Tuesday, September 25, 2007

سؤال المليون دمار: هل تشن الحرب؟


05/09/2007 22:01

كما يبدو لا يكل نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، ولا يمل عندما يتعلق الأمر بشن الحرب على إيران. ومن المعروف أنه كان أحد مصممي تحويل نقمة الرأي العام الأميركي على تنظيم القاعدة والإسلام المتطرف وأفغانستان وطالبان نحو بلد ليس ذا علاقة وهو العراق. وحتى في حينه وجد في إسرائيل سياسيون مثابرون لم يمانعوا أن تشن الحرب على العراق طبعا، ولكنهم آثروا شنها على إيران وعبروا عن رأيهم بصوت عال، إذا كان الخنجر قد سحب ولن يعاد إلى غمده "قبل أن يذوق الدم" (كما يقال في اليمن)، وإذا لم يكن بد من حرب سوف تشن دون علاقة مثبتة بالقاعدة، فلتكن إذا ضد إيران التي تكفرها القاعدة أصلا. وكتبنا عن ذلك في حينه. كان العراق برأيهم قد تحول بفعل الحصار المستديم إلى جثة سياسية عسكرية لا تشكل خطرا على إسرائيل، أما إيران فخطر استراتيجي. وطبعا كانت استراتيجية التدخل الأميركي العسكري ضد العراق القائمة على نفي عروبته واعتماد تقارير عربية "معتدلة" حول ضرورة دك أنظمة من الخارج أمرا مستحبا إسرائيليا من حيث المبدأ، وتطبيقا لنظرية إسرائيلية مفادها أن جوهر الصراع في المنطقة هو طبيعة الأنظمة العربية... ولن نطيل هنا، فهذا موقف يجب أن يسمع ويناقش إذ يقوله ديمقراطي عربي وليس إذا نطقت به إسرائيل. ولا شك أن بناء استراتيجية التدخل الأميركية تأخذ بعين الاعتبار حاجات إسرائيل وحلفاء أميركا العرب، وليس الموقف الديمقراطي العربي الخاطئ أو الصحيح.

ولأن التدخل في العراق آل إلى ما آل إليه من فتح أبواب جهنم المجتمعات على مصراعيها بعد كسر أقفال الدولة عنها، ولأن نظريات المحافظين الجدد قد آلت إلى غير مآلاتها بفعل طحن المجتمع العراقي لها ولذاته، فإننا نصادف هذا التساؤل التخميني الطابع: هل تشن أميركا الحرب على إيران أم لا؟ يقف العراق ومقاومته من وراء عدم يقينية الإجابة على السؤال، وذلك على الرغم من أن اللوبي الإسرائيلي في واشنطن يعمل بمثابرة على مدار الساعة وفي مسألة التسلح الإيراني تحديدا طيلة الأعوام الماضية، ومؤخرا بتقاطع مع لوبيات عربية "أد هوك"، أي في تحالفات لغرض واحد محدد، وعلى الرغم من إثارة الرعب من "القنبلة الإسلامية". وهو رعب لا نذكره في حالة إعلان الباكستان الإسلامية عن امتلاكها السلاح النووي، ربما لأن تلك القنبلة لم تنتج لتوازن تسلحا نوويا إسرائيليا. أما اللوبي العربي فيضم أناسا مقتنعين قناعة تامة ويقدمون النصائح بضرورة محاصرة أو ضرب أي محور يعرقل الانسجام "الطبيعي" للمنطقة في السياسات الأميركية، وآخرين نافرين فعلا من الشيعية وخطر التشيع، ويؤمنون فعلا بوجود مثل هذه الخطر وبينهم حكام، ويستغل الأولون مخاوف الأخيرين. لم أصدق في الماضي أن لمسألة الخوف من التشيع فاعلية على غير المستوى الجماهيري المعرّض والمكشوف لصناعات الهويات، ولم اعتقد أنه يؤثر حتى على حاكم واحد. وربما تعود هذه الريبية لتربية فكرية عقلانية من نوع معين (يساري في حالة كاتب هذه المقالة) ترفض أن مصائر الدول وسياستها قد تحدد نتيجة لمخاوف غير عقلانية من هذا النوع.

على كل حال نعود إلى السؤال: هل من حرب قادمة؟
النتائج الممكنة المترتبة عن مثل هذه الحرب وإسقاطاتها إضافة إلى تجربة العراق، لا تشي بل تزعق بالعكس. ويمكن تعداد ووصف إسقاطات على أفغانستان والعراق ودول الخليج ولبنان وإسرائيل. ويفترض حتى بمن لا يتمتع بخيال جامح أن يتوقع كوارث. حتى أميركا تتحدث عن تحول الجنود الأميركيين إلى رهائن في العراق.

ولكن انسحابا من العراق دون إضعاف إيران أو التفاهم معها، على الأقل مساومةً، بعد ضربة توجه لها سيحول العراق بأكمله رهينة لإيران. هكذا يجيب من يؤيدون الحرب رافضين حتى تخيل انسحاب من العراق بينما إيران على هذه المكانة والقوة. والإيرانيون لا يفندون هذه الرغبية بالسيطرة على العراق، ولا حتى لتهدئة خواطر العرب. ويبدو لي أحيانا أنهم يعيشون في عالم آخر، ولا بد أن في هذا العالم الآخر الذي يعيشون فيه أجنحة وتيارات تتصارع على صنع القرار، من بينها المؤيد للهيمنة على العراق ثأرا وتأكيدا للوطنية الفارسية أو انتقاما تاريخيا شيعيا بعد احتكار قرون لدور الضحية وتحويل الندب والبكاء غلى شعائر وطقوس وتذكر ما جرى للحسين عليه السلام لعصر الدموع بعد وفاة أي شخص في الحي، ومنهم من فك هذه العقد ويفكر بمفاهيم هيمنة ومصالح دولة إقليمية، ومنهم من يرغب فعلا بالتحالف مع العرب على أساس إسلامي حضاري إن لم يكن سياسيا معاديا لأميركا وإسرائيل. ثم هنالك "الخطر النووي"، وهل يمكن أن تقبل الولايات المتحدة وإسرائيل بكسر الاحتكار الإسرائيلي الإقليمي لهذا السلاح؟

أما في الولايات المتحدة فالنفاق والتكاذب على أشده رغم صدمة العراق. فالموسم انتخابي. وهو موسم تحييد العقل والمصلحة الوطنية في مقابل تثبيت المشهد وانتقائية الوقائع التي تبنى عليها الحجة ضد المرشح الآخر والمصلحة الانتخابية. فالمرشحون يتبارون في نقد سياسة بوش في العراق، ولكنهم لا ينبسون ببنت شفة حول مغامرة ممكنة في إيران خوفا من خسارة اللوبي الإسرائيلي، يساره ويمينه. إنه وقت سيء بالتأكيد لقول أي شيء مسؤول وغير مدفوع انتخابيا. حتى استنتاج أي عبرة سياسية من نقدهم لتجربة العراق غير وارد عمليا. منافقون حقيقيون يذكِّرون بلا عقلانية التنافس الانتخابي فيما يتعلق بمصالح الناس وتأثيرها الهدام وغير الموضوعي على عملية صنع القرار.

هنالك إمكانية لضربة أميركية جوية ضد إيران. طبعا هذه الإمكانية لا تعيقها الانتخابات بل هي ضرورية انتخابيا لكسب أصوات الحزب الجمهوري. وهي إمكانية واردة أيضا لأن حلفاء أميركا في المنطقة لا يقومون بتنويرها حول الثمن، ناهيك عن إنذارها من العواقب المتعلقة بهم وبالشعوب. وهذا هو الفرق بين حليفة أميركا الكورية الجنوبية وبين العرب من حلفاء أميركا. فرئيس حكومة كوريا الجنوبية عمل فعلا ضد الحرب على كوريا الشمالية مدركا أبعادها الكارثية في بلاده، وربما ساهم في إقناع حليفته في الولايات المتحدة بضرورة الحوار مع كوريا الشمالية. إيران ليست كوريا الشمالية، فهي تفوقها عقلانية ونظامها أكثر تعددية وشعبها أكثر ألوانا. ولكن جيرانها العرب بالتأكيد ليسوا كوريا الجنوبية، إنهم لا يتقنون هذا النوع من التحالف الساعي إلى التأثير على سياسة الإمبراطورية، بل يروجون قناعة مفادها أن أميركا كلية القدرة ولا معنى لطرح أيَّ تحدٍ أمامها. وبعضهم غير راغب ومتعصب لأميركا أكثر منها. حلفاء أميركا العرب هم أسوأ حلفائها في العالم أجمع، وبعضهم يشجعها على المغامرة.

ربما سوف تشن حرب أميركية على إيران تتلخص بسلسلة من عمليات القصف المدمر. ولكن إيران سوف ترد في اليوم التالي وسوف يصعب التحكم باستمرار الحرب. فمن يوقف أميركا؟ إذا شنت أميركا الحرب فأغلب الظن أن تقتصر على ضربة جوية دون إنزال، ولكنها لن تكون ضربة سطحية تكتيكية، ولن يكون بمقدور إيران في تلك الحالة امتصاص الضربة دون رد. وقد عددنا مناطق الرد.

في تلك الحالة هنالك إمكانية أن تتوسع الحرب لتشمل سوريا ولبنان في نوع من تقسيم العمل مع إسرائيل. هذا سيناريو "ابوكليبسا" حقيقي.
وربما لهذا السبب تحديدا، يمكن أن تفكر أميركا بالخيار الثاني: أن تتولى إسرائيل منذ البداية أمر الضربة الجوية ضد إيران. في مثل هذه الحالة لا تستطيع إيران أن ترد حيث شاءت. ويجب أن ينحصر ردها بإسرائيل، هذا على الأقل ما تراه أميركا. وسوف يكون هنالك من يتدخل ليوقف الحرب. ولأن أميركا ليست متورطة مباشرة فهنالك إذا من يوقف إسرائيل وإيران، فتبدأ مفاوضات حول سلاح إيران ودورها في العراق وغيره. هذه إمكانية أخرى. وأقول إمكانية فقط.

سوف ينشأ هذا الخيار بعد أن تتخلى أميركا عن فكرة شن الحرب وتعرب عن تفهمها لوضع إسرائيل ومبادراتها في مواجهة التهديد الإيراني بنفس واحد. وهي لن تكتفي بتفهم وضعها بل سوف تساعدها علنا وسرا لكي تنال من إيران.

وفي إسرائيل إجماع على هذا الموضوع وإصرار على ترميم هيبة الردع الإسرائيلي دون مواجهة برية من أي نوع بل بالاعتماد على التفوق النوعي الكامل في سلاح الطيران... والاستعداد لامتصاص رد فعل إيراني بالصواريخ.

في مثل هذه الحالة يصعب تخيل ضربة إسرائيلية عسكرية موازية موجهة لسوريا ولبنان.
ولكن من ناحية أخرى لم يجد العديد من المسؤولين الأوروبيين جوابا على ما يلي: لم يستخدم السلاح النووي إلا مرة واحدة، وذلك عندما كانت تحتكره دولة واحدة ولم يوجد ردع وتوازن رعب متبادل. لقد استخدمت أميركا العقلانية الديمقراطية غير الأصولي. حتى دولة بسلاح نووي رادع وغير مستخدم أقل خطرا من مجموعة حركات إرهابية مبعثرة في العالم تملك يورانيوم مخصب بعد ضرب إيران. ربما يجب على الغرب وإسرائيل التعود على فكرة ردع نووي متبادل في المنطقة إذا أصرت إسرائيل على الاستمرار بامتلاكه.

العقل يقول يجب ألا تكون حرب ضد إيران. في حالة العدوان على العراق لم ينتصر العقل ولا المنطق عند اتخاذ القرار. ولا ضمانة أن ينتصر هذه المرة أيضا.

هذيان صيفي إسرائيلي


16/08/2007 08:30

مزاودة باراك:
بعد أن اطمأنّت لتكريس الانشقاق فلسطينيا، عادت إسرائيل إلى عادتها القديمة، تَسومُ المفاوض الفلسطيني "المعتدل" أصناف الألاعيب والأكاذيب والأكروباتيكا السياسية، انطلاقا من أمنها الأبدي ونهاية بديمقراطيتها التي تعني إخضاع أراضي ومصالح الشعوب الأخرى لمناقشاتها الحزبية وخلافتها الداخلية ومماحكاتها الإعلامية. وتجر إسرائيل الطرف المقابل، الذي رضي لنفسه بصفة "طرفٍ"، أو أحد طرفين، للاهتمام بقضاياها الداخلية ونقاشاتها وأحزابها وتقديم موعد انتخاباتها وصراعها على هويتها بين متدينيها وعلمانييها ونفسها "المعذبة" من "اضطرارها" لقمع الآخرين.

لم يُفرض على شعب مضطهد ومظلوم ومحتل مثل هذا الاهتمام غير الطبيعي الذي يكاد يكون تطبيعيا بالشؤون الداخلية للشعب الذي يحتل أراضيه ويسلب وطنه. وفقط للاستطراد الداعي للتفكير نقول: مؤخرا اكتشف المشاهد العربي (المشاهد كلمة أنسب واقعًا وحقوقًا من كلمة مواطن في أيامنا) تعدد وغنى تنوع قضايا لبنان وتعقيداته الداخلية أيضا، كما اكتشف بدهشة لا تخلو من إعجاب عدد المتكلمين والمتحدثين الممتعين ومدى تطور فن الكلام (صف الحكي) الذي لا ينتهي. ولكنه اكتشف أيضا أن هذا التنوع والتعدد يعني في لبنان أن القرار لقوى خارجية. وهذا الاكتشاف يضع متعة اكتشاف المواهب اللبنانية الجمة في سياق آخر. وليفهم القارئ النبيه كيف يعني التنوع الإسرائيلي في النهاية إخضاع القوى الخارجية (ربما ما عدا أميركا) لقضايا الداخل، في حين أن التنوع اللبناني يؤدي إلى إخضاع القرار الداخلي لصفقات بين قوى خارجية. مسألة للتفكير.

في خضم التفاوض الهادف إلى إعداد شيء ما متفق عليه لـ"اجتماع دولي للسلام"، من نوع إعلان مبادئ يباركه الاجتماع وتعقبه انتخابات فلسطينية تتحول إلى استفتاء على هذا الإعلان المدعوم دوليا، وفي قمة المحاولات الإسرائيلية لإقناع الإنسان الفلسطيني بفوائد ومزايا وعائدات "الاعتدال"، يزاود باراك فجأة في مقابلة لـ"يديعوت أحرورنوت" ( 11 آب\اغسطس الجاري). بدون سابق إنذار قال باراك ما مفاده أنه لن يكون انسحاب من الضفة خلال الأعوام الخمس المقبلة، لأن إسرائيل لن تنسحب قبل أن تضمن وسائل للتغلب على قذائف قسام قد تطلق من الضفة بعد الانسحاب.

المهم في هذا التصريح الغريب ليس مضمونه. فمن اعتقد حتى الآن أن إسرائيل سوف تنسحب خلال خمسة أعوام من الضفة لا يلومن إلا نفسه. وعندما اتصل باراك مطمئنا إلى رايس الغاضبة على هذا الإفساد المتعمد للعبة أولمرت-عباس، لم يتراجع عن تقيمه هذا بل أكد دعمه للمفاوضات، وما يسميه هو دعمه "للأفق السياسي"...أي أنه يدعم "العملية"، وكلها مصطلحات باراكية كامب-ديفيدية معلومة. وهي ليست أفقاً سياسياً بل لا تتجاوز في الواقع الـ"إفك سياسي".

المهم في هذا التصريح هو ما لا يخطر ببال من لا يعرف تلك البلاد: أولا، باراك غاضب لأن أولمرت لا يأتمنه ولا يشركه في عملية صنع القرار، بما في ذلك عملية التفاوض. في السياسة الإسرائيلية، وليس فقط في ملاعب الأطفال تنتشر قاعدة "يا بلعب يا بخرب" (أو بخربش أو بخربط أو بلخبط – حسب اللهجة). وثانيا ينتظر باراك استقالة أولمرت، أو إقالته بعد أزمة إذا قاوم الاستقالة، وذلك بعد نشر تقرير فينوغراد النهائي الذي قد يطالبه بالاستقالة صراحة. باراك ينتظر تقديم موعد الانتخابات. ثالثا، يزاود باراك، ولكن ليس على أولمرت بل على نتنياهو، خصمه المقبل في انتخابات رئاسة الحكومة. وللتنافس مع اليمين أصول بينة تميزه عن التنافس مع عامي إيلون على قيادة حزب العمل. ورابعا، تحضيرا للانتخابات يصحح باراك انطباعات منتشرة عنه، فهو ملامٌ على تأسيس منطق الانسحاب من طرف واحد: عندما انسحب من لبنان عام 2000. (في لبنان كان ذلك في الواقع اندحارا دون شروط أمام المقاومة، وذلك بعد أن أفشل هو المفاوضات مع سوريا التي يروج أنها لو نجحت لكانت سوف توفر له انسحابا في إطار اتفاق سلام). هذا هو مغزى تصريح باراك.

أما المفاوض الفلسطيني فقد فك الارتباط (!!) مع غزة وحماس. وهو الآن رهينة السماجات الإسرائيلية على أنواعها. وهو لم ير شيئا حتى الآن، فإسرائيل "وراءه، والزمن طويل"، والنفس طويل. ومهما كان سعيدا بهذه "الشراكة" التي طالما تمناها دون عرب، فسوف تعصر إسرائيل حتى آخر قطرة حاجته إلى إبراز وإظهار وتضخيم أية "مكرمة" إسرائيلية. وها هي ليفني تربط التقدم في المفاوضات بالتطبيع مع العالم العربي (هآرتس 15 آب\أغسطس)، أي أنهم أخذوا المفاوض الفلسطيني رهينة، وباشروا ابتزاز العالم العربي.


اقتراحات بيرس:
أما شمعون بيرس الأبدي ابن الثمانين، الشاب الدائم الذي بدأ لتوه مستقبلا مهنيا باهرا كرئيس دولة، فلم يخيَّب التوقعات والآمال المعقودة عليه وقدم أفكارًا. وسوف نسمع الكثير من هذه الأفكار من بيته الرسمي الكائن في حي الطالبية المقدسي الخلاب أجمل أحياء غربي القدس التي احتلت عام 1948... ولكن من يتذكر ذلك من الوفود العربية الوافدة إليه مرورا بالبيوت العربية الجميلة التي أصبحت حيا للطبقة الإسرائيلية العليا؟ يؤيد بيرس إعادة مائة بالمائة من مساحة أرض الضفة الغربية بحيث يعوض الفلسطينيون عن القدس الشرقية وما حولها، وعن الكتل الاستيطانية التي سوف تضم إلى إسرائيل، والله أعلم عما أيضا، ويقترح "تبادلَ أراضٍ" بما في ذلك مناطق مأهولة عربية على طول الخط الأخضر .

كالعادة اعتبر بعض العرب فكرته فرصة تاريخية يجب ألا تفوت. وآخرون يعارضون، وليس في جعبتهم مبرر تفاوضي لرفض الاقتراح النظري. طبعا نحن نقترح عليهم الأسهل، أن تقال الحقيقة: إن الأرض المحتلة ليست عقاراً فلسطينياً يساوم عليه بمنطق المساحة والسعر، وقضية القدس تحديدا ليست مسألة عقار يبادل، وأن على إسرائيل أن تقبل خطوط هدنة عام 1949 لا أكثر ولا أقل، وأن تنسحب إلى حدود الرابع من حزيران. هذا موقف ولا حاجة هنا إلى حجج، بقدر الحاجة إلى موقف يتم على أساسه التفاوض.

أما بالنسبة للعرب في الداخل ممن يخشون أن الحديث عن منح السلطة الفلسطينية مناطق مأهولة بعرب من داخل الخط الأخضر يتطرق إليهم، فهنالك تردد وتلعثم أو معارضة للخطة دون حجج واضحة. من ناحية، قد يقال لم الممانعة بالانضمام إلى دولة فلسطينية، خاصة أن الانضمام لا يتم دون أرض بل تنقل السيادة على كل بلدة مع أرضها، ويخشى أن يفسر هذا الموقف الرافض على انه تمسك بالمواطنة الإسرائيلية؟ وهو بات يفسر كذلك إسرائيليا بنبرة غرور ورضى عن الذات. حسنا، لكننا غالبا ما نقول إن هذه المواطنة الإسرائيلية فرضت على عرب الداخل، فهل أصبحت بقدرة قادر خيارا وتحبيذا؟ مجرد هرب بعض العرب إلى هذا الجانب في مقترح بيرس، أي أن الانتقال يجب أن يكون اختياريا للمواطنين ما هو إلا تأكيد لهذه النزعة.

ولكن البلدات العربية ليست دولا لتضم بأراضيها. وإسرائيل صادرت غالبية الأرض أصلا. وسوف تحاول تقليص المساحة. شيء ما عفن هنا، وإلا لما أعرب ليبرمان عن رضاه وفرحه من السهولة التي تم فيها تقبل الأمر إسرائيليًا من حيث المبدأ، وحتى اليسار الإسرائيلي لم يجد في اقتراح نقل سكان مع أرضهم إلى السلطة الفلسطينية مشكلة أخلاقية. وليبرمان يدعو باستمرار أن يشمل أي حل مع الفلسطينيين التخلص من أكبر عدد من عرب الداخل في صفقة\رزمة. وها هو الأمر يتحول إلى شبه عرفٍ وإجماع.

يجب أن يصر العرب في الداخل على الموقف، ولكن هنا يتوجب إيضاح الموقف بشكل لا يتضمن تنازلا عن الهوية الوطنية، وبحيث لا يضر في الوقت ذاته بالحقوق في إطار المواطنة. ونحن نؤكد على ما يلي كصيغة معقولة ومقنعة: أولا، على إسرائيل أن تختار إما نقل الجليل والمثلث بأجمعهما إلى الدولة الفلسطينية بموجب حدود التقسيم عام 1947، أو لا ينقل أحد.

وعلى إسرائيل أن تختار إما حدود 1967 واستمرار النصال العربي ضد الصهيونية ومن أجل المساواة، أو حدود التقسيم من العام عام 1947. ثانيا، نقل قسم منهم فقط لا يخدم أية قضية منهما. فمن ناحية يقدم العرب إذا وافقوا تبريرا للتخلي عن القدس وعن غيرها. وثالثا، تطرح علامة سؤال دائمة على مستقبل من تبقى منهم داخل الخط الأخضر. فهم لن يبقوا كمواطنين متساوي الحقوق. لن تفارق علامة السؤال الإسرائيلية مواطنتهم. وفي نفس الوقت سوف يبدو أن العرب في الداخل متمسكون بإسرائيل وليس بالهوية الوطنية. ورابعا، ما دام السؤال حول مستقبلهم قد فتح والسابقة تمت، فسوف يكون عليهم باستمرار أن يثبتوا ولاءهم للدولة وإلا فقد يتعرضوا في المستقبل لتهديد النقل، أو من نوع منحهم حقوق مدنية حيث يعيشون، وحقوق سياسية وتصويت وغيره في الدولة الفلسطينية، ولا حدود لعدد الأفكار التجزيئية التي يمكن أن تطرح ما دامت وضعت سابقة تجزئتهم. ولذلك يجب رفض ظاهرة تجزئة المصير هذه.


كساد إخباري:
في الصيف يفقد الخبر من منطقتنا (إلا إذا بقي عدد القتلى اليومي في العراق وفي مخيم نهر البارد خبرا). وإذا كانت هنالك أخبار، فليس هنالك مستهلكو أخبار. العطل لا تنتج أخبارا، والمصطافون لا يريدون سماع أخبار تفسد عليهم العطلة. موسم كساد إخباري. ولسبب نجهله يسمى هذا الموسم بالعبرية بلغة الصحفيين "عونات هملفيفونيم" أي "موسم الخيار". ربما لكثرة الخيار وشحة الأخبار. ومع التعديلات المناسبة تضع "يديعوت أحرونوت" عنوانا رئيسيا حول تسلح سوريا، وفي الخبر نفسه لا شيء يذكر بالعنوان. يعقبه في اليوم التالي عنوان في "معريف" حول عدم تسلح سوريا وعدم خطورته.

لا ينتبه المترجمون الأشاوس عن الصحف العبرية طبعا أن التنافس بين الصحيفتين مثل التنافس بين باراك ونتنياهو يؤدي إلى الكذب واختلاق الأخبار. تبدأ صحيفة بسبق صحفي هو خبر مؤكد ولكنه غير هام، أو هام ولكنه غير مؤكد وتحوله إلى سبق. والعنوان الرئيسي كفيل بتحويله إلى خبر هام ومؤكد. فإن لم تتمكن الصحيفة المنافسة من تكذيبه تنافس بكذب صريح ولكن أكبر، ليكون لها السبق. والمهم هنا ليس الحقيقة، وبالتأكيد لا العرب ولا اليهود بل عدد القراء في اليوم التالي وهل تم تناول وتداول الخبر مع اسم الصحيفة والصحفي في وسائل العنوان المرئية والمكتوبة. وطبعا العرب "لا يكذبون خبرا" عند الترجمة. هكذا فقط في فضائيات عربية أصبحت انتخابات داخلية لحزب الليكود خبرا يستحق بثا مباشرا، مع أنه لا ينافس فيها أحدٌ نتنياهو (فايجلين ليس أحدا)، ولا يهتم بها أحد في إسرائيل ذاتها.

فصل المقال 2


17/09/2007 04:36

إصلاح
عندما يحل إصلاح ديمقراطي على شعب متعطش للديمقراطية ترتفع نسب التصويت في أي انتخابات تأتي في سياقه. هذا كلام منطقي نظريا، وهو حقيقة تاريخية مثبتة أيضا. وعندما تنخفض نسب التصويت رغم الحديث عن الإصلاح كما جرى في المغرب، فيبدو أن الناس لا ترى إصلاحا فعلا. ينتشر التشكيك على نطاق واسع بضرورة التصويت إما نتيجة لتعب وإشباع من السياسة في مجتمع قوى اقتصاديا وفردية استهلاكية كما في الغرب، أو لأن المصوتين لا يرون قيمة للصوت ومصداقية للتصويت.

في المغرب التي انخفضت فيها ملكية القصر (المخزن) لحركة الأسهم والاقتصاد في البلد من ما فوق الستين بالمائة إلى أقل من خمسين بالمائة مؤخرا فقط (إكونومست، 8-14 أيلول سبتمبر، ص. 43)، وحيث ما زالت الصلاحيات كلها مركزة بيد صاحب السيادة الذي يجمع في شخصه الملك والقائد العام وأمير المؤمنين القادر على حل الحكومة والبرلمان، لا يرى الناس أن الانتخابات تلامس مصادر السلطة الفعلية. وهذا حال الإصلاح في كافة الدول العربية حيث يصلح النظام برلمانا دون صلاحيات فعلية تتجاوز ما يفرده له صاحب السيادة الفعلي.

وحتى في انتخاب برلمان فاقد السيادة لا يعني تقسيم البلد إلى 95 منطقة انتخابية إلا منع أي حزب من الحصول على أكثرية. فلكي يحصل أي حزب على أكثر من مقعد في المنطقة الواحدة لا يكفي أن يحتل المرتبة الأولى فقط بل يجب أن يحوز على ضعف أصوات الحزب الذي يليه. تنافس فعلي بين أحزاب فعلية يكون على سلطات فعلية. وفي الدول العربية حتى الإصلاح المحدود لمؤسسات لا تمارس سلطة حقيقية يتم بطريقة تمنع نمو وتطور أحزاب فعلية.
سؤال أميركي
في سياق النقاش الماروتيني الأخير الذي استخدمه بوش كمشهد إعلامي لتغطية سياسته نذكر أنه قبل أربعين عاما دعا الرئيس ليندون جونسون قائد قواته في فيتنام الجنرال وليام ويستمورلاند ليدلي بشهادة أمام "البيتين"، مجلسي الكونجرس. وقد قام ويستمورلاند بالواجب وأكثر، إذ أكد أن الفيتكونج وجيش فيتنام الشمالية هما بمثابة مهزومين، وذلك رغم أنها حرب لم تعرف الولايات المتحدة مثلها من ناحية تحرك الجبهات وتنوع العمليات وتبعثرها على طول البلاد وعرضها، على حد تعبيره. وشدد الجنرال على النجاح في بناء حكومة ديمقراطية في فيتنام الجنوبية كما قيم عاليا "التعاون البناء بين قواته وقواتها". وبشر قائلا "إننا نربح حرب الاستنزاف القائمة"، وإن "كسر العدو نهائيا يحتاج إلى سنتين".

ومع بداية العام 1968 شنت قوات الفيتكونج معززة بجيش فيتنام النظامي هجوما واسعا في مائة موقع بما فيها سايجون والسفارة الأميركية ذاتها. ولم يبقِ على اثرٍ من شهادة ويستمورلاند. وواصلت أميركا تكبد الخسائر إلى حين وقف إطلاق النار عام 1973 الذي لم يصمد. والنهاية معروفة.

فيما بعد اتهُِم الجنرال بتضليل الكونجرس والرأي العام وشهَّرت به الصحافة. ولكنه لم يعترف بالفشل بمرور السنين. ونسب إليه ما أصبح عونا فكريا وأخلاقيا للمحافظين الجدد للخروج من "عقدة فيتنام" أن الهزيمة لم تكن عسكرية، وأن الرأي العام الأميركي لم يصمد، وأن الدولة ملامة لأنها لم تحترم التزامها تجاه الأصدقاء والحلفاء في فيتنام الجنوبية.

ولن يسيء القارئ الظن إذا قلنا أننا لا نتوقع لبتريوس نفس المصير. فبتريوس لاقى مصيره. لقد سبق أن كتب هذا الجنرال\ السياسي مقالا شبيها بشهادة ويستمورلاند في أوج فوضى سفك الدماء في العراق، (واشنطن بوست، 24 أيلول\سبتمبر 2004 ).

في ذلك المقال دافع بتريوس عن سياسة بوش مكررا عبارات باتت كليشيهات مضحكة مثل: "أرى تقدما ملموسا، القوى الأمنية العراقية يتم بناؤها من الأساس"، "هنالك تقدم في الجهود الرامية لتمكين العراقيين أن يحملوا جزء أكبر من العبء الأمني"، وطبعا أنه يرى الضوء في آخر النفق. والطريف أنه أكد أن " الأرقام ليست كل شيء" مشيرا إلى الأعداد الرهيبة من القتلى المدنيين، وعمليات التفجير، والعمليات ضد قوات الاحتلال. أما في تقريره الأخير أمام الكونجرس فغدت الأرقام كل شيء، إذ جرى انتقاء ما يلزم من مقارنات. وتم خصم عدد كبير من القتلى المدنيين في نوع جديد من التمييز بين العنف الجنائي والعنف الطائفي، كما اختيرت بعناية الأشهر المناسبة لإجراء مقارنات تظهر تحسنا.

طبعا لم يترك موظفا بوش، الدبلوماسي والآمر العسكري، أي انطباع على المستمعين. والمستمعون بدورهم كانوا سيتسامحون لو نجح بوش في مهمته، فقد أيدوا الحرب بداية، وهتفوا لبوش عندما أعلن انتهاء العمليات العسكرية من على حاملة الطائرات.

إن النقاش على نجاح أو فشل المهمة في العراق هو نقاش وطني أميركي. ولا يفترض أن معارضي الحرب من الناحية المبدئية يدفعون إلى موقفهم من إجابة على سؤال هل نجح بوش في تحقيق أهدافه أم لا، بل من الإجابة على سؤال عن شرعية تلك الأهداف. أما المقاومة فلا تسأل هل نجح الاحتلال أم فشل، بل تسعى لإفشاله. وهي التي تؤدي إلى نقاش بين من كانوا مؤيدين للحرب وتدفع بجزء منهم إلى معارضتها وحسم المسألة.

أميركا في مأزق لأنها لا تستطيع الانسحاب مهزومة دون تحقيق أي هدف اللهم إلا الحرب الأهلية وتقسيم العراق في حالة انسحابها الفوري، فهي تفقد بذلك آخر ذرة مصداقية لدى حلفائها وتترك المنطقة فريسة لأعدائهم. ولكن استمرار احتلالها من ناحية أخرى لا يمدد إلا للنزيف. ولن يصل إلى أهدافه المعلنة لأن السكة التي تسافر عليها تتجه نحو تفتيت وتجزئة أشد وأعنف. فأميركا تتباهى حاليا بتسلح العشائر بعد أن آل تسليح الطوائف والتسامح مع مليشيات المهدي وبدر الطائفية إلى هذا المآل. إنها تعالج التجزئة الطائفية بتفتيت عشائري أعمق، وفي هذه الأثناء تحولت عملية "بناء الأمة" التي تبجح بها الاحتلال إلى عملية تدمير الأمة.

الوجه الآخر للانهيار هو عدم تمكن القوى المعارضة للوجود الأميركي وخاصة قوى المقاومة من تقديم بديل على مستوى ذاتٍ فاعلةٍ سياسيا وقادرةٍ على التفاوض مع الأميركيين على شروط انسحابهم كسلم لإنزالهم عن الشجرة العالية التي تسلقوها.

سؤال للتفكير: القوى الأكثر جاهزية للمقاومة ضد الاحتلال الأميركي هي أيضا الأكثر طائفية وتعصبا مذهبيا، إن كان ذلك في أوساط السنة أو الشيعة العرب العراقيين. لماذا؟ سؤال مهم لمن تقع عليهم (وليس على أميركا) مسؤولية بناء عنوان سياسي موحد للمقاومة الوطنية الفعلية في العراق.
عاشت الفروق الصغيرة
تختلف حركة الاحتجاج الأميركية ضد الحرب في العراق عن تلك التي قامت ضد الحرب في فيتنام حجما وتأثيرا. نعرف أن قوى المقاومة في فيتنام شكلت حركة مركزية ذات استراتيجية ورؤية وطنية موحدة فيما يتعلق بمستقبل البلد، وذلك خلافا للحالة العراقية التي لا تنفك تنقسم وتتفتت بين عشائر ومذاهب وطوائف وتحالفات خارجية. ونعرف أن ثمة فرق بين ثلاثة آلاف وسبعمائة جندي أميركي قتيل وخمسين ألف في فيتنام، ونعرف أنه في حالة فيتنام كان هنالك معسكر دولي كامل ليس معاديا فقط للحرب بل يقف إلى جانب فيتنام بالعدة والعتاد والدعاية، ويعتبرها حربه. هذا صحيح، ولكن ثمة فرق آخر قلما يُلتفَت إليه.

لقد ساد في الحرب على فيتنام تجنيد إجباري شمل حتى أبناء الأغنياء والصحافيين ونجوم هوليوود والسياسيين. ونظرة سريعة على سيرة أعضاء الكونجرس تكفي لنرى كم منهم خدم في فيتنام ونشط ضد الحرب بعد عودته، ومنهم أبناء ارستقراطية أميركا. وانتشرت في حينه فضائح من حاولوا تحصيل إعفاء من الخدمة لأبنائهم بالثروة والنفوذ. أما في العراق فيعتمد الجيش على الجنود المحترفين وأبناء الفقراء والأجانب. وحركة السلام في أميركا اليوم هي حركة يسار متضامن مع هؤلاء الضحايا، وليست حركة المتضررين من الحرب. وهنالك فرق بين مظاهرة يقودها تحالف فرق يسارية وعصب حقوقية وبين مظاهرات يشارك فيها نجوم هوليوود ومغني الروك وأبناء السياسيين.

عندما تؤدلج الطبقات العليا خوفها على حياتها وحياة أبنائها المتجمعين في مظاهرات، ولو كانت محرجة في رومانسيتها إذ يختلط فيها النقمة على الآباء بالغنى والثروة والدلال والخوف من الحرب، تختلف الصورة والتأثير.

لو كان التجنيد الإجباري متبعا في أميركا في ظل هذا المجتمع الاستهلاكي الفردي الأقل تحملا من مجتمع الستينيات لركزت في العراق كل قوتها العسكرية، أو لخرجت منه بأسرع وقت. إن غياب خطة أميركية للتورط الكامل أو للخروج الكامل ناجم عن فوارق صغيرة مهملة مثل الفرق بين حياة الأغنياء والفقراء.
أكثرية من أجل التوافق، أم توافق على الأكثرية؟
1. يعني التوافق الإجماع وليس الأكثرية، وبالتأكيد لا يعني أكثرية بسيطة. من يريد الأخذ بالتوافق ولكن دون أكثرية نصابية على الأقل، لا يريد في الواقع توافقا، ولا يعتبر التوافق شرطا، والدليل أنه لا يسقط "حقه الديمقراطي" بالعودة إلى "النصف زائد واحد". بالنسبة له يسري التوافق فقط في حالة الموافقة على موقفه ورأيه ومرشحه. وهو القادر إذا لم يتم الاتفاق على العودة إلى ممارسة حقه المذكور أعلاه. من ينتقي التوافق وحده دون الثلثين، لا يريد توافقا بل يريد أن يصوت بأكثرية بسيطة (باللبناني: "النصف زائد واحد").

2. الديمقراطية التوافقية ليست ديمقراطية، فهي ترفع شأن الانتماء إلى جماعة جزئية فوق الأمة وفوق المواطنة. ولكنها تسمى مجازا ديمقراطية. التوافقية الطائفية هي نظام لبناني، وهو ديمقراطي تعددي إذا ما قورن بما يسود في المنطقة العربية. الديمقراطية اللبرالية غير توافقية. ولكنها ليست حكم الأكثرية عشوائيا بل بموجب مبادئ الديمقراطية، بما فيها احترام حقوق وحريات الفرد والأقلية. لم يتبن لبنان ديمقراطية لبرالية مواطنية علمانية، رغم أن هذا هو الخيار الأفضل بالطبع.

وبموجب الخيار اللبناني يجب أن يكون كل رئيس من الرؤساء الثلاثة من طائفة معينة، ولكن دون حاجة أن يكون مرشحا عن هذه الطائفة. هذا نظريا، أما عمليا فيجب أن تتوفر أكثرية على الأقل داخل كل طائفة على أن فلان هو مرشحها، وإلا اعتبر مرشحا مفروضا (من قبل السوريين مثلا). لن يقبل غالبية الشيعة أن يُنتخب رئيس البرلمان بأغلبية سنية ومسيحية، ولن يقبل غالبية السنة أن تختار رئيس الحكومة أغلبية مؤلفة من الشيعة والمسيحيين. ومن محاسن التوافق في حالة الرئاسة أنه يكنس تحت سجادته أسماء الطوائف الصريحة التي تسفر عن وجه الطائفية القبيح. وإذا أصرت الأكثرية البسيطة في انتخاب الرئيس، فيجب أن تشمل هذه الأكثرية على الأقل أكثرية مسيحية "بالنصف زائد واحد" من النواب المسيحيين في البرلمان.

هذا هو منطق التوزيع والتوافق الطائفي لمن يريده ويتمسك به. الأكثرية تصح داخل الطائفة، والتوافق يصح بين ممثلي الطوائف. هذا هو المنطق الطائفي ( البغيض) لمن يصر عليه. ومن ينفر منه يجب أن يصر على التوافق الشامل ليستره ويوفر الكلام الصريح به على الأقل... أو يختار النظام المواطني الديمقراطي الساري على كل المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي.

فصل المقال


هدوء ما بعد، أم ما قبل العاصفة؟
10/09/2007 08:07

لا يشبه الاستفزاز العسكري الإسرائيلي لسوريا سابقاته. ولا شك أنه لم يفت القارئ النبيه أن إسرائيل التزمت الصمت هذه المرة، وأنها فرضت حتى على أكثر سياسييها ثرثرة أن ينحو هذا المنحى، هدوء ما بعد العاصفة، لأنه قد يصبح هدوء ما قبل العاصفة.

والجديد أيضاً أن سوريا التي تصمت عادة ويصعب على الصحفي أن يعثر فيها على سياسي يعلق على مثل هذا الفعل الإسرائيلي في اليوم نفسه، خرجت بتصريح حاد ومتكرر ومتوعد لاختراق مجالها الجوي، فيما صمتت إسرائيل، التي تفاخر عادة بمثل هذا العمل، وتفاخر أيضاً بالصمت السوري الأولي الذي يعقبه.

تصدت المضادات السورية. واضطرت الطائرات المعتدية إلى إلقاء خزانات وقود في الأراضي التركية المحاذية. واحتجت تركيا علناً، مطالبة بإيضاحات.

صمت أولمرت، وصمت وزراؤه، وصمتت أميركا، وألغيت حتى مقابلات عيد رأس السنة العبرية الصحافية التقليدية تجنباً للأسئلة. وتفاخر أولمرت بالعملية ذاتها، كما تفاخر بأنه هادئ. وطبعاً يبدو أنه لا أحد في الكيان المعتدي فطن لوزير منسي، ولم يخطر ببال أحد أن ينبهه إلى أن يلتزم هو الآخر الصمت. ربما لأن لسانه ليس حصانه أصلاً كي يخونه. اختراق سلاح الجو الإسرائيلي للسماء السورية ليس جديداً، لكنه ليس روتيناً كما حاول وزير عربي صهيوني في الحكومة الإسرائيلية أن يصور الأمر في خدمةٍ لأسياده لم يُكَلَّف بها، ومهمة تخفيف تطوَّعَ لها من دون أن يُطلَب منه، كأنه يهدئ النفوس في بداية صلح عشائري على وزن «بسيطة يا جماعة، ما صار شي»!!.

وفوراً حاول بعض المعلقين العرب توظيف الكليشيهات العادية: محاولة استفزازية لجرّ سوريا إلى حرب. رد إسرائيلي على قرار الجامعة العربية (وكأن أحداً يأبه لقراراتها). ويتلخص القرار الخطير (!!) الذي اتخذه مجلس وزراء خارجية الجامعة بأنه لا يجوز عقد مؤتمر دولي للسلام في واشنطن من دون سوريا ولبنان... (واهتزت أركان البيت من شدة القرار). لاحظ كيف أُزيح النقاش، باختلاق تحدٍّ غير قائم، لتصبح دعوة سوريا ولبنان للمؤتمر إنجازاً. لم يتخذ أسود الخارجية في الجامعة أي قرار متعلق برفض إسرائيل المبادرة العربية، ولم يصروا على مضمون مؤتمر واشنطن وشروطه. لقد اقتحم أسود الخارجية في الجامعة العربية عنوة باباً مفتوحاً أصلاً، واختلقوا تحدياً غير قائم، وتجنبوا التحدي الفعلي بتجنب التساؤل عن ضرورة عقد مثل هذا المؤتمر وفضح أغراضه الحقيقية. لا يعرض هذا المؤتمر على سوريا ولبنان أي شيء يخص أراضيهما، ولم تتم الدعوة بناء على تصور حل لقضية فلسطين، ولا تسوية عادلة نسبياً. وإذا دعي سوريا ولبنان فسوف يُدعَوان فقط ليكونا شاهدي زور لعملية «تقوية محور المعتدلين الفلسطينيين». والأصح أن تعرب الدولتان عن عدم رغبتهما بالمشاركة في هذا المؤتمر ـــــ المؤامرة حتى لو دعيتا لحضوره، وليوفر الوزراء الأشاوس نخوتهم المفتعلة.

وليس لدي شك بأن إسرائيل ترحب بحضورهما من دون شروط ودون طلبات، فقط إذا جاء هذا الحضور تعبيراً عن الامتنان لدعوتهما ورغبة منهما في تشجيع «المعتدلين الفلسطينيين».
لا يوجه الاستفزاز الجوي الإسرائيلي رسالة إسرائيلية غير الاختراق ذاته. ويبدو أنه ليس مجرد اختراق، بل هو عملية فعلية، كان لها بذاتها هدف استراتيجي يبرر الصمت. واعتمدت إسرائيل في صمتها على عدم رغبة سوريا في أن تحرج ذاتها فتبحث موضوع الاختراق الجوي علناً. والدولة المعتدية لا تود أن تتبرع بشرح المبررات والمفاخرة بخرق القانون الدولي وغيره في حالة توتر ينتظر عود ثقاب. ويبدو أن موضوع الاختراق هو إما ضرب عمليات نقل جارية على الأرض، أو مضادات أو قواعد صواريخ قبل نصبها كاستمرار لما أدلت به إسرائيل أخيراً وصراحة ضد روسيا ودورها في سوريا، أو استكشاف العثرات والرادارات وتجهيز الطريق إلى إيران. وهذا لا يمكن من دون تركيا، ومن الواضح أن تركيا إما لم تأذن أصلاً، أو أُحرجت بعد إلقاء الخزانات على أراضيها، فاستنكرت مطالبة بإيضاحات. التحفظ هنا أنه مع الوجود الأميركي في العراق أصبح هنالك طريق جوي أسهل إلى إيران، لكنه يورط دولاً غير معادية لإسرائيل...

باختصار، ومن دون المبالغة بالتخمينات والتكهنات، هذه عملية جوية، لا اختراق يحمل رسالة. المسألة إذاً خطيرة فعلاً. وعموماً يجب أن ننبه إلى أنه إذا لم تشن إسرائيل الحرب على سوريا أو لبنان، وإذا وصلنا إلى نتيجة مفادها أن الأمر مرتبط بالخطوات ضد إيران، وهل هي أميركية أم إسرائيلية، فإن احتمال تنفيذ عمليات إسرائيلية متفرقة في سوريا ولبنان لتحقيق إنجاز عسكري هنا، وخطف واغتيال هناك، يزداد، وذلك بالذات كلما قل احتمال شن حرب منفصلة غير إقليمية على البلدين. هذا إلا إذا قرر أحد في سوريا أو لبنان تحويل عملية إسرائيلية إلى سبب للحرب كما فعلت إسرائيل متذرعة بعملية لم تقم بها دولة أصلاً قبل عام.

ساركوزي مؤخّراً
لم يكن ممكنا تخيل رئيس فرنسي يقضي إجازته السنوية في اميركا. الرجل يتجاوز محرمات رئيس جمهورية فرنسا إذ يبدي إعجابه بنمط الحياة الأميركي، وإذ يرى ان على فرنسا أن تتعلم أمرا او اثنين من النمط الأنجلو-سكسوني في إدارة الاقتصاد.

إنه اليمين الأوروبي الجديد الأقل رغبة بالتميّز عن أميركا من سابقه اليمين المحافظ. ولكنه أيضا اقل تورطا شخصيا في عداءات في المنطقة. إنه ملتزم أكثر من شيراك ضد السلاح النووي الإيراني، ولكنه يعاني أقل منه من عبء الالتزام الشخصي لطرف واحد في لبنان، بما في ذلك العداء الكامل لسوريا. من هنا يبرز للعيان بعض التغيير، ولكن الصورة الشاملة يجب ألا تغيب عن الأذهان. الحديث هو عن رئيس أقرب إلى السياسة الأمريكية وبراغماتيتها. هذه البراغماتية تحديدا في سياق فرنسا تنجب اختلافا لا خلافا، وتمايزا لا تميّزا.

ليس في جعبة فرنسا تأثير فعلي يتجاوز التأثير المعنوي في لبنان. وقد ازداد هذا التأثير المعنوي بعد شيراك. وتكمن أهمية الدور الفعلية في عصر ساركوزي أن يإمكانه التوسط لدى أميركا لقبول تسوية ووفاق لبناني، فهو يصلح ليكون وسيطا بين اميركا ولبنان على تياراته. وهو وسيط عند بوش وليس عند فيلتمان أو حتى رايس. يمكن أم يكون هذا هو الدور الفرنسي في مرحلة الحديث عن رئيس توافقي لوأد الفتنة وفي حالة الاتفاق عليه لبنانيا.

إنسانية «النصر الإلهي»
وجهت لي سيدة في إحدى محاضراتي في بيروت السؤال التالي: " كعلماني، ما هو رأيك بسخرية علمانيين من مصطلح التصر الإلهي؟" سمعها الحضور تسأل بألم، ولم يسمعني أجيب لضيق الوقت. وما زلت مدينا لها بجواب.

قد يسخر العلمانيون من اتكالية وعجز قوم ينتظرون نصرا إلهيا يحل عليهم، ولكنهم لا يفترض إلا أن يعجبوا بقوم غير خرافيين غيروا ما في أنفسهم وجهزوا نفسهم وعملوا بكد وأقاموا مؤسسات وحولوا مجموعة سكانية مضطهدة ومهمشة الى مجموعة سكانية فاعلة ومنظمة ومؤثرة ومنتجة وخاضوا القتال دفاعا عن النفس وانتصروا. ونسبوا انتصارهم هم، وليس انتصار غيرهم، نسبوه لله تواضعا أو إيمانا، أو كليهما. ما المشكلة في ذلك؟ سمعنا عن مناضلين علمانيين نسبوا انتصارهم لمجمل الشعب والأمة، وأحيانا للحزب وحتى لثقة الزعيم القائد وإلهامه. ألم نقرا نقدا وجه لمناضلين علمانيين نسبوا النصر لأنفسهم ولم ينسبوه للطبقة العاملة او للشعب او للجماهير. المطلوب بعض التواضع عند نقد تسميات الآخرين لأفعالهم. وحذار حذار من السخرية، فهي خلافا للدعابة وحتى خلافا للتهكم تحول بالغا الى مراهق اكتشف بلوغه لتوه ولا تسعه الدنيا لشدة السخرية المختالة غير المكترثة. ولا فائدة تجنى من ثنيه او نهيه عنها ناهيك عن الحديث معه قبل مضي عام او عامين تمكناه من التفكير مع بعض الوعي الذاتي المؤدي عادة للإحراج والخجل.

فلسطين: النقاش الشكلي والنقاش الجوهري
النقاش بين فتح وحماس حول تسليم المقرات الأمنية في غزة للأجهزة الأمنية من عدمه، وحول شرعية التشريعات دون انعقاد المجلس التشريعي، وحول قانونية هذه الخطة أو تلك هو نقاش شكلي. وكان يمكن ان يكون دستوريا وجوهريا لو كان الحديث عن دولة فعلا. ولكنه شكلي لانها ليست دولة، ولانه يخفي الأجندات الحقيقية.

فالأجهزة الامنية ليست أجهزة وطنية محايدة بل تابعة سياسيا. والنقاش الحقيقي ليس على تسليم المقرات، بل لمن تسلم؟
ورئيس السلطة الفلسطنية (هذا هو لقبه القانوني الرسمي في اتفاقيات اوسلو، وليس الرئيس الفلسطيني) ماضٍ في أجنداته السياسية متنفسا الصعداء أنه تخلص من حماس ومن اي قيد آخر عليه في تنفيذ هذا البرنامج. وهو، ومعه لوبي السعداء المحيط به والذين لا يبدو عليهم السرور والغبطة إلا عندما يفاوضون إسرائيليين، ماضون في مشروعهم السياسي بين دولة مؤقتة وإعلان مبادئ، أو حلول أخرى غامضة بشكل كاف لكي لا تغضب ليبرمان فيخرج من الائتلاف ولا تحرج باراك أمام جناح حزبه المطالب بترك الائتلاف مثل أوفير بينس.
وغالبية المجموعة المزدهرة المحيطة برئيس السلطة ليست من حركة فتح اصلا... حتى هذه أصبحت مسألة شكلية رغم استخدامها للتعبئة والتجنيد.
ومنظمة التحرير قد أفرغت من مضمونها بفعل نفس التيار. ويجري إحياؤها الآن بقوانين قانونية أو غير قانونية لكي تنصّب مقابل وضد المجلس التشريعي المنتخب.
وحماس المتمسكة بالمجلس التشريعي لا تجرؤ ان تحرج هذا التيار بالمطالبة بإعادة بناء المنظمة من أجل الاعتراف بها وبشرعيتها السابقة على شرعية المجلس التشريعي، بل تلعب لعبة هذا التيار فتبدو كمن يقف ضد المنظمة. وهو نقاش شكلي. فالتيار الذي يصلح ان يسمى حزب الرئيس ليس مع المنظمة بل يستخدمها ثم يرميها. وعلى حماس ان تثبت ذلك باقتراح إعادة بناء المنظمة وضمها وحركة الجهاد اليها. عندها يتضح ان استخدام المنظمة شكلي.

في هذه الاثناء تنشغل حماس بضمان الغذاء والوقود، وتفتعل إسرائيل أزمة بعد اخرى لتبقى حماس منشغلة في هذا الموضوع دون جوع حقيقي. وبدل نقد النهج السياسي لحزب الرئيس بدت كأنها لا تنتقده مبدئيا، بل لأن التفاوض مع إسرائيل يجري بعد حل الحكومة. وعلى حماس ان تقرر، وان تظهر قرارها للناس هل هي مشروع سلطة ام مشروع مقاومة. ولكل خيار مستلزماته. عندها ينتهي النقاش الشكلي ويبدأ النقاش الجوهري. وأول أدوات خوضه إقامة جبهة مقاومة وطنية تنتقد ما يجري سياسيا ولا تدعو للعودة إلى محاصصةٍ انتهى أجلها ونفذ مفعولها، بل تدعو لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني.

في "الكليبتوقراطية" ومسؤولية الحلفاء المحليين


23/08/2007 08:40

إذا كانت ثمة قناعة أميركية أنه بعد الفشل في العراق وفي أفغانستان لا بد من فرض نجاح أميركي على الأقل في لبنان بدحر المعارضة بموجب الخطوط العريضة للقرارات الدولية، ونجاح آخر في فلسطين بالإغداق على الضفة وتجويع غزة، وبدفع الفلسطينيين لقبول أي شيء تعرضه إسرائيل للتخلص من الوضع الراهن، فسوف تدفع أميركا إلى المواجهة والخراب في هذه البلدان.

يفترض أن هذه لحظة حلفاء أميركا في هذه البلدان. وإذا توفرت لديهم أجندة وطنية فلا بد أن تجعلهم قادرين على تخيل وفاق وطني وتسويات توفر على البلاد المواجهات والخراب. بإمكانهم أن يوجهوا للسياسة الأميركية نصائح واقعية تنطلق من عدم قدرتهم على حسم الصراع محليا، ولا حتى بالمال. فيأس حماس من السلطة وبدء مقاومة في الضفة الغربية مثلا من شأنه أن يحبط كل مشاريع المؤسسات البحثية حول شبكة أمان ممولة غربيا تحل محل جمعيات حماس الخيرية، ومبادرات اقتصادية يطلقها رجال أعمال في مؤتمر تل أبيبي. بإمكانهم أن يؤكدوا ضرورة الوفاق الوطني تجنبا للخراب. فتوازن القوى المحلي يختلف عن توازن القوى في مجلس الأمن، وفرض الأول على الثاني أمطر المنطقة بوابل من الكوارث. نعلم أن تقديرنا هذا هو تمنٍ، وربما يقتصر على مجرد تمنٍ وردي إذا اعتبر هؤلاء القوة الأميركية الجامحة في ظل رئيس مغامر فرصةً لفرض أجنداتهم المحلية، وربما يوجهون نصيحة مقلوبة لأميركا.

ولم نذكر هنا ضرورة أن يوجه حلفاء سوريا وإيران في هذه البلدان نصائح مماثلة لحليفتيهم، لأن الوفاق والتسوية الداخلية والدعوة للحوار في فلسطين والوحدة الوطنية في لبنان هو موقفهم المعلن.

جرت العادةُ على إدانة الأجنبي أو "البعض" لكي لا تقطع شعرة معاوية. فالخلاف بين الأنظمة العربية في مرحلة استقرارها بعد توقف الانقلابات وحتى إقصاء نظام صدام حسين بعد حرب الكويت أصبح نوعا من التنوع ضمن المصلحة الواحدة في الحفاظ على الاستقرار. وعندما تمت الإدانة أو توجيه الاتهام أو تعيين عنوان المؤامرة كان يقال بنفس واحد إن وراءها تقف "الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية"، كأنه ثالوث، أو شر بثلاثة أقانيم، يتحمل المسؤولية عن آخر قتال داخلي فلسطيني، وآخر تجدد لإطلاق النار في آخر زقاق في بيروت. ولم يشعر أحد، ولا حتى إسرائيل، بالحرج من التهمة. وتظاهر الجميع أنها طريقة ثورجية في تسجيل ملف لحساب مجهول.

تعني سايكس- بيكو، كما عنت النكبة أنه لا يوجد "شأن عربي" داخلي. وقد كتب على الصراعات الداخلية أن تعكس صراعات خارجية أو تورطها فيها. وعندما صنفت علاقة القوى السياسية العربية مع القوى العظمى والقوى الخارجية بشكل عام في عصر دول المماليك والدولة السلطانية هذا، لم يتم التمييز عادة بين قوى وطنية يختلف المصنف معها وهي متحالفة لأسبابها مع قوى أجنبية من جهة، وعملاء واختراقات أمنية حقيقية، أي أفراد وقوى تأتمر فعلا ومباشرة بأمر القوى الأجنبية من جهة أخرى. والعلاقة مع الخصم تتفاوت حسب التكتيك فإما أنه "رغم كل شيء يبقى عربيا "،وهو بالتالي جزء من عائلة عربية ينبغي أن تتوحد ضد المستعمر، أو أنه "عميل" و"جاسوس".

ونحن لن نتطرق هنا إلى من يمكن اعتبارهم اختراقا أمنيا أو عملاء بالمعنى المباشر للكلمة، أي يأتمرون بأمر أجهزة أجنبية دون المرور بقناة رسمية أو وطنية. نقول ذلك رغم أن ما صدر عن بعض المسؤولين السابقين في الإدارات الأميركية من كتب (روس وتينيت على سبيل المثال) ثبتت أنه حتى لهؤلاء عُرِفَ دورٌ في صنع القرار لأنهم كانوا على الأقل مصدر معلومات. وقد انتقوا المعلومات التي قدموها لأميركا عشية الحرب على العراق، أو عشية مؤتمر كامب ديفيد بين باراك وعرفات بموجب رغباتهم وميولهم، فاعتبروا العراق ثمرة ناضجة للقطف، وعرفات جاهز لقبول ما يطرح عليه لو فقط خصص له كلينتون وقتا كافيا ليفعل سحر الرئيس السابق مفعوله على عرفات. أما النتائج الكارثية لهذه المعلومات اللقيطة فغنية عن التعليق.

ولكننا نتساءل عن دور القوى ذات المصالح المختلفة المتحالفة مع أميركا لأسبابها، والتي تدرس حاليا حتى المجاهرة بإمكانية التحالف مع إسرائيل، ولا يمكن اعتبارها "اختراقا أمنيا" لأنها تمثل مصالح وأمزجة وميول قائمة في النظام، وحتى في بعض القطاعات الاجتماعية الضيقة.

ونحن نستهجن أن تعرف كمجرد طرف ضعيف ومستضعف أو غبي عاجز عن التحليل أو مجرد قوى مأمورة. فجميع هذه التوصيفات هي برأينا عبارة عن تقييمات غاية في التسطيح والتبسيط، ولا بد أن تقود بالتالي إلى سلوك خاطئ. فقد نشأ في المنطقة العربية جيل من السياسيين المقتنعين بالدولة القطرية وضرورات وضع مصالحها المتماهية مع مصالح النظام أولا، أي فوق كل اعتبار. وهذا يتطلب تحالفا مع أميركا ولو على حساب العلاقات مع الدول العربية الأخرى. وقضية فلسطين هي في نظرهم قضية قطرية أيضا وليس قضية قومية، ولكن على العرب المساهمة في تسويتها، وليس بالضرورة حلها حلا عادلا، لأنها تشكل مصدر قلاقل وإزعاج للاستقرار، ولأنها تساهم في تسليح القوى المحلية المعارضة بمادة غضب مستمر، ونقمة على تحالف النظام مع الغرب، ونزع شرعية من مرجعيات ما فوق الدولة مثل القومية والدين.

لقد أخطا بعض الديمقراطيين العرب، خاصة من ذوي الأصول اليسارية في تحالفهم، السافر أو المستتر، مع التدخل الأميركي لصالح الإصلاح والديمقراطية. كانوا واهمين. وقد انهارت مناعتهم أمام سياسة الإمبراطورية نتيجة للموقف المتشنج والشعاراتي المعادي حتى للعناصر الحداثية في القومية العربية ومساواتها بالأنظمة. فكانوا مكشوفين دائما، مرة لسحر الثورة العالمية، ومرة لسحر الديمقراطية المعولمة كسياسة إمبراطورية يراهن عليها... كانت القوة التي يراهن عليها بنظرهم دائما خارجية. ونحن لا نقصد هؤلاء عند الحديث عن القوى المتحالفة مع أميركا حاليا، بل نقصد حكاما ومن يحيط بهم من أقارب وأصدقاء ورجال أعمال حديثي النعمة ومثقفين "نيولبراليين". هؤلاء لم يعرفوا اليسار أصلا، وما من زاوية دافئة في قلوبهم لقضايا الديمقراطية وحقوق المواطن واللبرالية السياسية. وكل ما يعرفونه من اللبرالية هو الخصخصة الاقتصادية لصالح المقربين سياسيا، ونهب الدولة وثرواتها تحت شعارات تجاوز البيروقراطية والانفتاح الاقتصادي. وهذه في الواقع ليست حتى لبرالية اقتصادية. ولكنها الجهد الوحيد الذي يشهد نجاحا منهجيا في العراق وسط الخراب والحرائق. كنا في الماضي إزاء نقاش بين أنظمة مقترحة من نوع ديمقراطية وديكتاتورية وارستقراطية فبتنا إزاء "كليبتوقراطية" (تعني في قاموسنا حرفيا: حكم الحرامية أو السراقين).

هذه الأوساط النيولبرالية "الكليبتوقراطية" كما عرّفناها ليست مجرد دمى مسيّرة. فقد باتت أقوى في المعادلة الأميركية العربية بعد التدخل في العراق. إذ لم تعد أميركا تهددها أو تبتزها لتقوم بإصلاحات، بل هي مضطرة للاعتماد عليها كما هي. ولديها تقييمات وأجندات. وهي تحاول أيضا كسب القوة الأميركية العظمى لصالح أجنداتها إقليميا. وفي جعبة هذه القوى تصور يعتمد على تحليل غير واقعي، وتشخيص مبني على فتات معلومات مجتزأة ومنتقاة وآراء مسبقة حول النظام العربي القديم، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو خاطئ، ومنها ما هو مجرد شعارات، وعلى معلومات دعائية الطابع حول إسرائيل واستعدادها للسلام وتفويت العرب للفرص.

منذ فترة باتت مفاهيم "عروبة المعركة أو الصراع" و "صراع الوجود" مع إسرائيل" مواضيع استهزاء وتهكم. من نوع تهكم المراهقين الجهلة الذين اكتشفوا مظاهر بلوغ جسدي ويصعب محاججتهم ولا يستمعون أصلا قبل أن يتجاوزوا هذه المرحلة. وهي لم تكن شعارات بأي حال بل مرحلة حقيقية في فهم ما يجري اقترب فعلا من الواقع. ولم يتفهموا يوما مسألة "حركة التحرر"، ويرون واقعيا ضرورة التسوية مع إسرائيل، ويلومون الفلسطينيين على تفويت الفرص التي لاحت. ولكن قراءتهم للواقع ومستوى معرفتهم لإسرائيل بهذه القراءة واعتمادهم الكلي على حسن نواياها هي أحد عوامل التعنت الإسرائيلي، وإحدى محفزات شهية إسرائيل لابتزازهم أكثر. وهي قراءة تتميز بعدم الواقعية لناحية استعداد الولايات المتحدة للتأثير على إسرائيل واستعداد إسرائيل لحفظ ماء وجوههم. أما من ناحية المعلومات، فمعلوماتهم أقل من الجيل العربي السابق، ولا شك أن جيل عبد الناصر والبعثيين القدامى كان أكثر واقعية وأقل فسادا بما لا يقاس.

والأخطر أن أوساطا واسعة من هذه القوى لا تقع تحت الضغط الأميركي لأغراض المواجهة مع ما تعتبره التيار الرافض للتسوية في المنطقة فحسب، بل لديها أجنداتها أيضا التي باتت تضيق ذرعا بالمعسكر العربي الآخر الذي لا يشاركها تقييماتها غير الواقعية ومواقفها. فهنالك من ينشر أوهاما يؤمن بها فعلا عن خطر شيعي. وهنالك من ينشرها دون أن يؤمن بها.

وهنالك من ضاق ذرعا بالخطاب السياسي السوري غير المتواضع بشأن دور سوريا وحجمها وإمكانياتها. وهو يتفهم مطلب سوريا استعادة الجولان خاصة إذا كان مصاحبا بنيولبرالية اقتصادية داخل سوريا، دون محاربة الفساد بالضرورة، ومستعد أن يقف معها في الجهدين مثلما يقف حاليا مع القيادة الفلسطينية بعد فك ارتباطها مع حماس، ولكن على سوريا أن تتنازل عن أي دور في العراق ولبنان وفلسطين وغيرها. وأن تتحول إلى دولة أخرى معنية بتسوية خلاف حدودي مع إسرائيل... وإذا لم ترغب سوريا بذلك فيجب عزلها وتلقينها درسا هنا ودرسا هناك. وما يهمس عربيا في أذن أميركا بخصوص دور سوريا مهم. فكما نصحت أميركا بكيفية التعامل مع العراق في حينه، وكما نصحت أميركا بكيفية التعامل مع عرفات، تقدم لأميركا النصائح في كيفية التعامل مع إيران وسوريا.

لا بد أن أحدا ما قد حلل لرايس قصة الخلافات السورية الإيرانية. وهي بنت عليها سيناريو متفائل ومغتبط لصراع كامل بينهما تحدثت عنه بطلاقةِ من حظي بالاستماع إلى مصادر عربية يحرم الإسرائيليون من الاستماع إليها والاستمتاع بها مباشرة. ولا بد أن أحدا يقترح إشغال حماس بضمان الغذاء والدواء والوقود في غزة، بتشديد الحصار ورفعه، وفتح الحنفية وإغلاقها، في حين يفاوض آخرون على امتيازات ومساعدات وإعلان مبادئ.

ولكن لسبب ما يتضح دائما أن التحليل خاطئ وغير واقعي ومبني على شتات معلومات جمعت لماما لتناسب الفرضية، فمن ناحية الاختصاص والتشخيص والخبرة ليس هؤلاء بأفضل حال من الأنظمة التي يتهكمون عليها. وان انهيار النظام في سوريا وتراجع حزب الله أمام إسرائيل في لبنان وتحول العراق إلى دولة حليفة للإدارة الأميركية وإسرائيل إذا ما اسقط نظام صدام حسين، كلها تمنيات وأضغاث أحلام ما لبثت أن تحولت إلى كوابيس.

وليس في قلوبنا أدنى شك أن مصير هذه الأحلام في لبنان وفلسطين أن تتحول إلى كوابيس إذا لم يحصل انتقال سريع إلى لغة الوفاق الوطني وحل الخلافات داخليا.

استعراض برلماني في واشنطن ومأزق في العراق


13/09/2007 08:00

مع تقرير السفير الأميركي في العراق كروكر وقائد الجيش الأميركي في العراق بتريوس بتكليف من البيت الأبيض وجلسات الاستماع في الكونجرس حاولت الإدارة أن تفرض أجندتها وتوقيتها ومفاهيمها على الرأي العام الأميركي. وفرضتها الهيمنة الثقافية الأميركية على أجندات الإعلام العالمي كمزود أول للاستهلاك الإعلامي وعبر تحويل الأخبار منذ أمد بعيد إلى تسلية إخبارية: من ترقُّب "الحدث"، أي ما يصور سابقا كحدث ينبغي انتظاره، إلى بث مباشر على حساب كل شيء آخر يجري في هذا العالم، إلى تعليقات على البث المباشر. ولا تتخلف صحيفة ولا وقناة تلفزيونية عن زميلاتها، لكي لا تتهم بالتقصير ولكي لا تخسر ولو جزء من سوق المستمعين الذي قد يتحول عنها... المنصة وجدت، إذا لا معنى للتهرب من الإدلاء برأي.

أعضاء الكونجرس الذين استجوبوا السفير والآمر العسكري لم يقوموا بالاستجواب من منطلق عربي أو عراقي، بل من منطلق أميركي، وهم يوجهون الاتهامات للإدارة كابحين غضبهم بهدوء مصطنع بات يميز ذاته كنبرة صوت أميركية في السياسة لسببين رئيسيين: الأول هو فشلها في تحقيق أهداف الحرب الكاذبة والفعلية. ولو نجح بوش بنفس المهمة والأهداف لما كانت هنالك مشكلة، فهؤلاء النواب ليسوا وطنيين عراقيين، ولا قوميين عرب، ولا حتى لبراليين كونيين. فهم يتعايشون مع نظام استبدادي في دولة أجنبية ما دام قصة نجاح، أي ما دام ناجحا في خدمة مصالحه ومصالح أميركا. بوش يحاسَب بموجب الأهداف التي وضعها لنفسه. ولو جاءهم آمر قوات الاحتلال إلى الكونجرس رابحا ولو بعدد أكبر من الجرائم ضد المدنيين لما كانت هنالك مشكلة. لا يوجه في الكونجرس نقد ضد مبدأ الاحتلال وعلى هدم الكيان العراقي بمعول بريمر ورؤسائه ومرؤوسيه، بل نجد نقدا لسياسة بوش لأنها فشلت، وقد فشلت بالمعايير الأميركية. الأمر الثاني الذي يهم أعضاء الكونجرس هو الدقائق السبعة التي سوف تسلط فيها الكاميرا على وجوههم وهم يتكلمون ويوبخون ببلاغة وإيجاز سياسة غير شعبية لا يتحمل الموظفان المسؤولية عنها. اهتم كل عضو كونجرس أن يوضح ذلك في مقدمته، كما اهتم أن يحيي رجال ونساء الجيش على شجاعتهم.

لقد بدأ النقد الذاتي في الصحافة الأميركية على دورها في التعبئة للحرب على العراق، وتجده في مقالات صحفيين عديدين ينتقدون دور الصحافة مباشرة، وقد فعلت ذلك نيويورك تايمز إذ اعتذرت للقراء. ولكن الكونجرس ينسى ويتناسى أنه أيد الحرب حين إعلانها بنسب أعلى من تأييده حرب فيتنام في بدايتها.

لعبة الاستعراض البرلماني والتقارير وغيرها هي لعبة سياسية أميركية داخلية من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. فبالنسبة لمعارض السياسة الأميركية في العراق ليس معيار الموقف هو نجاحها أو فشلها في تحقيق الأهداف، بل الأهداف ذاتها هي المشكلة .

ومنذ أن أدرك بوش درجة تورطه بدأ في عملية تمرير فترة رئاسته في العراق بإشغال الرأي العام الأميركي بمواعيد زمنية وهمية وأحداث قادمة يتطلع لها الرأي العام الأميركي وتفرض على الرأي العام في المنطقة العربية أيضا: نقل السلطة في العراق، الانتخابات، تقرير بيكر هاملتون، زيادة عدد القوات، مؤتمر الدول المجاورة، تقرير كروكر بتريوس...الخ. وكلها مواعيد وهمية يتطلع الناس إليها كأنها تواريخ فاصلة سيختلف ما بعدها عما قبلها، ولكن الخيبة بنيوية. ولا يحدث "تقدم" طبعا، (لا يوجد أصلا اتفاق على سؤال: تقدم بماذا؟). وكل ما يجري هو زيادة التورط الأميركي، وسير العراق بخطوات أسرع نحو التفكك... هذا هو الحدث العظيم الوحيد الحاصل فعلا. وفرض كل ما جرى في الكونجرس والمهرجان الإعلامي من حوله على العرب، أي فرض التعامل المشهدي مع بتريوس كجنرال و"جنتلمان" وليس كمجرم حرب، وتعاملنا من حيث ندري ولا ندري مع أعضاء الكونجرس كحكماء محايدين وحازمين يطمس الفرق بين قوات الاحتلال وقوات حفظ السلام، وبين الحرب والتفاهم وسوء التفاهم مع أميركا.

ولو هبط كائن فضائي في واشنطن وجلس يستمع إلى جلسات الكونجرس لحسب أن العراق كان كيانا تمزقه الحرب الأهلية الطائفية عندما قررت أميركا إرسال قوات حفظ السلام إليه لتفصل بين الطرفين، وأن النقاش يدور في الكونجرس حول النجاح في المهمة من عدمه. نحن نعرف تاريخ الاحتلال وتفكيك دولة العراق بالحرب العدوانية بعد حصار تجويعي دام ثمانية عشر عاما، ولكن المواطن الأميركي المسكين هو فعلا أقرب إلى كائن فضائي.

ومع ذلك، ورغم كل ذلك، لم يتضمن المشهد مفاجآت، "إنه الأسبوع الذي لن يحدث فيه شيء" كما توقع أحد المعلقين الأميركيين. وفعلا لم يحدث شيء. توقع الجميع أن يكون تقرير الموظفين ( الدبلوماسي والعسكري) تقريرا تجميليا للسياسات الأميركية فيبرر زيادة عدد القوات ويثبت نجاعة استراتيجية المشغِّل، جورج بوش، في تقليص عدد حالات العنف الطائفي وعدد عمليات المقاومة ضد جيش الاحتلال. وهذا ما حصل فعلا.

إنه نفس بتريوس الذي كتب كجنرال من العراق مقالا في "واشنطن بوست" يوم 26 أيلول\سبتمبر 2004 في أوج العنف الطائفي وعمليات المقاومة التي كانت تجتاح العراق يدافع فيه عن سياسة بوش ويرى فيه ضوء في آخر النفق ويتوقع تغييرا حقيقيا في السنة التالية أي في 2005.

هنالك موظفون...وهنالك موظفون. فمراقب الدولة الأميركي، أو مكتب المساءلة المستقل والملتزم قانونا أمام الكونجرس قدم تقريرا أكثر استقلالية لأنه يشكل سلطة مستقلة ولو داخل نفس المؤسسة. لم يحظ التقرير بعظيم اهتمام. وكانت العاصفة الإعلامية والتغطية والدراما والحشد الصحفي والسحنات الجدية على الكراسي الجلدية من نصيب التقرير الأقل أهمية والذي جاء بتكليف من بوش.

لا نعرف كيف اختار التقرير إحصائياته وأرقامه، ولا كيف قرر الفرق بين عنف جنائي وطائفي، ولا نعرف أيضا لماذا اختيرت هذه الأشهر تحديدا لمقارنات تظهر انخفاضا في معدلات العنف وبالتالي نجاحا لسياسة التدخل العسكري. ولكننا نعرف أنه فعل ذلك برسوم بيانية وجمل تحمل ألف معنى وكليشيهات، ولم يقتنع أحد. لم يقتنع أحد أن تقليص العنف بتطويق مدن مثل بعقوبة والفالوجة والتنكيل بسكانهما وانخفاض مستويات المقاومة طالما بقي الجيش مركزا من حولها هو إنجاز استراتيجي. الجميع يعرف أن نفس العنف سيعود مضاعفا حال مغادرة الجيش أو إرخاء قبضته. وبالعكس ربما يزداد العنف نتيجة نزعات ثأرية لدى المدنيين الذين نكل بهم. ولم يصدق احد أن انخفاض العنف في بغداد ناجم عن انخفاض الاحتراب الطائفي. فمن السهل إثبات أن العنف انخفض لأن حملات التطهير العرقي من قبل ميلشيات المهدي وبدر والمدعوم من الشرطة والأمن العراقي نجحت في تحويل بغداد من مدينة 63% من سكانها من السنة إلى مدينة 75% من سكانها من الشيعة. وهذه أرقام جون كيري، وتدعمها تقارير العدد الأخير من "نيوزويك" حول ما يجري في بغداد. وهذا يعني أن العنف انخفض بعد أن حقق مراده فقل الاحتكاك الطائفي نتيجة لتحقق هيمنةِ طائفيةٍ بعينها. كما لم يصدق احد أن ميل عشائر الأنبار لمقاتلة القاعدة الناجم عن ممارسات الأخيرة الطالبانية ضدهم وضد أبنائهم وبناتهم هو انجاز للإستراتيجية العسكرية الأميركية، إذ يمكن قراءته كنتيجة لفشل الإستراتيجية الأميركية واضطرار هذه القبائل أن تدافع عن نفسها أمام همجية وتجبر القاعدة. وما مفاخرة بتريوس وكروكر بهذا "الانجاز" إلا تعبير عن عمق أزمة الاحتلال وعن حجم التورط الأميركي في الفخ العراقي.

إنها تكريس لنفس الخطيئة التي بدأ بها الاحتلال سفره غير الميمون في العراق على السكة الخطأ. لقد بدأ بتقسيم البلد طائفيا حتى وصلنا إلى الوضع البائس الذي بات فيه العلماني يحصي نسب الشيعة والسنة ببغداد بعد تطهير طائفي. ثم عندما أدت الطائفية إلى متاجرة الأصولية الدموية بها راهن الاحتلال على غضب العشائر وسلحها، ومستقبلا قد تنقلب العشائر عليه أو ربما على عشائر أخرى. نجح الاحتلال في هدم بنيان دولة، وهو لا يعيد بناءها بل يمعن في التفتيت.

في المشهد البرلماني الحي والمباشر ظهرت أميركا كما هي. دولة عظمى دخلت الحرب بعدة ولكن من غير إعداد، وبتآمر ولكن من دون خطة لإدارة البلد. شنت أميركا العدوان عبر نشر الأكاذيب وإزاحة الغضب الشعبي على 11 أيلول من القاعدة وتوجيهه بتآمر ودهاء نحو العراق. وهي نفس أميركا التي أدركت أنها كانت الحرب الخطأ، ولكن ليس لديها خطة للخروج من العراق. إنها أميركا التي أدركت أنها الحرب الخاطئة لأنها حرب فاشلة.

خروجها المفاجئ سيعرض حلفاءها ومصداقيتها ومنطقة الخليج برمتها للخطر، أما بقاؤها في العراق فسوف يمدد زمن النزيف المستمر لها وللمنطقة بلا نهاية. ليس لدى أميركا خطة للخروج. ومن يدعون إلى انسحاب مبكر يراهنون على أن مغادرة من هذا النوع سوف تضع القيادات العراقية أمام مسؤولياتها وسوف تضطرها إلى مصالحة وطنية، وهذه طبعا مجازفة. وتخشى أميركا ليس فقط من الفوضى والحرب الأهلية على نمط رواندا والكونجو وكلها مجازر رهيبة كبرى تمت بسلاح خفيف، بل أيضا من فراغ سياسي تحتله دول إقليمية مثل إيران وسوريا.

كانت الخطيئة الكبرى وما زالت هي إعلان الحرب على العراق واحتلاله دون سبب للحرب. ثم كانت الخطيئة الثانية التي وضعت مسارا للأولى في التعامل مع العراق ككيان طائفي تحكمه أقلية سنية تضطهد أكثرية شيعية، وكانت الخطيئة الثالثة تفكيك الدولة والجيش وفسح المجال لمليشيات طائفية للتلبس بلبوس الشرطة والأجهزة الأمنية...في حين كان العراق دولة، وكان المضطهَدين والمضطهِدين في العراق من السنة والشيعة. لقد وضعت هذه الخطايا الاحتلال والتطور السياسي في العراق بما فيه الدستور وبناء أجهزة الأمن وغيرها على سكة تقود نحو الدمار. حتى المعايير والأدلة التي تحاسب الحكومة العراقية بموجبها في الكونجرس هي تعبير عن توجه طائفي للعراق. خذ مثلا مشاركة إقليمٍ الأقاليم الأخرى بثروته النفطية. منذ متى تتبع الثروة النفطية أصلا لإقليم؟ يطرح المعيار الذي تحاسب عليه حكومة نوري المالكي في توزيع ثروة العراق وكأن إقليم بعينه يملك النفط ويتكرم بجزء منه على الآخرين... في حين يتلخص توجه بناة الدول بأن هذه ثروة العراق وشعب العراق. لقد أدخل الاحتلال فيروس الطائفية أو سمح له بالتفشي بعد أن أزال كافة الموانع من طريقه. ولن ينجو من عدواه مخلوق. ولن ينقذ الأميركيون العراقيين من هذه العدوى، وفقط قيادات عراقية وطنية جدية وقادرة على التفاهم مع المقاومة قادرة على إنقاذ بلدها إذا توفرت لديها الإرادة والقوة.

ترقيع على شفا الكارثة



24/09/2007 08:10


في العام 2003 ألقى بوش في لندن خطابه الشهير الذي أعلن عدم قبول "الوضع القائم" في الشرق الأوسط وأن الاستقرار هنا(ك) لم يعد هدفا. كان ذلك إيذانا بافتتاح سياسة الحروب والفوضى. في هذه الأثناء تلقت السياسات الأميركية بعض دروس التكملة. ومن مظاهرها ذهاب رامسفيلد وتعيين روبرت جيتس.

كتب ديفد بروكس ( نيو يورك تايمز، 19 سبتمبر\ أيلول) عن محاضرة روبرت جيتس في مؤتمر حول مستقبل الديمقراطية في العالم في كلية "ماري اند وليم" في وليامز بورغ. في هذه المحاضر قرأ جيتس تاريخ السياسات الخارجية الأميركية كصراع بين "الواقعيين" والمثاليين"، وكأن هذا التاريخ يتمحور حول سؤال حاضر. هذا النوع من القراءة يحول توماس جفرسون "المثالي" إلى جد للمحافظين الجدد، ويسحب خيطا ممتدا إلى فوارق بين الرعيل الأول من الرؤساء: مثالية توماس جفرسون المشتقة من انتصاره لأفكار الثورة الفرنسية التي اعتبرها انتصارا للحرية، في مقابل جون آدمز المحافظ الذي اعتبرها حالة من الراديكالية غير المنضبطة.

حاول جيتس أن يضع أساسا تاريخيا للتوازن بين "مثالية" الرئيس الحالي ونائبه والواقعية المطلوبة بعد الحرب على العراق. وهو كما يبدو يعتبر نفسه مجسدا لهذا التوازن. ولذلك قرأ تاريخ التدخل الأميركي في الخارج "واقعيا" كتحالف مع طغاة لهزيمة طغاة آخرين، وجمع التغني بحقوق الإنسان والحرية مع التعامل مع أسوأ منتهكي حقوق الإنسان في الوقت ذاته. قال ذلك بصراحة تحرج بعض اللبراليين العرب وتابع: أنه ليس من النفاق ولا العدمية الجمع بين الإيمان الملتهب بالحرية وتبني طرق مختلفة لتعزيزها في مراحل مختلفة"، فهنالك "حاجة لتسويات مع الشر من أحل صنع الخير". وفي مقابلة تلت المحاضرة تابع يقول: "لم نحتل العراق من أجل الحرية، بل لإزالة نظام غير مستقر ولأن نظام العقوبات بدأ ينهار، والحرية قد تأتي كظاهرة جانبية مرافقة"، ولا حاجة أن يضيف: وقد لا تأتي.

وعلى سؤال هل كان على الولايات المتحدة أن تهاجم العراق بعد ما نعرفه الآن؟ أجاب جيتس بعبارة "لا أعلم". وهل كان إجراء الانتخابات في السلطة الفلسطينية فكرة حسنة؟ يقول جيتس " تُخلَطُ فكرة الانتخابات أكثر مما ينبغي مع فكرة الديمقراطية والحرية". إنه يقول عمليا: بإمكان أميركا وحلفائها أن يكونوا ديمقراطيين دون انتخابات...السؤال هو أين المصلحة ( الأميركية بالطبع)، هل هي في إجراء انتخابات في دولة ما أم لا؟ بالنسبة لإيران قال جيتس إنه يجب استخدام "القوة الناعمة"، قال ذلك بعد أن ذكَّر بكيفية استعراض رونالد ريجان للصلابة والتصميم عند إسقاط الطائرات الليبية فوق خليج سِدرا لتعرف كل دولة حدود قوتها، و"لتتعرف إيران على الفجوة بين خطاباتها السجالية وبين قوة نظامها الفعلية". من تفسير معنى القوة الناعمة (قوة دون حرب شاملة: حصار، عقوبات دولية، عمليات عسكرية) يضاف إليها إجابته بـ"لا أعلم" حول صحة ضرب العراق أن نحاول تحديد موقفه من حرب ممكنة على إيران.

يتضح من كافة الأجوبة أن جيتس على هدوئه ورصانته مقابل ثرثرة رامسفيلد "واقعي" يتحول ميكافللي إزاءه جروا صغيرا. ولكنه يساير رئيسه لكي لا يبدو واقعيا أكثر مما ينبغي. وهو في الواقع يمثل تغييرا في مستقبل السياسة الخارجية الأميركية كسياسة استعمارية واقعية دون مُثُلِ الحرية من خطاب بوش إياه والتي ادعى المحافظون الجدد تبنيها كإيديولوجية للإمبراطورية. هذا للمدى البعيد، أما للمدى القصير فكرر جيتس مقولة المؤرخ جوزيف إلِِّيس أنه في الوقت الحالي "يرقٍّع" أو "يعجق" أو "يتدبر أمر السياسة لحظيا وذلك على شفير الكارثة".
“improvising on the edge of catastrophe.”

هل كانت غزة كياناً صديقاً؟
لا معنى لإعلان إسرائيل غزة كيانا معاديا، لا قانونيا ولا مضمونا. فالقانون الإسرائيلي يشمل عبارات مثل "تنظيم معاد" أو "دولة معادية"...ولا ذكر لـ"كيان معاد". والإعلان بحد ذاته لا يغير وضع غزة في القانون الدولي الذي يلزم إسرائيل تجاهها ما دامت تحاصرها ولا تعترف بسيادتها على حدودها. وحتى لو اعترفت إسرائيل، لا يعترف الشعب الفلسطيني بغزة دولة مستقلة دون القدس ودون الضفة الغربية حتى حدود الرابع من حزيران، ودون حق العودة.

أما مضمونا فكيف يمكن أن توصف "العلاقات" بين غزة وإسرائيل قبل الإعلان؟ علاقة الواقع تحت الاحتلال بالمحتل هي علاقة عداء، ولذلك ليس من معنى للقول إن هذا الإعلان هو بمثابة إعلان حرب على غزة. أي حرب؟ وهل كان سلام؟ لقد جرفت المصطلحات الإسرائيلية جزءا من الشعب الفلسطيني لكي ينفي حالة العداء، كيف يمكن أن تمارس المقاومة والرد عليها بالقمع الشامل دون أن يكون هذا حالة عداء.

تمهد إسرائيل لخطوات عقوبات جماعية ضد قطاع غزة وتجهز الرأي العام لذلك. هذا هو معنى الإعلان. وقد بدا من تصريحات ليفني وأولمرت أنها تحسب حساب كل شيء إلا رد فعل الرئاسة والسلطة في رام الله، ناهيك عن رد الفعل العربي. فلن تصدر من هناك خطوات ذات معنى، بل إدانة من نوع الإدانات العربية التي لم نعرف حين كنا صبية أنها من ضمن ما يتسع صدر الغرب له من تفهم للعقل البياني العربي والحاجة السياسية الواقعية للكذب... وهو الكذب المفضوح المتفق رغم ذلك على الحاجة لترديده.

كيف ترد قيادة شعب معتدلة على خطوات عقوبات جماعية ضد شعبها؟ تدين، ثم تواصل التفاوض مع من يفرض هذه الخطوات، بما في ذلك حول نجاعتها، وتحضر التفاصيل لمؤتمر يعلم الجميع انه إما ألا يتوصل إلى اتفاق أو يتم فيه إعلان مبادئ تفريطي.

هؤلاء لا يريدون التخلي، ولكن ليس عن السلام، بل عن "عملية السلام". فما يحظى بهذا الدعم والرعاية والشعبية والحماس على مستوى الأنظمة العربية هو عملية السلام. وهي تحظى بهذا الدعم في حالة المشاركين الفلسطينيين، لأنهم يعاملون في كنفها كقيادة دولة دون دولة. ومن يحتاج إلى سلام عادل ودولة حين تكفي "عملية السلام" تكفي وفي هذا قال ابن شرف عن ملوك الطوائف الذين يعتقدون أنهم ملوك:

مما يُزَهّدُني في أرض أندلس......... أسماء معتصم فيها ومُعْتَضِد
ألقاب مملكة في غير موضعها..... الهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد

أما الآخرون من العرب الذي ارتفعت شعبية إسرائيل لديهم بعد ارتكابها أفظع الجرائم في لبنان فيريدون حسما مع أعداء السلام في المنطقة... كل هذا دون التوصل إلى سلام، فهو بذاته غير مهم إطلاقا.
الحمد لله، ليس في الأرجنتين
تعامل العراق التاريخي مع قضية فلسطين تعامل قومي شعبا ودولة. حتى في عهد نوري السعيد تم التعامل مع أعداد اللاجئين الفلسطينيين التي وصلت العراق بشكل معقول، تذكرت ذلك مؤخرا أثناء قراءة فصول من حياة الكاتب والمبدع الفلسطيني إحسان عباس وهو يصف وضع أهله اللاجئين من منطقة حيفا في العراق.

في هذه الأيام يقتل الفلسطيني في العراق لكونه فلسطينيا، وأضيف لذلك سبب جديد لم يكن ليخطر بباله ولا في كوابيسه، أقصد لأنه سني، وربما لأن خطاب النظام السياسي كان مؤيدا لفلسطين. ولا حاجة لإعمال الخيال في شرح الأسباب التي دفعت آلاف الفلسطينيين لتفضيل الإقامة على الحدود في الصحراء وسط اللامكان على العودة إلى بغداد. ولكن لم يكن ممكنا إقناع دولة عربية واحدة على استيعاب أعداد أخرى من اللاجئين العراقيين، فلسطينيين أو غير فلسطينيين، مع صعوبة خاصة فيما يتعلق بالفلسطينيين.

وجاء الجواب من البرازيل. سيتم استيعابهم هناك بإذن من الحكومة البرازيلية بعد مساع قام بها مواطنون من أصول عربية وفلسطينية هناك. في البرازيل. ما كان يعتبر يوما مؤامرة، أصبح بفضل لوضع العربي عونا وتضامنا. وهو مقارنة برد الفعل العربي كذلك فعلا.

طرح في الخمسينات مشروعان إسرائيليان شبه حكوميين لتوطين الفلسطينيين "مفتساع (عملية) يوحنان" (1950) والثاني، ويسمى " همفتساع هلوبي" (العملية الليبية) (1953). مشروع "عملية يوحنان" من بنات أفكار يوسف فايس الذي أصبح فيما بعد رئيس دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية، وهو صاحب "مآثر" في المصادرات والحيل الاستيطانية في الضفة الغربية طوال السبعينات. ورمى المشروع إلى ترحيل الفلسطينيين الباقين في فلسطين المحتلة عام 1948 من الجليل إلى الأرجنتين. هذا ما ورد في رسائل يوسف فايتس، من إلى يعكوف تسور، (أصبح ويزرا للزراعة فيما بعد) سفير إسرائيل في الأرجنتين (حزيران 1951.

وفشلت الفكرة، بعد أن تبين أن الترحيل يجب أن يتم بالقوة إذ فشل الترحيل الطوعي.

العملية الثانية: أعدها يوسف فايتس أيضا وتهدف إلى توطين الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين واللاجئين خارجها في ليبيا بمساعدة تجار أرض إيطاليين، ولا حاجة هنا للتفصيل.

بعد انتظار سنة في مخيم (عمليا معسكر اعتقال) على حدود صحراوية بين دول عربية وبدون مدارس ودون علاج ودون أدنى مقومات الحياة الإنسانية. يبدو السفر إلى البرازيل خلاصا. وقد يكون فعلا خلاصا فرديا لفتية وصبية ينتظرهم مستقبل ما ناجح.
إذا كان يوسف فايتس ما زال حيا، فلا بد انه يبتسم الآن.

في دول عربية كثيرة لا يتحدثون عن حق العودة بل عن رفض التوطين...واضح أن المقصود برفض لتوطين ليس حق العودة، ولكن يجب أن يضاف أن المقصود هو رفض التوطين "عندهم"، ولا بأس من التوطين في مكان آخر...وليكن البرازيل، أما كيف يخدم التوطين في البرازيل بقاء فكرة العودة مشتعلة أكثر من السكن بكرامة في البلاد العربية، فلا يبدو أن أحدا يعتقد انه مدين لأحد بإجابة.
ما هي الفريضة بالضبط؟
منذ أن حول الاستهلاك والبطر شهر الصيام إلى شهر الطعام شق علينا التخمين هل الفريضة الدينية هي الإفطار أم الصيام. فحول الإفطار تنسج الهالة ويكثر البذل والسخاء على المائدة، ومعه يتم التعامل بقدسية، وتكثر حوله الفتاوى والتيمنات بالرسول والخلفاء وغيرهم. ولكن حقيقة واحدة لن يسترها شيء في هذا الشهر الكريم: يزداد، بل يتضاعف استهلاك الطعام على أنواعه عند كافة الطبقات. كل هذا يحيي فينا ذكرى المحبة الخاصة لهذا الشهر الفضيل وأجوائه حين كان متواضعا خاشعا مثل إيمان الفقراء.

كل هذا يهون أمام استغلال الإفطارات الجماعية سياسيا، خاصة من طرف المستعمِرين كفرصة للتزلف لنا ولعاداتنا. فالمدخل الاستعماري التقليدي لـ"تفهم الشرقيين" هو "احترام عادتهم وتقاليدهم". وقد تصنع تقاليد لم تكن قائمة خصيصا لتقوية نخبة تقليدية معتدلة تلعب دور الوسيط مع الواقعين تحت الاستعمار وتمثل هذه العادات والتقاليد في الوقت ذاته.

ويعتبر المسؤولون الإسرائيليون الأعياد المسيحية مناسبة لزيارة المطارنة والكهنة والمعتدلين من أبناء هذه الطائفة أو تلك في حيفا والناصرة. وهي مناسبة ليتودد هؤلاء بسماجة تحسب نفسها خفة دم بعض العبارات بالعربية من نوع "كول آم وانتُ بخير"، وليعلن أولئك ولاءهم للدولة على نمط تعامل المؤسسات الدينية في أسوأ أحوالها مع المستعمِر. وطبعا هنالك استثناءات بارزة.

وهذا هو حال الأعياد الإسلامية. وفي شهر رمضان يبادر بعضهم لإفطارات جماعية يحضرها مسؤولون إسرائيليون. فعل هذا مؤخرا "صندوق ابراهام" لدعم التعايش (طبعا المقصود التعايش الذي يباع للمتخلفين عربا ويهودا وأميركيين كتعايش إسحاق وإسماعيل) إذ دعا لإفطار جماعي ضيفته وزيرة خارجية إسرائيل وحضره ممثلون عن عرب الداخل في إعادة إنتاج واجترار ممل ومهين لعلاقة المستعمِر بالمستعمَر... وكأن إفطار رمضان يهضم كل شيء.

Saturday, September 22, 2007

Ignorant thieves

Arabism was not a slogan but a stage in Arab perception of looming danger before which current political darlings appear both ignorant and complicit, writes Azmi Bishara

If the US proceeds on the basis of the conviction that, after its failure in Iraq and Afghanistan, it needs to score a success in Lebanon by rolling back the opposition through the application of international resolutions, and another success in Palestine by feeding the West Bank and starving Gaza in the hope of compelling the Palestinians to accept anything Israel offers, the only thing it will accomplish will be to propel these two countries to civil war and destruction.

For America's friends and allies in these countries, this is their moment to shine. If they have an ounce of patriotism, they should be able to picture the possibility of national reconciliation and agreements that will spare their countries death and devastation. They can give the Americans some sound advice. They can tell them that no amount of outside support or money will resolve the domestic conflict, that a Hamas desperate enough to initiate resistance in the West Bank, for example, will frustrate the projects dreamed up by various research institutes for a Western-financed social safety net to take the place of the Hamas- run philanthropic societies along with all the economic initiatives conceived in the course of a businessmen's convention in Tel Aviv. They can say that only national reconciliation will work, that local balances of power are one thing and the balance of power in the Security Council another, and that forcing the former to mirror the latter has only succeeded in inflicting on the region an endless train of disasters.

Of course, as useful as this advice is, one pretty much has to don rose-tinted lenses to believe that those friends and allies of America will offer it to Washington; indeed, lenses of a more hallucinogenic quality if those people think that there is still time to turn an impetuous America under the yolk of a reckless president to the advantage of their domestic agendas. Naturally, too, we did not mention here the need for Syria and Iran's friends and allies in these countries to whisper similar advice to Damascus and Tehran, since they have already declared their position with regard to the need for national reconciliation in Palestine and national unity in Lebanon.

It had long been an Arab custom to point the finger abroad or at "certain elements" in order to avert rupture between them. In the post- independence phase, from the time when coups stopped and regimes settled down, until the alienation of the Saddam Hussein regime following the war to liberate Kuwait, there was something of an unwritten agreement between Arab regimes to keep their mutual acrimony from exceeding the bounds of their collective interest and the preservation of stability. Directing blame away from each other was the way to do this. So when they cried out in unison against the "imperialist, Zionist and Arab reactionary" conspiracy, as though it were a three-headed monster, and held this trinity responsible for the latest outbreak of fighting inside Palestine or the latest resumption of gunfire in the backstreets of Beirut, no one blinked an eye. Even Israel shrugged off the accusation and fell in with the universal pretence that this was a form of revolutionary bombast and the Arab regimes' way of sweeping their problems under the carpet.

But the phenomenon goes much further back. It dates at least to the Sykes-Picot Agreement, which ordained that there could be no Arab nationalist concern and that domestic conflicts in the Arab world had to reflect or play a part in international conflicts. So when, in that twilight of the Ottoman era, Arab political forces were ranged as for or against the Great Powers and other outside powers, the local categorisers with grudges to bear against certain national forces made no distinction between these, some of which had sided with this or that of the outside powers for various reasons of their own, and actual security breaches, which is to say individuals that were actively acting on behalf of, or conspiring with those powers. Either one was an "Arab in spite of all else," and therefore part of that great Arab family that was summoned to unite against colonialism, or one was a "proxy" or a "spy".

It is not my concern, here, to define who might be categorised as a security breach or an "agent" working on behalf of a foreign power. Suffice it to say that the concept could extend to those individuals we read about in books produced by former US officials (such as Ross and Tenet); individuals who proved to have had a hand in the American decision-making process if only because they were a source of information -- very carefully selected information, it should be added, furnished to the US on the eve of the war against Iraq to show that the Saddam regime was ripe for the plucking, or on the eve of Camp David II to show that Yasser Arafat was ready to accept anything on offer as long as Bill Clinton could work his magic charm. It goes without saying that such information had very disastrous consequences.

What does concern me here is those forces that regard it in their interests to ally themselves with the US and that are currently studying the possibility of an alliance with Israel. These we cannot categorise as a "security breach" because they represent the interests and attitudes of the regime and even some relatively narrow social strata. It is too easy to pass these off as weak or pretending to be weak, or stupid or easily gulled. Such assessments are simplistic and will inevitably lead to folly. The Arab world has a whole new generation of politicians that subscribe to the concept of the sub-regional nation state and the need to place its interests (most often as identified with the interests of the existing regime) above all other considerations. To them, if that requires an alliance with the US, even at the expense of that nation's relations with other Arab countries, then so be it. The Palestinian cause, in their opinion, is simply another national issue, as opposed to an Arab national issue. The Arabs have to help resolve this problem, of course. But a just solution is not necessarily required, not when that problem continues to form a source of trouble and potential instability, because it constantly arms domestic opposition forces with fodder to sustain their anger against the regime and their resentment of its alliance with the West and of never-ending attempts to delegitimise supranational frames of reference such as pan-Arabism or Islam.

Some Arab democrats, especially those with a history of leftist leanings, had pinned their hopes on US interventionism in the name of democratic reform. How deluded they were. Whatever immunity they once had has been swept away by an imperialist policy that they helped to usher in through their strident hostility even towards those modernist elements in Arab nationalism that they equated with prevailing regimes. I suppose they were always this way. In the past they fell into the thrall of the international revolution. More recently they were captivated by globalised democracy. In both cases, outside power always held the key.

But these are not the ones I have in mind when I speak of forces currently allied with the US. Rather, I am talking about various rulers and their coteries of relatives, friends, nouveaux superrich businessmen and "neo-liberal" intellectuals. These have never been anywhere near the left and they never had a warm spot in their hearts for democracy, civil rights and liberalism. Liberalism to them means economic privatisation and deregulation to feed their small circle of the rich and privileged, which is a far cry from what even economic liberalism is supposed to be about. Sadly, this is the only policy that is systematically succeeding amidst the devastation in Iraq. Whereas in the past one pondered such alternatives as democracy, dictatorship and monarchy, today the Arab world should add a new term to its political glossary: "kleptocracy", or rule by a gang of thieves.

These neo-liberal kleptocrats are not puppets on strings; they have become the strongest component in Washington's equations for the Middle East in the wake of its intervention in Iraq. So dependent has the US become on them that it has long since removed the sword of democratisation and political reform from over their heads. They pursue their own agendas and, right now, are working to secure the might of the world's superpower towards the advancement of these agendas, domestically and regionally. And they have their own way of looking at things, which generally involves some unrealistic perception, founded upon smatterings of selective information digested through a maze of prejudice and hand-me- down slogans, of the old Arab order, and upon the media-fed impression that Israel is ready to make peace and the equally propagandistic notion that Arabs had better not let another opportunity slip by.

At some point in the recent past, such concepts as "the battle of Arabism" and the Arab "fight for survival" against Israel have become objects of derision, a kind of adolescent joke among teenagers who have just discovered the signs of puberty and who already show signs of never being able to grow up. The fact is, however, that these were not airy slogans but rather the substance of an actual phase in Arab perception of a peril that is now looming closer than ever. This understanding has eluded those to whom "national liberation" was never more than a slogan, who tout the pragmatism of any settlement with Israel at all, and who blame the Palestinians for holding this up. Regretfully, their reading of reality, their knowledge of Israel as based on this reading, and their total dependence on Israel's good intentions, has only worked to whet Israel's appetite for extorting more. Their take on reality lets them operate on the assumption that the US is prepared to use its influence to get Israel to back down and that Israel is eager to help them save face when needed. It is a take that is certainly not founded on facts, but then facts and information are not this generation's forte. Indeed, I would suggest that the generation of Gamal Abdel-Nasser and the old Baathists were far more informed, far more realistic, and immeasurably less corrupt.

Certain significant Arab quarters are not only happy to be free from US pressures at a time when they are needed to confront opponents to a fictitious peace process; they also relish in the opportunity to lash out at that Arab camp that does not share their assessment of reality and the opinions they espouse accordingly. So their opinion pundits sound the alarm against the "Shia crescent," regardless of the facts and, most likely, indifferent to the truth. Others, at the moment, are taking jabs at Damascus, whose rhetoric about Syria's capabilities and regional role has become a little too much to bear. Syria really must learn its place. It's perfectly okay to want the Golan Heights back, but only so long as Syria neo- liberalises its economy (in the kleptocratic sense, of course). Then they will stand behind Syria, just as they are standing behind the Palestinian leadership after its disengagement from Hamas, and they will help it accomplish both objectives. But if Syria, for a moment, forgets that it has no role to play in Iraq, Lebanon or Palestine, and if it does not transform itself into the type of country that wants to solve its border dispute with Israel, then it will have to be isolated and given a couple of tough lessons. I have no doubt that these quarters are, at this very moment, whispering some very urgent advice into Washington's ear about Syria, just as they had about how to deal with Iraq and how to deal with Arafat.

I would even bet that someone from these quarters volunteered to explain to Condoleezza Rice the story about Syrian-Iranian differences and that she went from there to build a rosy scenario of a complete fall out between the two countries. No doubt too, someone suggested turning off the food, medicine and fuel taps in Gaza, so as to keep Hamas busy supplying Palestinians there with their most essential needs, while showering the West Bank with aid and West Bank leaders with privileges in order to demonstrate the advantages of negotiating over declarations of principle.

But if I were these people, or at least those who listen to them, I would take care. For some reason it always transpires that their analyses, such as they are, are founded on scattered evidence and impressions tailored to suit the hypothesis. And just as Iraq failed to turn into an American satellite and friend of Israel, and just as Hizbullah refused to back down before Israel, so too will such daydreams as the collapse of the Syrian regime turn into fresh nightmares. Nor do I have a shadow of doubt that the only way to avert more nightmares in Lebanon and Palestine is for people there to set their minds on national reconciliation and to resolve their domestic differences.

Wednesday, September 5, 2007

The one clear solution

A workable and just solution in Palestine is predicated on one principle, tested in South Africa: side with racism or be against, writes Azmi Bishara


The world looks different from the southern tip of Africa. There, in that country that liberated itself from a colonialist apartheid regime a decade ago, the people have embarked on a bold venture to build a nation. They have a sophisticated democratic constitution that officially recognises 11 languages within the framework of a multi- ethnic, multi-tribal, multi-religious civil polity founded on the concept of equal citizenship. This constitution embodies different aims and different priorities. It embodies a revolution that has transformed itself into a state, not only by means of the fight until victory but also by means of the arts of negotiation and compromise that made the transition possible.


Some believe that compromise went too far. They say that while the African National Congress (ANC) won the right to rule, it failed to win effective economic and political power. The descendants of the white settlers, indeed the very children of the old order, still control the nation's major companies and the bulk of the media. There are still gross disparities in land ownership and standards of living, and chronic poverty among non-whites. The government is still encumbered by debts from the former regime and it is obliged to abide by all international agreements to which that regime committed itself, including those it signed with Israel.


On the other hand, there is no denying that there is a growing African middle class and that the South Africa is gradually changing in many other ways -- and radically so.


In South Africa, the victims of apartheid had to suffice with the confessions and pleas for forgiveness offered by their oppressors before the Truth and Reconciliation Commission. But those who issued the orders that led to crimes against humanity and those who carried out these orders with excessive zeal did not escape punishment. Still, the commission was the result of a spirit of compromise. In fact, some attempted to take advantage of this spirit and stretch it as far as they could. They held that the violence perpetrated by the ANC resistance should be treated no differently to the violence perpetrated by members of the white regime and, therefore, that ANC officials responsible for actions that led to the death of civilians should be brought to justice. More recently, there was even debate over whether the names of white "victims" should be etched alongside the names of the actual martyrs of the resistance on the liberation monument that would be erected in a large park in Pretoria. Such arguments are clearly indicative of a bid on the part of the remnants of the former regime to exploit the nation's historic breakthrough to re- write history. Their intent is to promote the idea that there had existed some kind of parity between the oppressor and the oppressed and to recast the victims and victimisers as equally empowered parties. To me, nothing could be more guaranteed to keep wounds open and to court losing battles.


The ANC and the apartheid elite struck a comprehensive and long-range deal. But ultimately that deal was founded upon the recognition of the justice of the cause of equality and the rejection of racism. It did not equate the state of liberty with a state of slavery, or the act of oppression with the act of resistance. It did not produce a middle ground between two antithetical rights: the rights of the victim and the rights of the criminal. The deal arose from the momentous and final defeat of the apartheid system, the recognition that its inherent racism and oppression were incontrovertibly evil, and the admission that it was now time for that system to consign itself to history. The deal, moreover, went into the details of how these principles should be put into effect: the steps that were needed, the timeframes of implementation, the costs they would entail and how to bring the past to account. But there was no leniency with that past. Leniency was shown to the people who had served as the tools of the old order and even with some of the people who had been in charge, as long as they were not directly responsible for crimes against humanity. The deal accomplished its objective. It abolished apartheid rule in a way that spared the country massive bloodshed and years of strife. It made it possible for the old order to dissolve itself and for the leaders of that order to relinquish power without fear of revenge against their own persons and against whites in general. This was the spirit of tolerance and magnanimity at work, not some obfuscation between the oppressor and the oppressed or between an unjust regime and the justice of the cause of those who fought to overturn it.


Isn't it amazing that discussions of this sort could arise at a time when the Palestinians and their cause against the colonialist apartheid system in Palestine are in such a tragic plight? While the Palestinians are mired in turmoil and confusion, their friends in South Africa and elsewhere are in a quandary over whether to be more Palestinian than the Palestinians: Should they support Hamas or Fatah? Is it right to boycott Israel when the Palestinian leadership, itself, is busily normalising relations with the Israeli government? One can understand their predicament. However, they should bear in mind that in Palestine this "normalisation" is taking place before any deal has been struck and that whatever deals are in the works do not aim to alter the existing racist order.


That was not the case in South Africa. But this country, which has made the transition from revolution to civil statehood, has the legitimate concerns and obligations of a sovereign state. There, for example, the dictates of political realism propel towards solid relations between South Africa and the US, in spite of the objection of the former to America's belligerency in the Gulf and in spite of the fact that the latter only sided against apartheid at a time when it seemed wise to abandon a sinking ship. To cite another example, South Africa still maintains relations with Israel, in spite of the fact that Pretoria has not renewed any military treaties that had lapsed. In this regard, pro-Israel advocates have seized on the pragmatic spirit to advance a rationale that curiously echoes the arguments of negotiators for the former regime. Not that this should be surprising, since many of Israel's staunchest supporters were members of the former regime. In all events, they hold -- at best -- that the Palestinian-Israeli conflict is a "dispute" between two sides that have equal, if contending, rights to the same land. Accordingly, Pretoria must support the "peace process," encourage "moderates on both sides," and adopt an even- handed position.


I was recently present in such discussions in South Africa. The participants were current leaders, many of whom had been prominent freedom fighters. They ranged from the most ardent proponents of freedom and national liberation to the most ardent pragmatists. But even the staunchest advocates of realpolitik held that South Africa could not remain neutral on the Palestinian-Israeli conflict; that it had to side against the occupation and with the Palestinian right to self- determination. Nevertheless, they added, the only alternative on offer is the peace process aiming at the two-state solution, so this is what South Africa had to deal with. Last week, a prominent ANC leader told me, "long ago we advised the Palestinians not to accept Oslo. As you know, we are not in favour of the ethnic-state solution to problems of this sort. But this was their choice. We, too, did not want anyone from African or other friendly nations to meddle in our affairs." On the other hand, a former resistance hero who is now a top ranking minister admitted, "Israel is an apartheid regime. This is not a foreign policy issue for a country such as South Africa, regardless of the geographical distance."


Of course, if South Africa did not regard the fight against racism as a major component of its contemporary identity, problems could arise among future generations that had never experienced apartheid, or realised that Israel had been that regime's staunchest and last remaining ally. More immediately, the so-called two-state solution that is on the table between the two "sides" is not intended to produce two actual states, but rather to entrench the existing Zionist/apartheid state that was founded at the expense of a dispossessed people and a Palestinian "Bantustan". South Africans know only too well what a Bantustan is. They were semi-autonomous political entities with puppet chieftains, intended to alleviate the apartheid regime's demographic burden.


The two-state solution is not so much the product of one side's reluctance to accept expressions
of solidarity as it is the product of the other side's refusal to permit it. It will not produce a truly sovereign Palestinian state. It is not in the nature of a historic deal that will help the Israelis dismantle the Zionist regime and assimilate into the region as Jews with a recognised identity and equal rights to others. Nor is a bi-national or multi-ethnic secular democratic state (unlike in South Africa, in Palestine national identity needs a voice) on offer as an alternative for the two-state solution that will not produce a real Palestinian state.


So what are friends of the Palestinian people supposed to do if they feel that racism and colonialism are universal moral questions and not foreign or domestic policy issues in this day and age? Here are Israel and the Palestinian Authority on the verge of producing some vague declaration of principles that will offer the Palestinians even less than what Barak proposed in Camp David II. There's a conference in the works that the Americans tentatively called a "meeting" (so as to spare the participants any embarrassment and so as to keep people from pinning too high expectations on what is essentially a PR gambit). But the contours of the outcome of that meeting have been clear for quite a while. They have been shaped by current balances of power. There will be no right of return for Palestinian refugees; East Jerusalem will not be the Palestinian capital; and there will be no dismantlement of all Israeli settlements and no return to pre-June 1967 borders. At the same time, the Zionist regime will remain fully intact and its inherent racism will become a domestic issue.


It seems that it is time to make a choice. Either people can go along with that settlement that
will take endless years to put into effect while Israel milks the opportunity to normalise relations with Arab governments, while anything that could be termed Palestinian unity is reduced to a vestige, while even water and air become issues to be haggled over across the negotiating table and while prisoners of conscience becomes a cause that supersedes the cause they were imprisoned for; or they can come up with an alternative solution, one that lets everyone know what it means to take a stance against the occupation and for national liberation within the framework of a democratic political agenda.


But what does taking such a stance entail? Perhaps it is useful to consider the following. The boycott of the South African apartheid regime proved one of the foremost weapons to bring about its fall. Obviously, it would be difficult to turn this tool against Israel. But it is equally obvious that it takes less than a boycott to frazzle Israel. Israel does not depend on normal relations like South Africa used to; it lives on privileges and prerogatives. The very thought of a boycott makes some Palestinian leaders involved in the business of premature normalisation uncomfortable. They are embarrassed by the decision taken by British university lecturers to boycott Israeli universities, as are those Palestinian institutes that have joint projects with Israeli universities. Obviously, some otherwise very democratically minded Israeli professors are also adverse to the boycott. Nor is their objection necessarily inspired by chauvinistic or even personal professional reasons. However, they do not see that to take a stance against the occupation entails more than a couple of hours in a weekend protest or engaging in discussion circles with Palestinian intellectuals. Taking a stance means being ready to pay a price for this stance. Racism and its expression in the last colonialist question of our times are not domestic policy issues. Although a unified Palestinian strategy would be of considerable importance, as guidance, democratic forces in the world should not have to wait until such a strategy emerges in order to act. Indeed, perhaps by acting they will galvanise the Palestinians into taking the necessary decisions.


The Palestinian people have been torn by the occupation and by the consequences of the occupation. They need a unified national liberation programme opposed to the artifice of the current Palestinian-Israeli negotiating scheme. But this alternative programme must tell the Palestinian people and the world what Hamas truly wants (merely to return to a power-sharing formula with Fatah, for example?) and what Islamic Jihad, the Popular Front for the Liberation of Palestine and a large segment of Fatah want. These forces must assume this responsibility before it is too late, even to the extent of neutralising conflicting ideologies so as to produce a truly democratic national alternative and to emerge as a strong and cohesive political force. Is this not what leadership is all about?

Israeli games again

Ahead of this autumn's projected peace conference, Israeli politicians are stumbling over themselves to set the shrewdest terms for negotiations, writes Azmi Bishara


Once it had ascertained that the Palestinians were solidly split right down the middle, Israel reverted to its old ways. It dug into its all too familiar bag of tricks, lies and sleights of hand while sustaining constant prattle about the need to protect its eternal security and to forefend the threat to its democracy, which entails subjecting the lands and welfare of other peoples to its own domestic squabbling, political party rivalries and media sparring. So, once again, the other side, which had agreed to become the other "party", found itself sucked into worrying about Israel's internal affairs and the call for early elections, the identity conflict between Israeli secularists and religious fanatics, and the national obsession over the soul-wrenching "agony" of having to suppress and subjugate another people. No other oppressed or occupied people in the world have ever been forced into such an unnatural, almost "normalised", concern for the internal concerns of the people who occupied their land and usurped their national rights.


Purely for the sake of some additional food for thought, we add here that the Arab spectator (a term that these days is much more apt in the practical and legal sense than the term "citizen") has recently discovered how rich, diverse and intricate the domestic issues are in Lebanon. This surprise is mixed with wonder at the sheer numbers of Lebanese who have something to say and no small admiration for how eloquently they can go on saying it. But the spectator has simultaneously discovered that, as far as Lebanon is concerned, this diversity and these quantities of speakers and words indicate that the strings controlling Lebanon's fate are being pulled from abroad. This realisation places delight at discovering the outstanding talents of the Lebanese in another context: Israeli diversity ultimately works to draw outside powers (with the possible exception of the US) into Israel's internal affairs whereas Lebanese diversity serves to render Lebanon malleable to deals between outside powers. The contrast is striking.


In all events, in the midst of negotiations aiming to hammer together some type of consensus preparatory to the "international peace meeting" this autumn (some kind of declaration of principles, for example, to be followed by Palestinian elections that will be portrayed as a Palestinian stamp of approval on this "internationally" supported declaration of principles), and even as Israelis relentlessly attempt to "persuade" the Palestinian people of the advantages of "moderation", Barak made a sudden appearance in a Yediot Aharonot interview. Without a word of forewarning, he proclaimed that Israel would not withdraw from the West Bank before another five years because it would take at least that long to ensure that precautions are in place to fend off Qassam missiles from the West Bank after withdrawal.


But it is not the substance of this curious intervention that is important -- if anyone still believes that Israel will withdraw from the West Bank within the next five years they have only themselves to blame. When Barak called up Rice to assuage her anger at what she took as a deliberate bid to undermine the Olmert-Abbas game, he did not retract his statement, but he did reassure her of his support for the negotiations and for what he termed "the political horizon", which is another word for the "peace process". Both are from that well-known Barakian lexicon that harks back to his heyday in Camp David II. It takes someone who knows the ins and outs of politics in that country to realise that this is not about political horizons but political shenanigans. Barak is furious at Olmert for not trusting him and including him in the decision- making and negotiating processes. It is not just in children's playgrounds that the ultimatum, "If I can't play, you can't play," applies. At the same time, Barak is anticipating Olmert's resignation (or forced resignation if he resists) following the release of the final Winograd report on the war in Lebanon, which may explicitly ask for the prime minister's resignation and which would bring the date of elections forward. So Barak is not just lashing out at Olmert; he is also one-upping Netanyahu, his foremost rival in those elections. Fighting with the right, in Israel, calls into play another set of rules to those that apply to rivalries within the Labour Party itself. Also, in preparation for those elections, Barak is eager to rectify the commonly held impression about him as the author of unilateral withdrawal, as applied in Lebanon in 2000 (unconditional withdrawal, in other words, in the face of an obdurate Lebanese resistance and following his failure in negotiations with Syria, which, had they succeeded, would have purportedly given Israel an honourable exit strategy within the framework of a peace agreement). So this is what Barak's statement about Israel not being able to withdraw from the West Bank for another five years was about.


In reality, the Palestinian negotiator, now "disengaged" from Gaza and Hamas, is pawn to these and other ugly Israeli games. And he hasn't received anything in return; Israel has him in its grips with no other Arabs to worry about. It is a very patient player: it will wring every last drop of advantage it can from his delight at having been rewarded with this long sought after "partnership", and his eagerness to vaunt and display the sprinklings of Israeli "magnanimity". How else can one interpret Tzipi Livni's recent announcement ( Haaretz, 15 August) that Israel has linked progress in negotiations with normalisation with the Arab world? Israel has taken Palestinian negotiators hostage and is now blackmailing Arab capitals.


Meanwhile, the eternally young 80-year-old Shimon Peres, who has just embarked on a bright and promising future as president, has not let down people's hopes and expectations. He has come up with some great ideas. We will hear more of these, from his official residence in Talibiya, that elegant quarter in West Jerusalem occupied in 1948 (will Arab delegations recall this as they pass by the historic Arab homes that now house the Israeli upper class on their way to pay homage at court?). Peres is in favour of returning 100 per cent of the West Bank to the Palestinians, on condition that the Palestinians make up for this by relinquishing all claim to East Jerusalem, its immediate surroundings and outlying settlements, that will be annexed to Israel. This is probably just for starters, but what he's getting at is a "land exchange" across the length of the Green Line, which is densely populated by Arabs.


As usual, some Arabs have hailed his idea as a historic opportunity that should not be allowed to slip by. I propose a simpler course: to admit the truth. The truth is that the occupied territories are not real estate open to haggling over the square footage and price, and that the question of Jerusalem, above all, is not one that can be resolved through bartering and tradeoffs. The fact is that Israel must accept the 1949 truce lines and withdraw to pre-June 1967 borders, no more, no less. These principles do not need arguments to back them up so much as strong negotiating resolve.


As for the Palestinians inside Israel, many fear that this talk of a land exchange across the Green Line may be specifically designed for them, and they have voiced tentative and vague objections to the Peres plan. In Israel, this position has been interpreted as an indication of the desire of those Arabs to hold on to Israeli citizenship, with those who reached this conclusion betraying no small degree of smugness. After all, why else would those Arabs object to becoming part of a Palestinian state, especially when that transformation comes complete with the transfer of their villages, full Palestinian sovereignty over that land, and Palestinian citizenship rights? So they argue. But it could equally be pointed out that these Palestinians had never had a choice in the matter. Israeli citizenship had been forced upon them. Has the situation suddenly changed? The fact that some Arabs have opposed the Peres suggestion suggests that it has not, and that this stance is, in fact, a protest in favour of individual choice.


But there is more. Those Arab villages were never statelets annexable by this country or that. They were part of a larger stretch of Palestinian land, most of which Israel confiscated and the minimum amount of which it plans to return in exchange for probably yet a larger stretch of land. Still, something else reeks; and it was when Lieberman rejoiced at how easily the idea was accepted in Israeli public opinion that one could identify the stench. Lieberman has long advocated a "package deal" with the Palestinians that would enable Israel to get rid of the largest possible number of Arabs inside Israel. Now there appears to be a virtual unanimity over this type of solution -- even the Israeli left had no moral problem with population transfer as long as it included their land.


Clearly, Arabs inside Israel should stick to their position. However, this position needs to be clarified and it needs to be formulated in such a way as not to compromise both national identity and individual citizen rights. I propose the following as a reasonable and workable stance.


First, Israel must make a choice. Either it transfers Jericho and the entire triangle to the Palestinian state in accordance with the boundaries defined in the 1947 Partition Plan or it does not transfer anyone. In other words, it has to choose between holding on to post-June 1967 boundaries and continuing to have to sustain the costs of suppressing resistance against Zionism and the fight for freedom and equality, or accepting pre-1967 borders. Second, the transfer of only a portion of Palestinians and their land serves neither their cause nor the cause of the Palestinians as a whole. Indeed, accepting such an exchange vindicates the logic behind compromise on other major issues, of which Jerusalem is just one. Third, it places a big question mark over the fate of Palestinians remaining inside Israel. As Israel defines itself, they can never be fully equal citizens, even though they will be profiled as citizens who chose Israel over their national identity. At the same time, their loyalty to the state will always be suspect and unless they prove themselves "worthy" they will remain vulnerable to the threat of transfer, or to such "solutions" as granting them one set of civil rights applicable to their place of residence and another set of civil rights, such as the right to vote in Palestine, applicable to their national identity. There is no end to the litany of mad ideas that could arise once the precedent of treating the predicament of Palestinians in Israel piecemeal has been set. Therefore, any notion of parcelling out the fate of this minority that makes up 20 per cent of the population of Israel should be rejected out of hand.

حديث الدكتور عزمي بشارة مع اذاعة الشمس نصا

تسجيل إذاعة الشمس مع الشكر
أجرى اللقاء جاكي خوري
13/04/2007 12:30

عرب 48




إذاعة الشمس: دعنا نسأل عن صحة النائب عزمي بشارة وما هي آخر أخبار النائب عزمي بشارة بشكل شخصي نسأل هذه المرة







د.بشارة: الحقيقة الأخبار حسنة وجيدة سوى ما أسمعه في البلاد من هستيريا، فيما عدا ذلك أنا قمت بالبرنامج كالمعتاد. كان مخطط سلفاً ومعروفاً.. ذهبت للمشاركة في محاضرة لرابطة الكتاب الأردنيين، ثم إلى تغطية القمة العربية من الجزيرة، ثم المنتدى، ثم التقيت مع عائلتي لأنه كانت عطلة عيد الفصح. في النهاية قمت ببعض الفحوصات الطبية لأنه "مش جو فحوصات في البلد عالهستيريا الموجودة".. وأكملت برنامجي المخطط.



الآن لدي بعض الأمور مثل منتدى المؤتمر القومي العربي، وأقوم بالتفكير بما يجري، لأني فوجئت من حجم الحملة الصاعق التي تمت بغيابي.. "من وراء ظهري" بهذا الشكل الغادر الماكر، ولذلك أفكر بالموضوع، أريد أياماً من الهدوء للتفكير بما يجري، وخاصة أن الإعلام الإسرائيلي لا ينفك يتصل إلى كل مكان.. وأنا لست في مزاج لمقابلة الإعلام الإسرائيلي في هذه المرحلة، ولذلك فهذه الأيام للتفكير. بعد يومين أعتقد سأصل لعمل في قطر ثم أتجه إلى البحرين للمؤتمر القومي العربي.. وهكذا.. هنالك بعض الأمور التي يجب أن أرتبها قبل أن أقرر في الأيام القادمة.



* نعم.. ولكن نحن نعلم أن هنالك أيضا أموراً قضائية يمكن أن نسميها، أو إجراءات قضائية تمنعنا نحن كوسيلة إعلام وربما أيضاً تحدد من إمكانية الحديث في مجمل القضايا المتعلقة بهذه القضية الكبيرة، والتي يتناولها الإعلام منذ أسبوع وتحدثت عن هستيريا، ولا يمكن لأحد أن ينكر ذلك.. السؤال وقبل أن نخوض في التفاصيل هنالك من يسأل "لماذا صمت عزمي بشارة كل هذا الأسبوع؟".. ونحن نعرف أن رئيس التجمع الوطني الديمقراطي لا يتردد في الرد وهو دائماً يملك الأجوبة.. لماذا هذا الصمت ولماذا هذه محاولة الابتعاد عن الأنظار إذا أمكن أن نسميها؟؟.



د.بشارة: لا أبداً.. الحقيقة كنت في الأنظار أكثر من اللزوم.. في بداية جولتي كنت حوالي 4 أيام متواصلة على التلفزيون، أتحدث عن قضايا أخرى باستمرار.. وأنت نفسك أجبت على السؤال عندما قلت أن هنالك قضية تحقيق جار ممنوع الحديث عنها، فعما أتقابل؟ ما معنى المقابلة إذا كنت لا أستطيع أن أتطرق إلى التهم، وقد تعهدت بذلك للمحققين؟ ولكن أستطيع الآن أن أقول الآن بعد كل هذه التسريبات التي تمت.. "أنت مربّط ممنوع عن الكلام ولكن التسريبات مسموحة بهذا الشكل الذي سار".. أستطيع أن أقول لك، حتى أصور لك الموضوع بالضبط دون أن نخرق أمر منع النشر، التهم ذات طابع أمني وخطير وواضح من حملة الإعلام ماذا يبيتون.. الآن.. هم فشلوا في الماضي بتلفيق تهم جنائية من نوع التحريض على العنف.. فشلوا في التهم الدستورية من نوع دولة لجميع مواطنيها وعدم الإعتراف بيهودية الدولة، وجاء دور التهم الأمنية بالتفسير الإسرائيلي للأمن. إذا كنت تذكر آخر محكمة لقيادي عربي في الداخل كانت للشيخ رائد صلاح طبعاً بسبب مواقفه وبسبب الحركة الإسلامية وعدائهم للحركة الإسلامية، ولكن التهمة التي وجهت مباشرة للشيخ رائد صلاح كانت تبييض أموال وخرق قانون تمويل الإرهاب، أو شيء من هذا النوع.. في النهاية حكم 30 شهراً على تبييض أموال واتصال بعميل أجنبي.. في حالة عزمي بشارة الطابع الأمني أكبر بكثير والموضوع المالي أقل بكثير.. بمعنى الآن بإمكاننا التلميح أكثر.. هذا ما أستطيع قوله، ولكن التهم خطيرة ونحن أنكرناها جملة وتفصيلاً.. وليس منصفاً أن أقوم بمقابلات للإعلام ولا أستطيع أن أتحدث عن طبيعة التهم الموجهة، لذلك لم أفهم هذا الحجم في الإهتمام الإعلامي بقضية لا يستطيعون الحديث عنها، ولم أفهم ما معنى أن أرد كل يوم على إشاعة جديدة أو على تهمة جديدة أو على اتهام جديد يصدره الإسرائيلي.. وأنت تعرف أنه من عام 2000 هنالك كسر حقيقي بيننا وبين الإعلام الإسرائيلي.. أنا أتعرض لتحريض في الإعلام الإسرائيلي من عام 2000 لم ينصفونا، ولا حتى بقانون شلل الأطفال ما أنصفونا.. يعني من عام 2000 هنالك عملية تحريض وتعبئة مستمرة ضد القيادات الوطنية عند عرب الداخل، خاصة التي شبت عن الطوق وكسرت مسألة يهودية الدولة وصهيونية الدولة، والطابع القومي للعرب في إسرائيل والرغبة في إدارة شؤوننا الذاتية وكل هذا الطروحات التي طرحت .......... وأخيراً موقفنا إبان الحرب على لبنان وتضامننا مع الشعب اللبناني ضد العدوان عليه.



* لكي نوضح هذه النقطة د. عزمي يعني أنت موقفك بعدم التحدث إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية العبرية تحديداً أنت تقول هو ليس فقط بسبب وجود منع قضائي معين إنما أيضاً هو لوجود موقف سياسي حتى.



د.بشارة: الإعلام الإسرائيلي، مع احترامي لبعض الاستثناءات طبعاً دائماً هنالك استثناءات، الإعلام الإسرائيلي يتعامل معنا كعدو.. يعني مرة يثيرون إشاعات مرة هجوم ولكن ولا مرة إنصاف.. خذ مثلاً أخيراً عندما قلت أريد أن أتفرغ للأدب والفكر فقط بالأمس، وترجموها عن "كل العرب".. ماذا ترجموا كلمة فكر؟ ترجموها "ميديتاتسيا" (تأمل) يعني حتى يرفضون قضية أن يعرضوا ما يقال عربياً أن هذا الرجل ينتج إنتاجاً فكرياً أهم من كل إنتاجهم الفكري بجامعاتهم.. أو ينتج إنتاجاً أدبياً. هل رأيت مرة مراجعة جدية لإنتاجي الأدبي أو الفكري في إسرائيل بما فيها أهم الكتب بالجامعات عن إسرائيل ذاتها.. يعني هنالك شيء من عدم الرغبة بالتعامل بندية مع رجل يرفض أن يكون أقل ديمقراطية منهم. أنا ديمقراطي ليبرالي تقدمي يساري أكثر منهم... يرفضون من يشذ عن نظام الوصاية.. لا بد من جوقة التحريض من أناس صغار وعنصريين. أتريد مني أن أرد على عنصر صغير من نوع بن درور يميني، عنصري صغير، أصلاً لا يقرأ ولا يفقه إذا قرأ ما أكتب.. لذلك لن أستطيع، يعني محاولة تصغيرنا إلى حجم أن نثبت براءتنا لأناس نعتبرهم مجرمين، نحن كبرنا على ذلك سناً ومنزلة.. يعني لا أستطيع باستمرار أن أبرر نفسي أمام الإسرائيليين.. أنا أحتقر هذه العملية.. يعني بدأت أكبر على قواعد اللعبة هذه، لا أريدها، أشعر بالذل إذا بدأت أبرر نفسي وأشرح نفسي لصحفي إسرائيلي صغير، أنا أشعر بالذل من هذا، يعني هذه اللعبة يجب أن لا تقبلوها لنا، أنتم من تعرفوننا عن قرب يجب ألا تقبلوا لنا أن نصغر إلى درجة أن نجيب على كل واحد تافه بالصحافة الإسرائيلية أو مخبر عربي يشتغل عندهم، نحن كبرنا على هذا.. الحقيقة.



* لكن الإعلام الإسرائيلي الآن على جنب، هنالك جمهور ينتظر ويريد أن يعرف ما يحدث مع النائب عزمي بشارة بطبيعة الحال كل أعضاء الكنيست من التجمع، تحدثوا كثيراً عن الموضوع هذا الأسبوع ولكن الناس تريد أن تعرف من عزمي بشارة وبشكل شخصي عن مخططات مستقبلية، كيف تؤثر هذه القضية على مستقبل عزمي بشارة برأيه السياسي وحتى بكل ما يتعلق إن كان بنشاطه البرلماني وكل ما يتعلق بقضاياه الشخصية وحتى من يتحدث عن العودة إلى البلاد.



د.بشارة: هذه كمقابلات النجوم ماذا تحب وماذا تكره...... الحقيقة عزيزي أنظر أنا اشتغلت كفاية في البرلمان ومن سنتين أو سنة ونصف كل التجمع بعرف وكل المقربين وأهل بلدي "بيعرفوا" وحتى في اجتماعات عامة قلت أن هذه آخر دورة لي لأني أعتقد سيحتاج الأمر إلى تقييم فيما بعد ولكن من 1996 لليوم قدمت، راجع سنة سنة، قدمت تجربة برلمانية باعتقادي كثيفة وغيرت الكثير في الخطاب السياسي بطريقة تعاملهم معنا، واضطرارهم لاحترامنا.. أيضاً حجم القضايا اليومية والمعالجات التي عالجناها.. فقط في الشهور الأخيرة زرت 23 قرية، أنا أعتقد أنه برلمانياً استنفذت الأدوات البرلمانية، خاصة أنك تتحدث عن شخص من الواضح أنه ليس وارداً ن يدخل ائتلافات حكومية، وأنه في المعارضة ومستمر في المعارضة، أكثر مما فعلته (أنا أشعر) أنه في جيلي وفي قدراتي لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك في البرلمان، وأريد أن أتيح فرصة لآخرين، هذا كان قراري، قدمت استقالتي رسمياً للحزب في أيلول الماضي. لو كنت استقلت مباشرة مثلما كنت مقرراً مباشرة بعد قانون شلل الأطفال لاعتقلوني بالليل، وأحضروني للتحقيق مثلما اعتقلوا الشيخ رائد وغيره.. لكنت الآن معتقل حتى نهاية التحقيق بحسب حجم التهم.. لذلك بالعكس ما جرى دعاني إلى تأجيل التفكير بالإستقالة ولكن قرار الإستقالة لن أغيره.



أصلاً.. الآن طريقة تعاملهم معي؛ تصوير عائلتي وتصوير بيتي ونشر العنوان بالصحف فيه نوع من التحريض على التصفية، هذا يعيد النظر عندي في إن تكون منصب نائب، وماذا تعني لعبة نائب الآن في البلاد؟ وهل أريد أصلاً قواعد اللعبة هذه؟ وهل أريد حصانتهم؟ وأضحك على نفسي وأقول أن الحصانة موجودة.. كي يركب صغار السياسيين على الموضوع من اليسار واليمين ويحرضون؟؟. لذلك كل هذه المواضيع أنا أفكر بها في هذه الأيام طريقة العمل، ماذا فعلنا.. أنا أريد أيضاً أن أتيح مجال لآخرين.. نحن أقمنا مؤسسات وحزب هذه الحزب مستمر، فقط بالأمس بشرني إخوة من الحزب أنهم أنهوا جمع 7000 توقيع، هذا أمر شبه مستحيل من أعضاء الهستدروت ليفرضوا انتخابات هستدروت، هذا حزب موجود ويعمل وله مؤسساته، كل هذا في غيابي.



طبعاً هنالك إخوة كثيرون يقولون أنه كم بقي من العمر.. يجب أن تفرغ وقتاً أكثر للعمل الفكري والأدبي.. في إقامة الأحزاب وفي بناء الحزب وفي بناء الصحف وفي بناء المؤسسات وفي الذهاب إلى البرلمان، أنا أعتقد أني أعطيت ما علي.. عادة الذي يستقيل يمدحوه الناس.. الحقيقة أنه اليوم لا يوجد نواب عرب أو يهود يستقيلون لا أحد يستقيل، أن تستقيل وتفرد مكاناً للآخرين.. أما أن أتحول.. أن أضطر، نتيجة لما يجري أن أجيب على "لماذا تستقيل" كأني في حالة دفاع، فهذا غير مقبول...



نحن نفكر الآن في هذه الموضوعات سوية مع الإخوان جميعاً.. نتبادل الرسائل بهذا الشأن نفكر بهذا، أشاور إخوة مقربين لي أيضاً في الوطن العربي لأني أعتقد أن ساحة عملي وحلبة عملي تقتصر فقط على الداخل.. وأنا أعتقد أني هنا ساهمت كثيراً أيضاً في تغيير صورة عرب الداخل في الخارج.. وهذا أمر كان مساهمة كبيرة أيضاً للعرب في الداخل.. ساحة عملنا أوسع قليلاً، دعوني أفكر وأستشير الإخوان بهدوء. و(لاحقين).. على قواعد اللعبة التي يريدون أن يفرضوها علينا بهذا الشكل الذي يفرضوه.



أنا في الحقيقة سئمت وكبرت أيضا على إثبات براءتي كل الوقت لأناس لا أعتبرهم بريئين.. منذ عام 2000 مرة يجب أن تثبت براءتك أنك لم تحرض على الإرهاب، مرة عليك إثبات براءتك أنك لست ضد يهودية الدولة، وإذا أثبت براءتك يهاجمك عملاؤهم.. (إيه هياته طلع مش يهودية الدولة) يعني لعبة مزدوجة قذرة مرة عليك الإثبات لعملاء إسرائيل أنك لست بريئاً، وعليك أن تثبت لإسرائيل أنك بريء.. لعبة قذرة ومزدوجة، الحقيقة دعوني أفكر بهذا الموضوع.. ولكن، أنت رأيت أنه طبعاً لا أستطيع بهذه الظروف والضغط النفسي أن أتابع كتابة الكتب التي بدأت بها وهي كتاب من جزأين ولكن مقالي الأسبوعي أو مقالاتي الأسبوعية أستمر بكتابتها وها أنا عندما لزم عملت مقابلة مع التقدير لكم.. ولكن لم أر في السابق مادة سوى الرد على إشاعات هنا وهناك، وأنت لا تقدر الحديث بشكل جدي عن طبيعة التهم.. الآن آن الأوان بعد أن أشبعونا كلاما بوسائل الإعلام، آن الأوان أن نرد بمقابلة، وأنا اخترت براديو الشمس وليس بقناة عربية كبيرة لأني أريد أن أتحدث أولاً وقبل كل شيء إلى جمهورنا المحلي .. وهو قاعدتي وهو الأساسي.



* المحكمة يوم الأحد، محكمة الصلح في "بيتاح تكفا" ستناقش طلب تقدم به حتى التجمع كحزب وصحيفة فصل المقال بالإضافة إلى صحف أخرى بإزالة أمر منع النشر.. هل إذا كان هنالك قرار عملياً بإزالة منع النشر هل هذا يعني أن النائب عزمي بشارة سيتحدث بإسهاب وربما هنالك من ذكر من خلال التلفزيون ولكن لنتحدث بشكل مباشر إلى الجمهور.



د.بشارة: طبعاً، إذا رفعوا، طبعاً.. لن نكون سعيدين لأني أعرف طبيعة التهم، وأنا أعرف كم هي خطيرة.. ولكن على الأقل تستطيع أن تجيب مباشرة عليها.. ولو كنت أنا أريد أن أكسب شعبية رخيصة في الخارج.. فقط شعبية في الخارج، دون أن أهتم بمصير التجمع وعرب الداخل إلى آخره، ماذا كان سيكون تصرفي الطبيعي... أن أفاخر بهذه التهم لأنها تكسبك شعبية كبيرة عربياً، ولكن ما أفعله هو تصرف مسؤول.. أولاً التزمت أن لا أتكلم، ولن أتكلم.. هم الذين سربوا للصحافة، ثانياً عندما تصدر هذه التهم سأكرر إنكاري لها جملة وتفصيلاً ولكن على الأقل سأستطيع أن أجيب عليها واحدة واحدة.



* على بعض الأسئلة لا بد أن أشير أنه تلقينا في الإذاعة خلال الأيام الأخيرة العديد من التساؤلات حتى من قبل المواطنين، حتى مثلاً المسؤولين عن الإعلام في التجمع في هذه المرحلة نسأل أين يتواجد الدكتور عزمي بشارة دائماً الأجوبة غير واضحة، هل هنالك سبب معين لعدم نشر هذه التفاصيل وما يقف وراء ذلك دكتور.



د.بشارة: أنا أعرف أنك والإخوان في راديو الشمس قريبين جداً من الإعلام الإسرائيلي.. تخيل أن أقول لك الآن أين أنا و"شوف" كمية الإتصالات التي ستنهال علي.. لن أستطيع أن أفعل شيئا.. أريد بعض الخصوصية من الإعلام، هذا كل شيء.. أنا أتصل بمبادرتي عندما أريد... الآن أريد بعض الخصوصية، فيما في الفترة السابقة ما قبل "تفجر هذه الحملة علي كنت موجود ومعروف أين".. موجود وبناءً على برنامج.. ولم يكن أصلاً مطلوباً أن يعرف أين.. ولم يسأل أحد، عندما كنت أغطي القمة العربية أو المنتدى، أين أنت.. الكل كان يعرف والكل كان يعرف أني أقضي عطلة عيد الفصح في عمان، ومؤخراً سرب أيضا، وهذه قضيتي الخاصة، أني عملت بعض الفحوصات في إحدى مستشفيات عمان، فحوصاتي دورية أنا رجل لدي كلية مزروعة وهذا معروف.. ثم بدأت الحملة، وأنا لست مستباحاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية.. كل بلد وكل صبية تتصل وتسأل أسئلة.. لست مستباحاً بهذا الشكل، ولذلك فضلت في هذه الفترة الخصوصية لنفكر ونتشاور نحن والناس بدون ضغط.. هذا كل شيء.. الآن وعندما اعتقدت أنه آن الأوان للتصريح صرحت، ولكن انتبه لمن.. للإعلام العربي المحلي لأنه هذا جمهوري.. ستسمع فيما بعد أموراً للإعلام العربي بشكل عام.. ولكن نبدأ هنا كما يجب أن يبدأ وبالتزام بأمر منع النشر، لأني لا أريد أنا أبادر إلى خرقه مع أنه لو أردت تبعات أخرى وشعبية أخرى لبادرت أنا بخرقه، ولكبرت حتى من حجم التهم لأكسب شعبية في أماكن أخرى.



* تحدثت أنك الآن في مرحلة تفكير ودراسة كل ما يحدث السؤال يسأل وأنا أعرف أن هذا السؤال قد يزعج متى سنرى الدكتور عزمي بشارة بيننا هنا في البلاد.



د.بشارة: ستسمع قريباً.. الحقيقة أنا أفكر الآن في الموضوع بكل قواعد اللعبة التي يحاولون الآن فرضها علي، حجم التهم وماهيتها وماذا يريدون.. هل يمكن إدارة قواعد اللعبة مثل المرة الماضية في مسألة يهودية الدولة أو حرية التعبير.. أم أن هذه الآن قواعد لعبة جديدة مختلفة تماماً.. عندما ستسمع التهم ستعرف أنها قواعد لعبة جديدة تماماً مختلفة لا يتميز فيها القضاء الإسرائيلي بالحياد في مثل هذه الحالات.. لا أعلم، أنا أبحث الآن الموضوع وستسمع قريباً ما هي خطواتي المقبلة هذا هو التوجه العام. أفضل أن لا يضغط بهذا الشكل لكي أفكر بشكل منظم حول الموضوع أنا فعلاً أدرسه من كل جوانبه ما هي تبعاته والى آخره ولم تتغير قراراتي حتى الآن.. سأرى ماذا سيحدث..



* هنالك الكثير من العناوين التي طرحت مؤخراً بما في ذلك حتى في وسائل الإعلام العربية وأيضاً الإسرائيلية بدون شك حول مستقبل النائب عزمي بشارة هنالك من تحدث عن لجوء سياسي في قطر هنالك من تحدث عن جولات في العالم



د.بشارة: أرأيت أنا أتجنب المقابلات لهذا السبب، يخترعون، وعليك الإجابة على الاختراعات. أنظر لو اختار عزمي بشارة العالم السياسي الأرحم في العالم العربي لاخترت وكانت كل المجالات متاحة أمامي بما فيها مؤسسات كبرى جداً تعرض علي عمل ومجال العمل السياسي أوسع وأيضاً للإنتاج الأدبي والفكري.. وأصلاً من ناحية المستوى القيادي لعرب الداخل.. هل هنالك أكثر نطمح إليه، هل لدينا حكومة ماذا لدينا أن نطمح سياسياً.. هذه ليست المسألة.. أنا أسست مشروع، أو ساهمت مع إخوة أحبهم كثيراً في بناء هذا المشروع، وهم موجودون الآن ويتابعون، ومسؤول عنه في كل خطوة.. ولكن يعني أن يثار "لاجئ سياسي".. هل سأختار اللجوء السياسي ومعروض علي أشياء أكبر بكثير.. هذا كلام لا أساس له.. عندما خرجت من البلاد، خرجت ببرنامج منظم.. وفي أثناء وجودي خارج البلاد فوجئت من حجم الحملة.. فوجئت وصعقت من حجم الحملة وما هو الهدف منها ولماذا تتم بهذا الشكل، في حين أنا أعرف أنه حقق معي وعلى ماذا حقق معي، وقمت ببناء برنامج على أساس أنا نائب ولم تنزع مني الحصانة بعد وأستطيع أن أتحرك. وقمت بإتمام برنامجي لأن كل الأشهر الماضية لم أسافر فيها مرة واحدة إلى خارج البلاد، راكمت كثيراً في فترة التي هي عطلة برلمانية، نحن الآن في عطلة برلمانية للأسبوع الأول من أيار وأستطيع أن أستغلها دون حساب طويل لإتمام برامجي وللتفكير.. أنا لا أقول سأنهي كل الكتب التي فكرت... ولكن لا أريد أن أكون مضغوطاً في التفكير حول هذا الموضوع.



* تحدثت في خلال جوابك أنه عرض عليك أمور أكبر بكثير، هل يمكن أن نعرف شيئاً منها





د. بشارة: حين يحين الوقت.. أصلا عربياً أثيرت إشاعات حول هذا، أقصد إشاعات بالمعنى الإيجابي للكلمة، يوجد مؤسسات كبرى في العالم العربي عرضت أكثر من عرض وأنتم تعرفون إمكانياتي وما هو وضعي العربي لذلك لا أمنن أحداً في الحقيقة.. لا بالتضحية ولا بغيره..



* أنت تقول أن كل قضية الإستقالة كانت واردة وأنت أيضا صرحت بهذا الموضوع قبل أشهر عبر أثير إذاعة الشمس وليس بالأمر الجديد، ولكن في أعقاب التطورات الأخيرة أنت تقول أن هذا الموضوع الآن قيد الدراسة والبحث، يعني لا تتخوف أن يقولوا الآن أن عزمي بشارة يستغل الحصانة من أجل كل ما يحدث مثلاً ويربط الإستقالة فقط بسبب الدافع الأمني أو الجنائي الموجود؟









د. بشارة: أنت ترى.. إذا استقلت (سيقولون).. استقال لأنه لا يريد أن يواجه، وإذا لم يستقيل (سيقولون) لم تستقيل لأنك لا تريد نزع الحصانة.. هناك خصوم من نوع "شو ما عملت راح يهاجموك" إذا جلست في السجن وإن اغتالوك سيقولون شخص غير مسؤول أدت ممارساته إلى اغتياله.. يوجد أناس هذا هدفهم.. أنت لا تستطيع أن ترضي كل الناس خاصة إذا لم تكن نواياهم بريئة. تستطيع أن تقنع ذوي النوايا البريئة بالحجة، ولن تقنع ذوي النوايا غير البريئة لو قدمت لهم كل حجج الدنيا.. كيف تقنع عميل سلطة بوطنيتك وهو عميل سلطة.. بماذا يجب أن تقنعه وهكذا.. هناك أمور لا أريد أن أدخل فيها.. الحقيقة بالضبط لهذا السبب الذي تقوله نحن نفكر.. يعني لو استقلت لاعتقلوني وانتهى الموضوع إلى نهاية التحقيق لأنه هكذا طبيعة التهم.. إذا ما استقلت، بتهم من هذا النوع وبالطريقة التي اخترقوا فيها حالة عزمي بشارة بهذا الشكل السافر في الإعلام الإسرائيلي، ستخدع نفسك لتقول أنت نائب لإعطاء عدد من النواب في الكنيست للبحث في حصانتك وبناء شعبية على مسألة حصانتك.. هل أريد أن أتيح لهم الفرصة وأنا أعرف أنه في النهاية سترفع حصانتي؟ إذاً لماذا ألعب هذه اللعبة؟ ما الجدوى من لعب هذه اللعبة؟



هذا النوع من الأفكار يفكر فيها السياسي الذي لم يفقد ضميره ولا أخلاقه ولا مشاعره ولذلك أفكر بهذه المواضيع… والآن سمع الجمهور بشكل عال بماذا أفكر في هذه الأيام



* هنالك من يتحدث عن التجمع الوطني الديمقراطي ما بعد عزمي بشارة سؤال وطبعاً الاجتهادات كثيرة والمقالات عديدة ومتعددة سيبقى تجمع لن يكون تجمع التجمع هو تجمع والتجمع هو عزمي ماذا تقول أولاً للتجمعيين والمواطنين العرب في هذا الموضوع.



د.بشارة: الحركة الوطنية كانت قبل عزمي بشارة، وستبقى بعد عزمي بشارة، كانت بأشكال مختلفة.. شكل التجمع وأنا ساهمت في تأسيسه، والآن له أبناء وله قيادة أعتز بها.. جمال زحالقة وواصل طه، وإذا استقلت يدخل سعيد نفاع من أرفع النواب والقيادات المخلصة.. حنين زعبي نعرفها، رياض أنيس تعرفونه جميعاً، مصطفى طه… يعني لا أريد أن أعدد الأسماء قيادات التجمع، المكتب السياسي، عوض عبد الفتاح، أناس كانوا وطنيين قبل أن ننشئ التجمع، وكانوا موجودين قبل أن ننشئ التجمع، ليس فقط في التجمع..... الآن أجيال تربت في التجمع.



الآن هذا السؤال سيواجه التجمع.. لنفترض ولا أريد أن أقول لا سمح الله أريد أن أقول بمشيئة الله حدث مع عزمي بشارة حادث طرق.. لي أصدقاء أعزاء جداً توفوا هذا العام وجعلوني أفكر وجودياً في هذا الموضوع، وفي جيلي توفوا، والموت حق في النهاية، التجمع سيواجه هذا السؤال عاجلاً أم آجلاً، التجمع باعتقادي قادر.. أسسنا مؤسسات أسسنا قدرة، التجمع في النهاية قادر على الإستمرار، المسألة ليست استقالة، ولا فضيحة أو غيره، أنا لدي "صديقين مقربين" توفوا هذا العام أحدهم، أصغر مني قليلاً والثاني أكبر مني قليلاً، لماذا لا يحصل لنا جميعاً هذا حق.. وفي النهاية إذا حصل سنواجه هذا.. ولذلك استقالتي لا تثير سؤالا حول مصير التجمع.. التجمع يجب أن يثير سؤالاً حول كيف يستمر العمل بتوطيد وتقوية المؤسسات، وأن كل الناس الذين على الهوامش في ظروف التحدي، الآن هو الوقت للتحدي والتصدي والإنضمام.. وأنا أوجه تحيتي ليس فقط للتجمع لكل القوى الوطنية العربية والأحزاب التي تقف الآن ضد هذه الهجمة مع إخواني في التجمع.



* دور الأحزاب العربية وأنت تتابع عن كثب ونحن نعلم ذلك، أي ما تسمعه وما تقرأه ربما كيف ترى دور باقي النواب العرب حيال هذه القضية وفي هذه المرحلة قبل أن تأتي العاصفة الكبرى خلال أيام؟



د.بشارة: إن شاء الله أنا كلي ثقة أنهم يدركون حجم الموقف وطبيعة التهم ولماذا توجه هذه التهم في هذه الفترة لقيادات ورموز من الحركة الوطنية إن كان في الحركة الإسلامية وإن كان في التجمع الوطني الديمقراطي أو آخرين.. يريدون تحجيم العمل السياسي في الوسط العربي وتقزيمه، ثارت ثائرتهم مؤخراً، انتشار الخطاب السياسي الذي يدعو انه في هذه البلاد هنالك قوميتان وليست قومية واحدة، وأثار ثائرتهم مسألة المواطنة والتركيز عليها بهذا الشكل بمعنى تناقضها مع الفكر الصهيوني، وليس اندماجها في الفكر الصهيوني، هذا كله أثار ثائرتهم، موقفنا المتحدي المتصدي في التعاطف مع الشعب اللبناني أثناء الحرب على لبنان.. رفضنا اعتبار أعداء إسرائيل هم أعداؤنا، هنالك نوع من العمل السياسي والخطاب السياسي الذي انتشر وهذا يغضب الجميع الآن.



الأحزاب العربية تعلم أنه إذا ضرب، طبعاً ربما بعض الأحزاب سيكتب لها البقاء والاستمرار في ظل الهيمنة الصهيونية، ولكن ستفقد هويتها ستفقد ذاتها.. لذلك من يتضامن ويتفاعل الآن مع شعبه يتضامن مع نفسه ومع قضيته.. وأنا أتوقع من جميع الإخوة وأسمع أخباراً طيبة إن شاء الله من التنسيق الجاري بين الأحزاب المختلفة..



عادة أنا أقول في هذه الأيام عبر راديو الشمس كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الفصح المجيد طبعاً تأخرنا يومين.. غير مهم، ولكن أعطوني الفرصة أقولها بأثر رجعي لكل إخواني ولكل أبناء شعبنا.



* سؤال أخير د.عزمي.. الجميع كما ذكرت وربما قرأت هذا السؤال حول ما سيحدث في الأيام المقبلة.. هل هنالك مخططات واضحة باتت بالنسبة للدكتور عزمي بشارة وربما كلمة للجمهور في هذه المناسبة؟



د.بشارة: حول مخططاتي في الحقيقة لا أستطيع أن أفصل أكثر، قلت ما أعرف.. هنالك أشياء أنا نفسي لا أعرفها للآن.. ولكن ما أعرفه قلته.. بكل وضوح.. بالنسبة للجمهور الكريم أن يتذكروا دائماً أنه نحن أصحاب هذه البلاد وسكانها الأصليون، ويريدون أن نتصرف "كأننا ضيوف في بلدنا نحاول أن نثبت لهم كل الوقت أننا نحن بلغتهم "بسيدر" (على ما يرام).. ولكن نحن لسنا "على ما يرام"، نحن العرب الفلسطينيين أبناء هذه البلاد نتمسك بحقوقنا المدنية والوطنية ونتفاعل كما نرى مع حق الشعوب في مقاومة الإحتلال والعدوان، وهكذا يجب أن يرضوا بنا. الآن طبعاً إذا ما اعتبرونا أعداء سيحاربوننا كالأعداء.. ماذا تتوقعون منهم إذا اعتبرونا أعداء؟ سيحاولون بكل الوسائل التصدي وربما حتى تصفية من يعتبرونه عدواً ولذلك توقع ما يتوقع.. وهذا ما هو متوقع في مثل هذه الحالة وأنا أحب أن أؤكد محبتي وانتمائي وإخلاصي وشعوري الذي لا أستطيع وصفه بالتأثر من حجم التضامن الذي تم من أبناء شعبنا في الداخل... الأصوات المرتبطة بالسلطة هي عالية، ربما تكون عالية ولكن في النهاية هي أقلية صغيرة جدا..ً غالبية شعبنا شعب وطني وطيب ويعرف ماذا تريد الحكومة ماذا تريد المؤسسة الأمنية لماذا يستهدفون الناس.. طبعاً من حق الإنسان العادي في بعض الحالات أن يتردد أن يخاف أن يقلق ولكن هذا لا يصنع مستقبلا ولا يصنع شعبا.. ما يصنع مستقبلا وما يصنع شعبا هو الصمود والموقف الصلب وعدم التأثر والرغبة ببناء مجتمع حر وكريم في وطننا.. نحن لسنا ضيوفا عندهم.. ولذلك أنا الحقيقة بمنتهى التأثر وبمنتهى الامتنان لشعبي أشكر على كل العواطف التضامنية التي تمت.. وأيضاً الإعلام العربي المسؤول الذي تصرف بشكل مسؤول لأنه في النهاية من تصرف بشكل غير مسؤول هو أقلية صغيرة أيضا بين الإعلاميين.



* هنالك العديد والكثير من الأسئلة التي يمكن أن نسألها وأن تعلم



د.بشارة: الأيام قادمة سنحكي.



* الأيام قادمة واضح وأنت تعرف الآن هنالك أمور لا يمكن أن نخوض بها وأنا أعلم أن عدد كبير من المواطنين يتصلون الآن على الإنتاج ويسألون ويحاولون الاستفسار ولكن كما ذكرنا في البداية هنالك أمور تمنعنا للأسف هذه المرحلة وكما ذكرت الأيام قادمة النائب الدكتور عزمي بشارة رئيس التجمع الوطني الديمقراطي شكراً لك على هذا اللقاء الخاص لإذاعة الشمس ونحن نتمنى دائماً الصحة لك وأن نسمع أخبار جيدة في القريب.



د.بشارة:: تحياتي لك جاك ولكل المستمعين.