحداث من نوع خبر مباغت عن وفاة أحد معارفه، حتى لو لم يكن صديقاً مقرباً لمجرد أنه رآه حياً يرزق ويخطط تفاصيل حياته قبل يومين، أو خبر عن انتقال متطرف من موقف إلى آخر بدون مقدمات.

لا شبه بين الصور الإعلامية وغير الإعلامية التي تخترق مجالنا الحيوي والبيولوجي والنفسي بدون إذن وبين هذا النوع من الأحداث الشخصية، لكن التداعيات متشابهة. وإذا لم يغرق من يفكر بالسياسة بالتفاصيل الصحافية وإذا كان يتمتع ببعض الحساسية، أو إذا كانت لديه رؤية أو موقف رؤيوي يعيد الاعتبار إلى كلمة إيديولوجية باعتبارها ليست مجرد وعي زائف، بل ربطها في مكان ما مع التحليل العقلاني هي مهمة المثقف في السياسة، إذا كان يملك موقفاً منطلقاً من قيم مثل العدل والحرية والمساواة لا تحليلاً لموازين القوى فحسب، فسوف تصادفه من حين لآخر أسئلة وجودية وأخلاقية عن الجدوى والمعنى من هذا كله. السؤال عن الجدوى بين الفينة والأخرى بغض النظر عن سخافة الداعي له هو مهمة شاقة، لكن لا مهرب منها.

يأتي السؤال مباغتة دون سابق إنذار على حين غرة فينقل زاوية النظر إلى طبقة أعلى تشرف على الصورة الشاملة وتتيح رؤية حركة التغيير في المشهد برمته بدل حركة التفاصيل الشيطانية داخل المشهد نفسه، أو ينقلها باتجاه معاكس إلى طبقة أدنى، تحت سطح الأرض مثلاً، فيتوقف عن رؤية وسماع كليهما، التفاصيل والصورة الشاملة. والفاصل بين اتجاهي الحركة في نقطة البداية أقل من شعرة، وكان يمكن أن يتحرك المرء بأحد اتجاهين معاكسين؛ رؤية الصورة الشاملة وحدها، أو فقدان الرغبة برؤية أي شيء، للسبب نفسه. ولا يوجد تفسير إلا في أعماق النفس البشرية أو البنية الشخصية لماذا انتقل المرء إلى التفكير الأشمل وبالموقف الأخلاقي لا إلى العدم، إلى التفلسف لا إلى الصمت، إلى النقد من منطلقات قيمية لا إلى الاستمرار بقوة القصور الذاتي، لكن بعدمية قيمية أعمق؟ النقطة نفسها تشكل منطلقاً للاتجاهين المتعاكسين. أن تدرك فجأة سؤالاً مثل: منذ متى يتفاوض الواقع تحت الاحتلال مع الاحتلال، وعلامَ؟ ما معنى مثل هذا التفاوض؟ ما معنى أن نصل بالأدوات السياسية إلى أن الحصار الدولي ليس مفروضاً على الدولة المحتلة في فلسطين، بل على الشعب الواقع تحت الاحتلال؟ وحتى بعد قرار المحكمة الدولية في لاهاي ضد ممارسات دولة الاحتلال فإن من يتعرض لعقوبات دولية، غير مقررة قانونياً طبعاً، هو الشعب الواقع تحت الاحتلال.

وإسرائيل تستمر بممارسة الاغتيال، وذلك ليس وحده، بل ضمن عدد لا يحصى من الجرائم. وهي تواصل احتلالها ولم تنسحب بعد، بل تقيم عوض ذلك نظام أبرتهايد. ولا تجري مقاطعتها، وليس هنالك طلب لتشكيل محكمة جنائية دولية ضد مجرميها، مع أن جهازها القضائي عاجز عن تقديمهم للمحكمة، ولا يثق به أحد في كل ما يتعلق بالشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال أو كل ما يتعلق بمحاكمة جرائم حرب تمت في سياق الدفاع عن «أمن الدولة»، لكي لا يتردد الجنود في المستقبل. والحالة حالة جرائم حرب دون محاكمة. ولا يكفي أن إسرائيل لا تقدم لأية محكمة دولية بشأن الجرائم التي ارتكبتها ضد القرى والمدنيين أثناء الحرب على لبنان، بل إن لمصطلح محكمة دولية سياقات أخرى تماماً في منطقتنا. ومن الموقف التاريخي لمقاطعة إسرائيل وعدم الاعتراف بها وصلت الدبلوماسية العربية إلى محاولة إقناعها بأن تفاوض هي الطرف الفلسطيني وأن تعترف به. لقد دفعت م. ت. ف. ثمناً سياسياً باهظاً لمجرد اعتراف إسرائيل بها. والآن لا تعترف إسرائيل بالقيادة المنتخبة للشعب الواقع تحت الاحتلال. وتعترف انتقائياً بمن تريد. وتتوجه القوى المنتخبة المعترف بها انتقائياً لتجتمع مع رئيس حكومة دولة الاحتلال مرة تلو الأخرى حول أجندات يقررها هو لأنه هو الطرف الذي يملك الأجندات ويستقبل المطالب. وفي الواقع تحول المشروع الوطني إلى نضال مطلبي، وربما سعي مطلبي لدى الدولة المحتلة.

في عالم الحروب والصراعات إما أن يتفاوض الأعداء أو لا يتفاوضون، يتوقف على درجة نضجهم وتوصلهم إلى قناعات أو كاستمرار للحرب بوسائل أخرى تترجم نتائجها. وبرأينا ليس هنالك ما يتم التفاوض بشأنه بين استعمار وشعب يقع تحت الاحتلال. وإذا جرى تفاوض، فمجرد أن يجري التفاوض قبل إعلان دولة الاحتلال الاستعداد للانسحاب الكامل والاعتراف بحق تقرير المصير يفقد الشعب الواقع تحت الاحتلال هذه الصفة ويصبح طرفاً في مفاوضات غير متكافئة بين طرفين. لذلك يعلن الشعب الواقع تحت الاحتلال أنه لا يفاوض دولة الاحتلال، وأنه يناضل أو يصمد إلى أن تعلن عن استعدادها لتصفية الاحتلال، وعندها يصبح بالإمكان التفاوض في كيفية التنفيذ.

في فلسطين أصبح حلم حركة التحرر هو أن يعترف الاحتلال بها. ليس بذنبها وحدها طبعاً، ولكن هذا ما جرى منذ التسعينيات. وما ان حققت هذا الحلم حتى تحولت إلى طرف بين طرفين، وبعثرتها هذه اللعبة بين كيان سياسي افتراضي ليس ذا سيادة وشظايا وبقايا حركة تحرر.
وعندما أتيحت فرصة الانتخابات انتخبت حكومة فلسطينية ترفض هذا النموذج، لكنها لا تستطيع أن تحكم بسبب أسباب انتخابها، أي لأنها حركة مقاومة تحت احتلال. وهي تعارض التفاوض، لكنها لكي تتمكن من الحكم انتدبت من تعارض خطه السياسي ممن بعثروا الحركة وتزعموا الكيان الافتراضي للتفاوض من دون أن تتفق معه على محاذير التفاوض.
انتقلنا من محاولة إقناع العالم العربي بقبول السلام مع إسرائيل ككيان استعماري مغتصب للأرض ومعتدٍ على الشعب، ولا تكتفي أميركا وإسرائيل وبعض الدول العربية بمبادرة سلام عربية، بل تجري محاولة للضغط على القمة العربية لتحويلها من مبادرة سلام تجسر بين الموقف العربي والسلام مع إسرائيل إلى موقف عربي ابتدائي جديد يحتاج إلى مبادرة سلام جديدة تقدم المزيد من التنازلات، وقد تتحول هي أيضاً إلى موقف ترفضه إسرائيل... حالياً تشكر إسرائيل العرب على كل مبادرة وتشجعهم على الإتيان بمبادرات جديدة وصياغات جديدة والإكثار منها. وكان المنطقي أن من لديه مصلحة بالسلام والأمن أن يقدم هو المبادرات للعرب ليقوم هؤلاء برفضها ومباركة جهده وتشجيعه على تقديم المزيد من المبادرات.

قد نحلل إلى أين يقود هذا الجهد؟ ويمكن أن نبين أنه لن يتوقف عند مسألة حق العودة، بل سيطالب بتعديلات في خطوط الرابع من حزيران لتشمل أيضاً القدس. ويمكن أن نبين أيضاً لماذا لا توجد لدى إسرائيل مبادرات سلام لكي ترفض وتشجع على جهدها. لكن السؤال حول المعنى، من أجل ماذا؟ أمن أجل أن يفاوض، ثم يحكم هؤلاء الذين لمحتهم للتو، أو شبه لك، نصف دولة على نصف الضفة الغربية وقطاع غزة؟ أم من أجل أن يستمر أولئك بالحكم في دول غير ديموقراطية داخلياً وفاقدة السيادة خارجياً؟