Sunday, August 12, 2007

جنوب أفريقيا والأفق الفلسطيني


08/08/2007 22:15

العالم يبدو مختلفا من أقصى جنوب القارة الأفريقية. هناك حيث تجري محاولة جريئة لبناء أمة تحررت من نظام فصل عنصري استيطاني قبل عقد من الزمان. أمامنا دستور ديمقراطي متطور يعترف رسميا بإحدى عشرة لغة في إطار عملية بناء أمة مدنية متعددة الإثنيات والقبائل والمذاهب والديانات (كلمة قومية لا تكاد تذكر في تلك البلاد) على أساس المواطنة الديمقراطية. جدول أعمالهم مختلف وسلم أولوياتهم كذلك. لدينا ثورة تحولت إلى دولة، وليس فقط بالنضال والمثابرة حتى النصر، بل أيضا بإتقان الحلول الوسط والمساومات التي جعلت التحول ممكنا.

وقد بلغت الحلول الوسط درجة تعميم البعض أن المؤتمر الوطني الأفريقي قد انتزع السلطة السياسية، ولكنه لم يكسب الدولة اقتصادا وسياسة. فأحفاد المستوطنين البيض، وأبناء النظام القديم نفسه ما زالوا يسيطرون على الاقتصاد وعلى جزء أساسي من الإعلام أو الشركات المتحكمة به، وهنالك مشكلة أرض ومسكن وفقر مزمنة عند غير البيض. والدولة مضطرة للالتزام بسداد الديون وبكافة الاتفاقيات الدولية التي أبرمها النظام القديم بما فيها مع إسرائيل. ولكن من الناحية الأخرى تتوسع الطبقة الوسطى من الأفارقة السود، والبلاد تتغير جذريا بالتدريج.

اضطر ضحايا النظام السابق للاكتفاء باعترافات المجرمين أمام ضحاياهم وطلب الصفح العلني في عملية تطهير للذات في لجنة المصالحة والصفح. والمقصود طبعا هو الحالات التي نفذت فيها أوامر ولم يبالغ المجرم بالاستمتاع والتفنن في التنفيذ، ولا حيث صدرت الأوامر لارتكاب جرائم. ولكن المساومة أيضا وصلت حد استغلالها لتسلل أفكار جديدة تجسد وتكرس الهيمنة القائمة. والمقصود هو أفكار من نوع مساواةِ عنفٍ بعنف، والقمع العنصري بالمقاومة، وطلب معاقبة المسؤولين عن عمليات في المؤتمر الوطني الأفريقي قتل فيها مدنيون.

وفي نقاش حول نصب الحرية المزمع إقامته في منتزه كبير في بريتوريا طرح مطلب وضع أسماء "شهداء" النظام السابق، وليس فقط شهداء النضال التحرري. أي أن بقايا النظام السابق تحاول أن تستغل الصفقة التاريخية التي عقدت من أجل إعادة كتابة التاريخ بمساواة بين طرفين، الطرف المضطهِد والطرف المضطهَد. ويبدو لي أن من يفعل ذلك ينكأ جروحا، ويفتح معارك سوف يخسرها. كانت صفقة المؤتمر الوطني الأفريقي مع النخب العنصرية الحاكمة شاملة وبعيدة المدى. ولكنها قامت على الاعتراف بعدالة قضية المساواة ورفض التمييز العنصري، لا مساواة إطلاقا بين الحرية والعبودية. لم تقم الصفقة على حكم قيمة يساوي بين المقاومة والاضطهاد، ولا على حل وسط بين حقين، حق الضحية وحق المجرم، بل قامت على أساس هزيمة نظام الابارتهايد التاريخية، والاعتراف بعنصريته وظلمه وقمعه واستعداده أن يخلي حلبة التاريخ. وقد تناولت الصفقة كيفية إخلائه وثمنه ومدته وكيفية المحاسبة على الماضي. لم يكن في الصفقة تسامح مع النظام بل مع المواطنين الذين كانوا أدواته، ومع بعض المواطنين الذين أداروه إذا لم يتحملوا مسؤولية مباشرة عن جرائم ضد الإنسانية. ما تغير من خلال الصفقة التاريخية هو حكم الابارتهايد. ولكي يتغير بشكل سلمي دون مذابح كبرى ولتوفير سنوات من الحصار والدماء وغيره سهَّلت الصفقة التاريخية على النظام أن يحل نفسه، ويسرت لأقطابه أن يتنازلوا دون خوف من انتقام منهم أو ثأر من البيض عموما. هذا التسامح ليس مساواة بين حقين، ولا بين المضطهِد والمضطهَد، ولا بين النظام والمناضلين من أجل تغييره.

البديع أن توقيت إثارة هذه النقاشات جاء في مرحلة ضياع في القضية الفلسطينية من ناحية ما يريده الفلسطينيون، وبرنامجهم ضد نظام الابارتهايد الكولونيالي في فلسطين، وحيرة أصدقاء الشعب الفلسطيني هل يكونون فلسطينيين أكثر من القيادة الفلسطينية، وضرورة أو عدم ضرورة أن يتبنوا أحد توجهين: حماس أو فتح. وجواز الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل والقيادة الفلسطينية منهمكة في عملية تطبيع العلاقات معها... مع الفرق أنه في فلسطين يجري تطبيع العلاقات قبل إتمام أي صفقة، وتجري صفقة لا يتم من خلالها تغيير النظام العنصري القائم على الأرض الفلسطينية.

ومعروف أن الواقعية السياسية في دولة لم تعد ثورة تدفع إلى علاقات متينة بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة، رغم الاعتراض على السياسة الأميركية الحربجية في منطقة الخليج عموما، ورغم أن الأخيرة انضمت إلى الحصار على نظام الابارتهايد في عامه الأخير بعد أن اتضح أن النصر أصبح قاب قوسين. والعلاقات مع إسرائيل مستمرة رغم أنه لم يتم إعادة توقيع أية معاهدة عسكرية انتهى مفعولها. ومؤيدو إسرائيل ممن كانوا جزءاً من النظام السابق يرتكزون إلى هذه الواقعية السياسية فينسخون النقاش إلى ساحة العلاقة مع الفلسطينيين مؤكدين في أفضل الحالات أن القضية الفلسطينية هي صراع عل أرض بين طرفين يملكان عليها حقوقا متساوية، وعلى ضرورة أن تدعم جنوب أفريقيا "عملية السلام"، وأن تدعم "المعتدلين من الطرفين"، وأن تتخذ موقفا متوازنا الخ.

لقد شهدتُ وشاركتُ في جزء من هذه النقاشات بين وزراء وقيادات تاريخية نضالية في جنوب أفريقيا، منهم الأكثر إيديولوجية ومبدئية في مسألة التحرر الوطني، ومنهم الأكثر واقعية. ولكن، حتى أكثر المسؤولين واقعية من أنصار ال"ريال- بوليتيك" يؤكد أن جنوب أفريقا ليست محايدة ولا تساوي بين طرفين، بل تقف ضد الاحتلال ومع حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني... ولكن ما هو مطروح بالنسبة لها هو عملية سلام تقود إلى تسوية في دولتين. وقد قال لي قبل أسبوع أحد أهم القيادات التاريخية للمؤتمر الوطني الأفريقي: "لقد نصحناهم في حينه بعدم قبول أوسلو، ونحن كما تعلم لا نحب حل الدول الإثنية لقضية من هذا النوع، ولكن هذا خيارهم، ونحن أيضا لم نحب أن يتدخل أحد من الدول الأفريقية والصديقة في شؤوننا." ومن ناحية أخرى قال لي أحد أبرز زعماء الكفاح المسلح سابقا ووزير بارز حاليا أن النظام الإسرائيلي هو نظام أبارتهايد، وهذه ليست قضية خارجية بالنسبة لبلد مثل جنوب أفريقيا مهما كانت بعيدة جغرافيا.

ولا شك طبعا أنه إذا لم تعتبر جنوب أفريقيا قضية النضال ضد العنصرية قضية هوية بالنسبة لها، فسوف تواجه مستقبلا مشكلة داخلية مع الأجيال القادمة التي لم تعرف الابارتهايد، ولم تع أن إسرائيل بقيت آخر حليف له وأخلصت له حتى نهاية أيامه. والأهم من هذا كله أن حل الدولتين المطروح حاليا بناء على التفاوض بين طرفين نافيا الحاجة للتدخل بالتضامن، لا ينتج دولتين فعلا، بل دولة عنصرية صهيونية قائمة على أنقاض الشعب الفلسطيني و"بنتوستان". وفي جنوب أفريقيا يعرفون ما هو ال"بنتوستان". فقد أقامت جنوب أفريقيا كيانات سياسية من هذا النوع وملَّكَت عليها ملوكا ورؤساء للتخلص من جزء من العبء الديمغرافي للأفارقة السود.

المبرر لعدم التضامن، أي حل الدولتين بالتفاوض، لا ينجب دولة فلسطينية ذات سيادة فعلا، ولا توجد صفقة تاريخية تسهل على الإسرائيليين تفكيك الكيان الصهيوني وقبولهم في المنطقة كيهود على أساس هويتهم الموجودة والاعتراف بها، ولا الدولة الديمقراطية العلمانية الثنائية القومية (في فلسطين خلافا لجنوب أفريقيا لا بد من تعبير القومية) أو المتعددة الإثنيات مطروحة كبرنامج لقوى سياسية وكبديل فعلي لحل الدولتين الذي لا ينجب دولة فلسطينية.

فماذا يفعل أصدقاء الشعب الفلسطيني إذا لم يعتبروا قضية العنصرية والكولونيالية قضايا خارجية أو داخلية في عصرنا ويريدون التضامن؟ لا شك أنه على شفا توصل إسرائيل والسلطة إلى إعلان مبادئ غير واضح يقصر حتى عن مقترحات باراك في كامب ديفيد، والإعداد لمؤتمر يسميه الأميركيون خجلا اجتماعا (منعا للإحراج والمبالغة في التوقعات فهو مجرد أداة تطبيع وعلاقات عامة) بدأت تتضح حدود مشروع الدولة في موازين القوى الحالية: فهي لا تشمل حق العودة للاجئين، ولا القدس الشرقية عاصمة فلسطينية، ولا تفكيك كافة المستوطنات، ولا الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 67. وبعد هذا كله تبقى الدولة الصهيونية عنصرية، وتصبح هذه العنصرية بذاتها قضية داخلية. وربما آن الأوان لاتخاذ قرار: إما قبول هذه التسوية التي سوف تطبق على مدى سنوات طويلة تحلب فيها إسرائيل آخر تطبيع من آخر دولة، ولا تبقي حجرا على حجر حتى في وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، مرورا بتحويل الماء والهواء إلى قضايا تفاوضية تحل بتنازلات سياسية، وقضية سجناء الحرية إلى قضية بدل القضية التي سجنوا من اجلها... أو طرح برنامج بديل يمكن الناس من معرفة ماذا يريد معارضو هذا النهج، وماذا يعني النضال ضد الاحتلال والتحرر الوطني في برنامج سياسي ديمقراطي.

لنأخذ مثلا واحدا فقط على الإعاقة الحاصلة: كانت مقاطعة نظام الابارتهايد أحد أهم الأسلحة التي حسمت انهياره. ومن الواضح أنه يصعب استخدامه ضد إسرائيل، ولكن من الواضح أيضا أنها تتأثر وتغضب وتفقد أعصابها من أقل قدر من المقاطعة. فهي لا تعيش على العلاقات العادية التي كانت تتمناها جنوب أفريقيا، بل على الامتيازات. والمقاطعة تحرج بعض القيادات الفلسطينية المنخرطة في التطبيع قبل الحل، يحرجها قرار المحاضرين الانجليز مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، كما يحرج ذلك مؤسسات فلسطينية لديها "جوينت بروجيكتس" (مشاريع مشتركة) مع جامعات إسرائيلية. ومن الواضح أن بعض الأساتذة الإسرائيليين الديمقراطيين يريدون منع المقاطعة إما بدوافع وطنية إسرائيلية، أو لأن ذلك يضر بهم شخصيا. وهم لا يرون أن الموقف الفعلي ضد الاحتلال في ساعة الامتحان هو ليس المظاهرة يوم السبت في نوع من ال"بيكنيك التل أبيبي"، ولا جلسات الحوار مع الفلسطينيين، بل الاستعداد لدفع ثمن الموقف. العنصرية وآخر مسألة كولونيالية قائمة في الدنيا ليستا مسألةً داخلية. ورغم أن وجود استراتيجية فلسطينية موحدة سوف يساعد كثيرا إلا أنه لا يفترض أن تنتظر القوى الديمقراطية في العالم استراتيجية فلسطينية موحدة لكي تتخذ موقفا منها. فلا شك أن غالبية الشعب الفلسطيني تعاني من آثار الفصل العنصري ومن ممارسات الاحتلال.

الحاجة إلى برنامج سياسي في إطار حركة التحرر الوطني للقوى المعارِضة لما يجري على حلبة التفاوض الإسرائيلي والفلسطيني هي حاجة فلسطينية. فقد اتضحت معالم هذا المسار تماما بعد زوال عائقين: عائق ياسر عرفات بالاغتيال والاستشهاد، وعائق نتائج الانتخابات الفلسطينية بالانفصال عن حماس...

في البرنامج البديل يجب أن يعرف الشعب الفلسطيني والعالم ماذا تريد حماس (هل تريد فقط العودة إلى تقاسم السلطة مع حزب الرئيس؟) وماذا تريد الجهاد والشعبية وقسم كبير من فتح وغيرها الكثير من الأوساط والأفراد والمثقفين (برأينا غالبية الشعب الفلسطيني). لا بد أن تعي هذه القوى لهذه المسؤولية قبل فوات الأوان، وذلك أيضا على مستوى تحييد الإيديولوجيات المختلفة لطرح برنامج وطني ديمقراطي بديل يخرجون به إلى العالم كقوة سياسية. هذا دور القيادة.

عبثية البحث عن حل لقضية عادلة


02/08/2007 08:20

لم يكلف أحد من المعنيين نفسه عناء إبلاغ الناسِ متى توفيت خارطة الطريق، ولماذا لم يعلن عن وفاتها ولا حتى في صفحات النعي والتعازي في صحفنا، خاصة وأنها تبوأت مكانة دائمة على الصفحات الأولى. طيلة سنتين أو ثلاث احتلت خارطة الطريق مكان "الشرعية الدولية" واستبدلت "تنفيذ القرارات الدولية" في الخطاب السياسي العربي المعتدل بشكل خاص. وزاد من التركيز عليها حصرا مصلحة إسرائيلية وتواطؤ أميركي لتهميش مبادرة السلام العربية الأصلية. ثم أُذِن بالعودة إليها لإنقاذ التحرك الدبلوماسي و"عملية السلام" بعد فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان.

كان الانشغال بخارطة الطريق استحواذيا إلى درجة انه حرم على السياسي العربي أن يدلي بتصريح دون ذكرها، مثل لازمة، أو يصرح دون إبداء الالتزام لها مع تحيتها دون حفظ الألقاب. وكنا نسمع يوميا أخبار الخارطة وتبدل أحوالها الصحية ومزاجها ودرجة حرارتها، ثم وبعد أن صدقنا أهمية الموضوع انتقلت اللهجة إلى مطالبة الولايات المتحدة بتنفيذها، مع أن الجميع عرف أنها لا تحتوي على تصور لـ"حل دائم" للقضية الفلسطينية. وهي انتقلت بدورها إلى مطالبة الفلسطينيين بتنفيذ حصتهم منها. هم طالبوا بالتزامن والتوازي في تنفيذ الالتزامات، أما إسرائيل فردت بضرورة مكافحة الإرهاب أولا، رغم أن الجميع كان يعلم أن إسرائيل غير موافقة عمليا على خارطة الطريق. ومع ذلك تابع جميع أطراف اللعبة اللعب كأنهم لا يعلمون... ثم، وكأنها مؤامرة منسقة سلفا صمت الجميع فجأة. وربما اختفت الخارطة أو هربت مع عشيق من طائفة أخرى أو غيرها من الملابسات التي يتحرج الناس من ذكرها في هذه النواحي. وربما توفيت بمرض من النوع الذي يتجنب الناس النطق به في هذه البلاد تطيَّرا أو حرجا. لا أحد يعلم. المهم انه استيقظنا صباح يوم لا أحد يذكره، ولا كاتب هذا المقال، وإذ بقارئ نشرة الصباح لا يذكرها وعناوين الجريدة الصباحية تتصرف وكأنها لم توجد في يوم من الأيام.

ولو أعملنا الفكر قليلا فيما يتجنبه الناس لوجدنا أن هذا هو حال العرب منذ أن قرروا أن يبحثوا عن "حل" لقضية فلسطين كأنها معضلة تبحث عن حل بنبرة معذبة: "أريد حلا". ومسعى البحث عن "حل" يعني إقناع إسرائيل بتغيير موقفها، وهذا لا يعني إجبارها أو محاربتها أو التضييق عليها أو استنزافها أو غيره، بل التأثير عليها بالذات بعد أن اقتنع من اقتنع بفشل الوسائل السابقة. ولكي تغير موقفها ويكون التأثير عليها باتجاه "الحل"، لا بد من افتراض أن تسعين بالمائة من أوراق هذه اللعبة بيد أميركا. ولا بد أيضا من الافتراض أن أميركا تريد "حلا" لقضية فلسطين.

وبعد ما لا يحصى من المشاورات والوفود والمؤتمرات والانتفاضات والحروب وغيره انتهت الولايات المتحدة إلى قناعة مفادها أن "الحل" غير ممكن دون دولة الفلسطينية. ولكنها وصلت إلى هذه الاستنتاج بتواز مع وصول إسرائيل إلى نفس القناعة. ومفادها تخليص لإسرائيل من العرب كعبء ديمغرافي. وإسرائيل طبعا تعيِّن وتحدد المعادلة بحيث تعني التخلص من اكبر عدد من العرب على أصغر مساحة ممكنة من الأرض يتم الانسحاب منها.

والعرب طبعا يرفضون مثل هذا "الحل"، ومن يقبل منهم بمثل هذا "الحل" لا يستطيع فرضه. خاصة وأن هذا البعض يقارب ما يدعي أنه "حاجة إلى حل" من منطلق: "أننا هزمنا وكل ما تقدمه إسرائيل لنا كثير علينا"، وأنه لا حاجة للعرب ولا بد من الحديث مباشرة مع أميركا وإسرائيل. وطبعا يردف هذين الادعاءين بالسؤال المحرج ضد من يعارض: "وما هو بديلك؟".

وأذكر أنه إبان النقاش على اتفاقيات أوسلو كان هذا السؤال المحرج هو سلاح الدمار الشامل ضد خصوم أوسلو. وأذكر انه عندما كان احدهم يوجه لي السؤال بعد تبيان مخاطر هذا الاتفاق، "حسنا، فما هو بديلك؟". كنت أجيبه: ألا توقعوا اتفاق أوسلو، هذا هو بديل التوقيع: عدم التوقيع. فمن يقوم بفعل، فيه هذا الانقلاب الاستراتيجي، هو الذي يجب أن يعطي المبررات، وليس من يعارض هذا التغيير. لقد ثبت أن توقيع اتفاق أوسلو كان كارثة حقيقية للشعب الفلسطيني. ولا استطيع أن اثبت انه لو لم يوقع لتطور الوضع بشكل أفضل، فهذا من علم الغيب. ولكن يمكن بسهولة الإثبات أن وضع الفلسطينيين قبله حمل آفاق أوسع للنضال ولفرض الشروط على إسرائيل.

وبرأينا المتواضع لا يوجد "حل" لقضية فلسطين، بمعنى التوصل إلى حل بعد البحث عنه ثم العثور عليه، فلا يوجد حل ضائع ينتظر من يجده. والمسألة ليست عبقرية في التخريجات على الورق بحيث يخرج عدم الاتفاق بصورة اتفاق. وليست المسألة حلا لمعضلة رياضية. هذه قضية تحرر من الاحتلال. وهي لا تحل، بل تنتهي مع زوال الاحتلال، ولا تنتهي مع بقاء أي نوع من الاحتلال أو الاستيطان. أو هي قضية أبرتهايد وفصل عنصري، وهذه لا تحل، بل تعالج بمساواة كاملة لا يحصى بعدها الناس ديموغرافيا. ولا بد من اختيار استراتيجية النضال من اجل التحرر. أما في سياق موازين القوى الحالية فلا ينتج سوى تخريجات للمعتدلين، أو مكرمات لهم، أو حلول لمشاكل إسرائيل المترتبة عن الاحتلال.

على كل حال لم يسعفنا تساؤلنا عن الاختفاء غير المعلن لخريطة الطريق. ولم يمهلنا جورج بوش طويلا، فإذا بوسائل الإعلام العربية تزف لنا بشرى تعيين بلير مبعوثا للرباعية. والرباعية هي أيضا مثل مبعوثها مخلوق غريب عجيب بأربعة أطراف تشمل الأمم المتحدة كعضو واحد بين دولتين ومجموعة دولية. وهي من تخريجات الهيمنة الأميركية، ولا بد أن هذا الطاقم أيضا سوف يختفي يوما. وقد بدأ الناس فور سماع نبأ تعيين بلير بالتساؤل جديا عما يعنيه تعيينه، فهو بالتأكيد ليس موفدا عاديا. وهو ليس زيني، ولا حتى مبعوث السلام القديم روجرز. إنه تومي بلير. و"النِّعَم والسِّت نعام!!" يقول الفلاحون في بلادنا عندما يسمعون بعدم اكتراث بادٍ اسم شخص لأول مرة، أو عندما يلفظ اسمه فلا يأبه أحد. و"ماذا يعني توني بلير؟". لا شيء. موفد آخر. هو فعلا أكثر أهمية، "استقيل" وهو شاب مليء بالطاقة والحيوية، وصديقه جورج بوش يجد له عملا يلبي طموحاته ويملأ أوقات فراغه بشكل بناء. وسوف يكون لدينا موفد أكثر أهمية من صلاحياته. وماذا بعد؟ وماذا يريد بلير؟ يبدو أن السؤال عن الهدف أخلى مكانه في نواحينا للعملية، الصيرورة، الأداء. العملية كل شيء، أما الهدف فلا شيء. وسوف يعلن بلير عن إحباطه قريبا ويغادر دون خبر، أو سوف يختص بتوجيه النصائح للفلسطينيين في كيفية التصرف لكسب ود الإسرائيليين. وهنا سوف ينجح طبعا. كما سوف يساعد المعتدلين من الفلسطينيين في الحصول على دعم دولي ومبادرات حسن نية جزاء لهم على اعتدالهم. وسوف يساهم في تعزيز القدرة الفلسطينية على إدارة دولة ومفاوضات كما تختص بذلك جمعيات غير حكومية عديدة تساهم في تنشئة جيل من الفلسطينيين مؤهل لقبول "الحل" والتعامل معه.

ثم وبعد أقل من أسبوع عاجلنا بوش بفكرة المؤتمر الدولي للقضية الفلسطينية. مؤتمر، أين؟ لماذا؟ متى؟ ما الهدف؟ لا احد يدري، فكرة صماء تماما. لا أحد يعرف معناها وسر توقيتها. فلم يسمع عن تغير في الموقف الأميركي يترتب عليه تفاؤل من عقد مؤتمر لتطبيق فكرة ما. المؤتمر هو فكرة أخرى لدعم "المعتدلين" العرب ولعزل "المتطرفين". ولا بد أن يدعم من وصل إلى قناعة يتفاخر بها مفادها نعم للحوار مع إسرائيل ولا للحوار مع شعبه... من وصل إلى قناعة من هذا النوع ويجاهر بها لا بد من أن يدعم. ولكن ماذا يهم الهدف؟ الهدف لا شيء، المهم العملية: من يحضر المؤتمر وأين يعقد ومتى؟...هذه هي الأمور المهمة.

عين بلير ثم أطلقت إلى فضاء الفضائيات فكرة المؤتمر الدولي. وحتى من يتمتع بموهبة التعليق بجمل جاهزة على أي شيء لم يجد ما يعلق عليه في هذه الحالة. ولو أطلق بوش فكرة ثالثة لأقسمت بالله العظيم أنها الحرب. لا بد انه يحضر فعلا لحرب.

فمنذ فترة تحولت قضية فلسطين برعاية بوش وأفكار بلير إلى دائرة علاقات عامة لإدارة الولايات المتحدة أزماتها الأخرى. كان من المفترض أن تكون قضية فلسطين الجوزة الأصلب المستعصية على الكسر، والتي تستخدم ضدها القضايا الأخرى في علاقات عامة. فباتت بفضل بعض المبادرين في "صناعة القضية" و"عملية السلام" و"العملية" دائرة علاقات عامة تستعرض من خلالها الولايات المتحدة أنها تعير قضية العرب الأولى اهتمامها، وأنها لا تخاطب العرب بحاملات الطائرات والبوارج فحسب وأن لديها "حلا" لقضية فلسطين حالما تفرغ من حل دولة العراق، وحالما تنتهي من تحضير حصار إيران تمهيدا لصفقةٍ أو لحرب. وتجد من يتجاوب معها بالإشادة بالجدية الأميركية هذه المرة، وبتمنية النفس أن الضغط على إسرائيل قادم "خاصة وأنها فقدت أهميتها الإستراتيجية"، وفي أسوأ الحالات علينا انتظار الانتخابات الأميركية المقبلة.

والظرف الفلسطيني مؤات طبعا لخطاب أميركي من هذا النوع، فمن يرفض الحوار مع شعبه ويرى "حلا" في آخر النفق، وضوءا في آخر النفق الطويل الذي يسمى الـ"عملية"، ونفقا في آخر الضوء، يتم جره من جديد إلى وعود من نوع إعلان مبادئ. بعد اتفاق أوسلو، بعد مرور أكثر من عقد يجري مرة أخرى الحديث عن إعلان مبادئ. فعلا أمر لا يصدق، ولكن هذا ما نسمع.

أما على الأرض، فإن الشرط الذي يجب أن يحترمه "المعتدلون" هو أولا، عدم الحديث مع حركة حماس، وثانيا أن "يكافحوا الإرهاب" بجدية. سوف يصاغ إعلان المبادئ بتعابير وبأسلوب يحتمل التأويل لأنه يصعب الاتفاق على ما سمي في أوسلو بقضايا الحل الدائم. فماذا يبقى من أمور يمكن تقديمها كدعم للمعتدلين: بعد أخذ ورد واستنزاف آخر ذرة مما تبقى سوف تنسحب إسرائيل تدريجيا إلى خطوط ما قبل الانتفاضة الثانية، أي إعادة بسط السلطة نفوذها على مناطق أ و ب في الضفة الغربية، ثم مبادرات حسن نية أو "مكرمات" إسرائيلية أخرى ربما تصل حد أمور رمزية الطابع. وتأمل إسرائيل أن تتوسع أوساط المستفيدين من حسن أخلاق الدولة المحتلة هذا. وهي الدولة التي يعتبر إذنها بدخول فلسطيني ليس إلى مناطق الخط الأخضر بل إلى الضفة الغربية بادرة حسن نية، ويتم تناسي أن هذا الواقع، أي واقع طلب الإذن منها يعني عدم سيادة السلطة حتى على المناطق التي تديرها في الضفة الغربية، وتأكيد سيادة الاحتلال. ولا يفترض أن يكون لأحد مانع أن يطلب لمواطن فلسطيني مشرد وعالق على الحدود العراقية العودة إلى الضفة أو دخولها، (فماذا تعني كلمة العودة هنا؟؟) ولكن المشكلة هي في تفسير ذلك سياسيا كتنازل إسرائيلي وكمكرمة تساعد "المعتدلين"،وهو في الواقع ممارسة إسرائيل لصلاحيتها كدولة احتلال.

هنا يتم ليس فقط فرط القضية الفلسطينية إلى مطالب عينية تقدم إلى دولة الاحتلال بل يتم مقايضة هذه المطالب وما يترتب عليها من تعزيز مكانة من يحصلها من القيادة الفلسطينية كأنه "نائب خدمات" في برلمان دولة، ويقوم هو بوساطة بين جمهوره والدولة، ومقايضة هذا كله مقابل تفكيك المشروع الوطني إلى مطالب واقعية من دولة الاحتلال، وتنافس أمام الشعب الفلسطيني ما الذي يفيد في تقديم الخدمات الاعتدال أي تقديم المشروع الوطني مقابلها أم تحصيلها من خلال النضال لتطبيق المشروع الوطني؟

الثقافة والأصولية من الديمقراطية إلى العلمانية


26/07/2007 08:01

انتصر حزب العدالة والتنمية في تركيا. ولم تعرف تركيا الجمهورية ازدهارا واستقرارا كما عرفت في حكمه. وهو يتعهد بعد النصر مباشرة الحفاظ على دستور البلد العلماني. وأذكر أن أحد رموز التيار الوسطي الإخواني شهد في محكمة قتلة الكاتب المصري فرج فودة لصالحهم مدعيا ما مفاده أن القتل مبرر بالنسبة لشباب متحمس لأن العلمانية هي ارتداد عن الدين. الفرق كبير بين حزب يعلن تمسكه بعلمانية النظام، وآخر لا يكتفي بالاختلاف مع العلمانية بل يعتبرها ارتدادا عن الدين. ولكن التيارات الإسلامية المركزية تحتفل بفوزه في سرها وعلنها، وهي تعرف ان موقفه كان سيعتبر ارتدادا عن الدين في مناطقها. ليس حزب العدالة والتنمية ديمقراطيا لبراليا ولا يساريا، ولكني لا أعرف أي حزب تركي لبرالي أو جمهوري أو يساري حكم تركيا أفضل من هذا الحزب. ومع ذلك تعرض الحزب إلى الحل، واضطر إلى تغيير اسمه، ثم تعرض مؤخرا إلى حملة تحريض واسعة من اليمين واليسار التقيا ضده تحت شعار العلمانية.

هنالك عوامل عديدة دفعت بتيار إسلامي مركزي إلى الطريق نحو البرلمان. ولا شك أن العسكر وضعوا حدا لطموحاته، ولا شك أن الأمر متعلق أيضا بالهوية الثقافية للناس والبلد والصراع على معنى الإندماج في العولمة والتقدم العمراني. ولكنه على كل حال لم يفقد توازنه وتكيف مع الحدود التي وضعت وقبل بقواعد اللعبة.

ولدى أوروبا مشكلة حقيقة، إذ تثبت هذه الحركة مرة أخرى أن أوروبا هي العنصرية التي تماطل بعدم قبول دولة متطورة، وحكومتها منتخبة ديمقراطيا لعضويتها. لدينا حكومة منتخبة ديمقراطيا، تدير بلادها مثل أي حكومة أوروبية، وأفضل من أية حكومة أوروبية شرقية تم قبولها لعضوية الاتحاد الأوروبي. ولكن الثرثرة تستمر وتتدفق كلاما يغطي على سقوط السياسة الأوروبية الأخلاقي المريع في تركيا بعد محاولة لا بأس بها بعد الحرب الثانية وبعد المرحلة الاستعمارية في جيل كرايسكي وبرانت وبالمي. وهو سقوط مسرحه الأكثر تعبيرا والأكثر تمويها في الوقت ذاته هو المسألة اليهودية وفلسطين.

ولا شك أن للمسألة علاقة بتاريخ الحالة الإسلامية في تركيا فهي لم تنقسم كما في الحالة العربية إلى إسلام سياسي راديكالي مقابل صوفية دروشة ودين علماء حافظ. لدينا هنا قاعدة اجتماعية واسعة لإسلام صوفي عقلاني ومتسامح، وتوازن خفي بين "عسكر" و "طريقة": بعدا السياسة التركية في الجمهورية هما "عسكر" و "طريقة" في حالة هجوم وانسحاب وتكيف. وكر فر.

في الوقت الذي يعبر فيه حزب إسلامي فائز انتخابيا عن وسطية وبراغماتية وموقف أكثر توزانا وعقلانية وأقل شعبوية من كافة الأحزاب العلمانية التي تواجهه، نشهد في المنطقة العربية تراجعا غريبا عن الديمقراطية خطابا وشعارا. وهذا التراجع مشبوه لأنه يغص بالأجندات الخفية، وترافقه صحوة مفاجئة للحديث عن العلمانية وعن وحدة القوى العلمانية. ومن المعروف أن غالبية الانظمة الحاكمة علمانية وغير ديمقراطية، وغالبية الفساد علماني وغالبية النفعية الشخصية الرائجة في أجهزة الدول وزبائنها علمانية، ومعروف أيضا أن الديمقراطية قد تعني فوز القوى الإسلامية. وليس هنالك من يقول بجرأة إنه ضد الديمقراطية وأنه لم يكن من مؤيديها في يوم من الأيام، بل هو يكتفي بالتأكيد أنه علماني.

ولا شك أن هنالك علمانيين لبراليين مثابرين عارضوا تعميم حق الاقتراع ولكنهم لم يتحولوا الى زبائن عند أنظمة وحركات فاسدة، وهذا موقف نختلف معه ونحترمه، فنحن أصلا لا ندعي "أن الديمقراطية" هي الحل على وزن " الإسلام هو الحل".

والحقيقة أن العلمانية بالنسبة للبعض نمط حياة وليست نظام حكم يفصل الدين عن الدولة، وغالبا ما يتبين أنهم ليسوا علمانيين فعلا، إذ يتبين أنهم يستبدلون الدين بالنرجسية حال توجيه أي نقد لهم، ويعتبرون أي نقد تطاولا، ويقدسون قيما دنيوية اكثر مما يقدس غيرهم قيما سماوية، ويبدون أصولية وعنفا كلاميا وجسديا في السياسة... من القومية المتطرفة وحتى النفعية المتطرفة، ويبيعون الطبقات الوسطى والغنية التي تهيمن عليها الثقافة الاستهلاكية شعارات تصل حد الفوبيا من الدين والمتدينين، منشئين بذلك تدينا جديدا علمانيا معاديا للإسلام بشكل خاص. وأصولية جورج بوش الدينية وأصولية قوى واسعة خلفه لا تزعجهم كثيرا.

المؤسف أن موضة الديمقراطية حلت على بعض المثقفين غير الديمقراطيين ليروجوا لها عندما جاءت بالبوراج الأميركية، وقد روجوا معها أيضا لنظرية أن تغيير الأنظمة غير ممكن إلا من الخارج، وبعضهم كان صديقا لهذه الانظمة وتنقل بينها عندما دعت الحاجة. لأن نمط الحياة المترف يحتاج إلى من يدعمه أحيانا، والثقافة في بلادنا لا تعيل وحدها مثل هذا النمط "العلماني" في الحياة.

والأكثر مدعاة للأسف أن هؤلاء أسقطوا شعار وخطاب الديمقراطية حالما أسقطته اميركا. فمنذ أن قررت أميركا أن المحافظين الجدد العرب والأميركيين قد ورطوها بنصائحهم ضد الاستقرار تخلت عن شعار الديمقراطية، ما عدا في خطابات بوش، وعادت لواقعيتها في قبول حلفائها كما هم دون ابتزازهم بالدعوة لإصلاح وديمقراطية إذا نجمت عنهما فائدة لأعدائها. وهذا كله مفهوم ومتوقع. أما غير المفهوم فهو سرعة تخلي لبراليينا الجدد عن مطلب الديمقراطية في العام الأخير والانتقال الى الحديث عن العلمانية. والأخيرة تبرر حتى الوقوف مع بوش وأولمرط والأنظمة العربية العلمانية ضد ما قامت به حماس المنتخبة، وإلى جانب الأجهزة الأمنية الفاسدة، "العلمانية" على الأقل في "التشبيح" ونمط الحياة الاستهلاكي في مقابل "ظلامية" من انقلبوا عليها.

المصيبة أن العلمانية المقصودة ليست نظام حكم ولا هي نظرية في فصل الدين عن الدولة، ولا حتى خصخصة القرار بالشأن الديني وفصله عن الحيز العام كما تطور تعريفها مؤخرا، بل هي بنظرهم موقف من الإسلام الحركي لا أكثر. وتجليات هذا الموقف في الواقع العربي ليست علمانية فعلا، بل أنظمة فاسدة متحالفة مع قوى غربية وأحيانا مع إسرائيل. وهي لا تعتبر العلمانية شرطا للديمقراطية ولا عقلنة للسياسة بل تدين استهلاكي يشمل استهلاك البضاعة الثقافية الرائجة لطبقات معينة.

لا تستطيع القوى العلمانية لا بالمعنى الأصيل ولا بالمعنى المستحدث ضد الحركات الإسلامية أن تشكل أغلبية تقيم نظاما ديمقراطيا. وهي معتمدة حاليا على ديكتاتوريات لا غير. وفي الحالات الجيدة تعتمد على نقد الديكتاتوريات دون أن تقدم بديلا ديمقراطيا. ولا يمكن للقوى العلمانية تقديم بديل ديمقراطي إلا إذا اصبحت هي ديمقراطية، وإلا اذا وضعت برنامجا مصداقا لكيفية إدارة البلد دون أن تتنازل عن علمانيتها. وهي لا تستطيع طرح بديل ديمقراطي دون ان تأخذ بعين الاعتبار نفوذ أحزاب إسلامية وقوى إسلامية حركية.

يجب أن تخاطب القوى العلمانية الديمقراطية وتتناقش وتتحدث مع قوى الإسلام السياسي الواسعة، وان تميز بينها وبين التكفيرية الني لا تؤمن أصلا بالعملية الانتخابية الديمقراطية. فرمي الجميع في سلة واحدة بسبب الخطاب الديني المشترك وحكم الشريعة هو تعبير عن سياسات جامدة، وحتى لو عكست واقعا قائما فإنها تعبير عن عدمية غير عقلانية. وفي الواقع لم يحصل شرخ بين شقي التدين الحركي فحسب، بل إن التيار المركزي الواسع تتطور كلما مارس في بلده ومجتمعه سياسات وطنية بموجب أجندات وطنية. وتطرف كلما أقصي عن الممارسة. لا بد أن يتعدل الموقف مع الممارسة التي تكتشف حدود الواقع وتنوعه، ومع الرغبة بالوصول الى السلطة والحفاظ عليها تنشأ الحاجة للتسويات وللحلول الوسط مع الذات ومع الواقع وإيجاد مسوغات شرعية لها.

ولا يجوز أن يقتصر تفاعل القوى العلمانية مع التيارات الدينية الواسعة على تملقها أو التنازل عن مواقفها العلمانية في شؤون عدة، ولا أن يتحول إلى غرور الوصاية عليها الذي غالبا ما يصاب به القوميون بغير وجه حق. فالحركات الدينية الواسعة عميقة الخبرة كثيفة التجربة ولا تحتاج الى أوصياء بل إلى متحاورين متواضعين تثق بهم في حالة النضال المشترك. قد يكون التيار القومي تيار الأغلبية في الشارع العربي، وقد تكون الناصرية ما زالت أغلبية في الشرع المصري، ولكنها ليست حركة سياسية منظمة موحدة تترجم قوتها سياسيا، ولس لها أن تلوم إلا ذاتها على ذلك، فهذا ليس ذنب القوى الإسلامية المنظمة، لكي يتم تحميلها مهام كان على تلك القوى أن تقوم بها.

إن من يقصي هذه القوى حاليا تحت شعار أو مبرر مثل "العلمانية" لا يستطيع أن يبدأ بممارسة الديمقراطية، فالديمقراطية غير ممكنة بهذا الإقصاء لهذا الكم من الناس المتحدر من هذه القطاعات الاجتماعية الواسعة والفقيرة وبهدر لهذه الطاقات الوطنية.

وطبعا يفترض أن تلتزم الحركات الإسلامية الواسعة بمبادئ الديمقراطية وليس فقط بوسائلها وأدواتها. وهذا لا يعني فقط إجراء انتخابات بعد انتهاء مدتها في الحكم، وأن تسلم السلطة سلميا إذا لزم كما استلمتها، بل أن تحترم أيضا حقوق المواطنة والحريات المدنية أثناء حكمها، التي لا تحترمها حاليا الأنظمة العلمانية.

ومن نافل القول أن دول أوروبا الشرقية لم تحترمها أيضا في مرحلتها الاشتراكية التي أيدها بعض المثقفين العلمانيين الذين يعارضون ديمقراطية تشمل قوى الإسلام السياسي حاليا. كما يفترض أن تقبل الحركة الإسلامية بالأجندة الوطنية في عملها وأن تحترم مفاهيم السيادة الوطنية. ويجب أن تفعل كل هذا ليس فقط في الحوار مع القوى الأخرى، وإنما أن تثقف كوادرها على ذلك أيضا. ويجوز لنا أن نبدي ملاحظات حول النتاقض بين التثقيف الداخلي وبين الخطاب المستخدم لتهدئة القوى الأخرى. مع العلم أن مجرد الحاجة لتهدئة القوى الأخرى في خطاب سياسي جديد هو بحد ذاته تطور حتى قبل أن يرتقي إلى خطاب تربوي داخلي. فالحركات التكفيرية لا تأبه بما يفكر عنها الكفار، ولا يهمها إرضاؤهم. وطبعا اليسار الراديكالي لم يهتم تاريخيا لمثل هذه التمييزات، فقد كان الرياء والنفاق برأيه أسوا من الفاشية، ولم ير فرقا بين الاشتراكية الديمقراطية والنازية، فكلاهما في نمط نفكيره الجوهراني أشكال حكم البرجوازية، حتى شعر بالفرق على جلده وجلد الشعوب. ونحن نقول إن النازية والفاشية أسوأ من النفاق، وكذلك التكفيرية أسوأ من النفاق. ونحن لا نعتبر التغير الذي تمر به الحركات الإسلامية الجماهيرية نفاقا بل ضرورة تاريخية للإصلاح اللازم للعملية الديمقراطية. ولا مفر من رؤية ذلك والتعامل معه.

إن من لا ير أن حركة الإخوان المسمليبن مرت بتغييرات فعلية منذ سيد قطب، وأن حركة حماس اليوم هي غيرها قبل أعوام، وأن حزب الله هو ليس نفس حزب الله أيام اغتيال اليساريين الشيعة في الثمانينيات، هو بذاته أصولي يتمسك بثوابت ولا يخضعها لأي فحص تجريبي، أو ليست لديه مصلحة أن يفهم. وربما السبب أنه هو أيضا مثلهم قد مر بتغيير. فنحن لا نفهم يسارا يجد نفسه في جبهة المتعاونين مع أميركا وإسرائيل ضد الإسلاميين، ولا نفهم يسارا يعيش هذا الاغتراب عن الفقراء وثقافتهم وهذا البعد عن العدالة الاجتماعية، وهذا القرب من الطبقات الميسورة المغتربة عن هذا المجتمع.

مؤسسات التعليم العالي بين الخاص والعام


12/07/2007 09:27

لا حاجة لوصف مفصل لأزمة التعليم العالي العربي، فقد استعرض في عدة أوراق ودراسات، والأهم من ذلك أن الحديث عن الأزمة عمم بحيث بات أي مواطن قادرا على تشكيل انطباعه الخاص به حول المأزق من كمية الخريجين العاطلين عن العمل وحتى مستوى التعليم الجامعي. ولا شك بوجود عدد من الأبطال في بعض قاعات الجامعات والمختبرات يذودون بأجسادهم عن مستوى وشرف الأستاذ الجامعي، ولا يستسلمون لقاعدة صناعة الشهادات والتخريج الجماهيري. ولا شك بوجود بضع جزر تسمح على الأقل للطالب المتميز أو المجتهد بأن يتخرج بمستوى جيد يمكنه من العمل في مؤسسات كبرى أو إكمال دراسته في جامعات ممتازة. ولكن حاجة المؤسسة التعليمية إلى أبطال هي نفس الدليل على مأزق التعليم العالي. والاستثناء هنا يؤكد القاعدة.

ولا شك أن جماهيرية التعليم العالي وفتح بابه لفئات واسعة، وتشغيل أعداد هائلة من خريجي الجامعات نفسها في التدريس فيها في ترجمة مأساوية لعملية التكاثر الطبيعي تركت أثراً سلبياً في المستوى. والمتهم ليس جماهيرية التعليم، والحل ليس العودة إلى قصره على النخبة، بل المذنب هو الدولة والمجتمع اللذان لم يستوعبا جيوش الطلاب كما لم تستوعب المدينة جيوش المهاجرين من الريف، فتريفت بدل أن تمدنهم. وتحول جماهيرية التعليم الى إفقار العملية التعليمية هو الوجه الآخر لترييف المدينة. نفس المجتمعات التي لم تستوعب مدينتها الهجرة الريفية، لم تستوعب جامعاتها جماهيرية التعليم، فتحولت من جامعات وطنية واعدة يدرس فيها خيرة الخريجين العرب في الجامعات الغربية بتفانٍ كأصحاب رسالة وطنية وقومية وتنويرية إلى جامعات تتعرض لضغط اجتماعي لقبول وتخريج أعداد أكبر، وحل مشكلة بطالة لأعداد أكبر من الخريجين بتشغيلهم، وتتدنى فيها المعايير الأكاديمية، ولا تكاد تمول أجور مدرسيها المتحدرين من مقاعد الدراسة فيها، ناهيك عن وضع أجندات بحثية وتنفيذها.

وفيما عدا الدراسة في الخارج، وقد كانت وما زالت خيارا فرديا، تجلى المخرج بالنسبة لبعض الفئات المجتمعية في إقامة معاهد خاصة تجارية الطابع، اي أقيمت بهدف ربحي، بحيث تضمن هذه الفئات شهادة معقولة في أجواء نخبوية لأبنائهم في فروع وعلوم مهنية الطابع، مثل إدارة الأعمال والمحاماة والصيدلة والبرمجة وغيرها. وتساهلت الدولة مع هذه العملية ورخصت لها واعترفت بها لأنها تحررها من مسؤولية أو عبء تطوير التعليم الجامعي.

والحقيقة أنه لا مجال للحديث عن تطوير علمي وبحثي حقيقي ناهيك عن أجندات اجتماعية تنموية في مثل هذه المعاهد. فهي ربحية الطابع، والبحث العلمي غير ربحي، وهو على الأقل استثمار له مردود مالي غير مضمون على المدى القصير. وتفريغ الأساتذة، وتحرير جزء من وقتهم من التدريس لغرض البحث في العلوم الاجتماعية والآداب والفلسفة ليس مربحا ماليا لا على المدى القصير ولا البعيد. ولكن دون هذه الأبحاث لا معنى لدور الجامعة التنويري أو الوطني في بناء الأمة.

ومن يستثمرون في التعليم كعملية ربحية من خلال بناء مدارس وجامعات خاصة يطمحون ويحققون مردودا ماليا سريعا لاستثماراتهم. وهذا يعني مصنع شهادات بمستوى معقول في فروع تعتبر مهنا مطلوبة ومرغوبة الى درجة دفع أقساط عالية، ولكنه لا يعني إنتاجا علميا بمستوى معقول.

ومن يفصل بين تعليم خاص وعام لا يميز في الواقع بين التعليم كاستثمار بهدف الربح وبين التعليم كعملية اجتماعية غير ربحية قائمة على اعتباره خيرا عاما. فأغلبية الجامعات الخاصة الشهيرة ذات المستوى الرفيع والانتاج العلمي في الغرب حيث توجد كما في حالتي بريطانيا والولايات المتحدة، خلافا لفرنسا وألمانيا، هي جامعات خاصة فعلا، ولكنها ليست مشاريع لهدف الربح، إذ تملكها مؤسسات أو جمعيات علمية خاصة. وهي تجمع بين الاستثمار في التعليم من قبل صناديق صناعية وغيرها، وبين التبرعات والوقفيات العائلية الخيرية وأقساط الطلاب، وهي لا تربح، ولا تقام بهدف الربح بل تستثمر مردود وقفياتها وأقساطها وغيرها في تطوير عملية التعليم وفي الأبحاث. وإلى جانبها تقوم جامعات دولة أو ولاية ممتازة في الكثير من الحالات. والامثلة أكبر من أن تعدد في مقال.

وقد قامت بعض المؤسسات الخاصة والتبشيرية من هذا النوع في لبنان في نهاية القرن التاسع عشر وحملت شعلة النهضة والتنوير وأسست للتعليم الجامعي العربي رفيع المستوى، وما زال بعضها مستمرا في حمل الرسالة. ولكنها رغم كونها خاصة، إلا انها لم تكن مؤسسات ربحية تجارية، إنها بمعنى ما عكس معاهد التعليم العالي التجارية الخاصة التي تنتشر حاليا بهدف الربح.

تحل هذه المعاهد التجارية مشكلة المهن لأقلية، ولكنها تحرم منها قسما كبيرا من الناس اذ تدفع أجورا أعلى وتفرغ الجامعات الرسمية من عدد من الأساتذة الجيدين الذين سئموا بذل جهدٍ لا تقدير له، والتعامل مع أجهزة بيروقراطية، ولا يحتملون الضغط الاجتماعي للمجتمع الاستهلاكي على عائلة حامل شهادة دكتوراة يتوقع أبناء عائلته أن يعيلهم بشكل معقول على الأقل، وذلك في غياب التقدير والمكانة التي كان يحظى بها في الماضي وتعوضه عن المعاش المتواضع.

ونحن إذ نحاول أن نجيب عن بعض الأسئلة التي يتجنب التيار القومي الاجابة عنها، ويجب أن يجيب عنها إذا أراد أن يتحول إلى تيار قومي ديمقراطي يحمل هموم الجماهير ويطرح حلولا لمشاكل الناس والمجتمعات، ولا يكتفي بالتخصص في الصراع مع “إسرائيل” أو أمريكا، ننطلق من أن كل ما يمس جسد وروح الإنسان مثل الصحة والتعليم هو خير عام مثل الماء والهواء والأرض والأمن. وهذه أمور يجب الا تخضع لقوانين الربح. وكما لا يدافع الجيش في حالة حرب عن الناس بموجب دخلهم، وكما يجب أن يحظى المواطن بحصته من المياه وأن يدفع مقابل تزويده بها من دون أن يحق لأحد أن يخضع هذه الحاجة لدافعه بالربح، كذلك يجب ان يعطى الفرصة ليحصل على حصته من التراكم المعرفي لدى المجتمع، ومن المال الاجتماعي المستثمر في التعليم لمصلحة المجتمع ككل على المدى البعيد. ولذلك يجب ان يكون التعليم الجامعي حقا عاما. ولا يكفي أن يكون حقا عاما لا تستوعب الدولة الجماهير التي يقذف بها الى الجامعات، وترميها هي كعاطلين عن العمل الى الشوارع، بل يجب أن يستثمر في التعليم لكي تستوعب الأعداد وأن تخطط السياسة التعليمية في تنسيق بين الدولة والقطاع الخاص ومتطلباته، ومتطلبات التنمية وبناء الامة وبرامج تدريسها والأبحاث التي ينبغي أن تشجع في الآداب والتاريخ والعلوم الاجتماعية أيضا. ويفترض أن تجري هذه العملية برمتها من خلال عملية تفاعل مع المؤسسات الجامعية في العالم.

وأحد الحلول لتخفيف الضغط المجتمعي العددي على الجامعات هو التمييز بين كليات تدريس للدرجة الجامعية الاولى، وجامعات تدرس للشهادة الأولى أيضا، ولكنها تشمل الإنتاج المعرفي المنظم والبحث والشهادات العليا. والتمييز بين الكلية والجامعة لا يكون بالقسط الدراسي، بل يتم القبول إليها بموجب إنجازات الطالب وإمكانياته وخياراته.

لا يمكن للتعليم التجاري أن يضطلع بأي من هذه المهمات. فالاستثمار في البحث غير مجدٍ له. وهو لا يتخيل حتى الاستثمار بالطالب أو بالمدرس لكي يتطور علمياً. ففي مثل هذه الحالة لن تكون جامعة واحدة ربحية في العالم مهما ارتفعت أقساطها، لأن الاستثمار في العلم والبحث، وفي ساعات البحث على حساب ساعات التدريس وفي المرافق مكلف إلى درجة أنه غير ممكن دون معونات من الدولة أو صناديق وأوقاف من رأس المال الخاص. والتعليم الخاص هو أيضا بعيد جدا عن الأجندة المجتمعية وعملية بناء الأمة والمواطن.

لا بديل إذاً عن وضع برنامج من قبل الدولة العربية أو عدة دول عربية لتطوير التعليم الجامعي الخاص والعام غير الربحي وغير التجاري، والامتحان هو ضمان الحرية الأكاديمية في العلوم الطبيعية والاجتماعية وزيادة حجم الاستثمار في التعليم من الميزانية، وحماية الإدارة النزيهة للجامعات من الضغط السياسي والاجتماعي المعادي للمعايير العلمية في التوظيف وغيره.

لم يعد ممكنا تصور بناء مجتمع حديث من دون سياسة دولة وسياسة مجتمعية بشأن التعليم العالي، وذلك لأن هنالك حاجة لتحديد حجم الإنفاق على التعليم، بما فيه التعليم العالي من مجمل الدخل، ولملاءمة مستوى ومناهج التعليم الجامعي مع التطور العلمي في العالم، ولأن هنالك حاجة للاستثمار في البحث العلمي، وهذا أمر غير ممكن دون استثمار مجتمعي بعيد المدى، ولأن الآلية المفحوصة لجسر الهوة بين الطبقات والفئات الاجتماعية هي التعليم الجامعي: أولا، كأداة حراك للفئات الاجتماعية ولتقليص التفاوت بين الغني والفقير. وثانيا، لأنها الموقع الأهم لبناء نخب الأمة وقياداتها ولعملية جسر الهوة الثقافية والقيمية. في الجامعة يلتقي طلاب من نواح وطوائف وعشائر مختلفة، كما لا يلتقون في المدرسة التي باتت محلية في أغلب الحالات، وامتحان الجامعة يكمن في تحويلهم ولو بتفاوت إلى نخبة وطنية واسعة متعلمة وحرة التفكير.

التعليم الجامعي مكون أساسي من عملية بناء الأمة بثلاثة أعمدة:

1- جانبها العلمي يقوم على التفكير الحر والريبي وتشجيع النقاش والنقد والبحث، وإخضاع هذا كله لمعايير ومقاييس علمية كونية في سياق عصرها. وحرية الرأي الجامعية ليست ثرثرة كسولة بل هي حرية الرأي النقدية التحليلية القائمة على بذل الجهد في الوصول إلى المعلومات وعلى المنهج الذي ينظمها. ولكن يجب أن نذكر دائما أنه لا تكون دراسة جامعية حقيقية دون أجواء من الحرية الأكاديمية.

2- يقوم جانبها المجتمعي على بناء المواطن المنتمي لوطن ولغة وثقافة والواعي لفرديته وحقوقه كمواطن. الجامعة وطنية بلغتها وثقافتها وأجندتها، ولكنها كونية بآفاقها وبمعاييرها العلمية.

3- لا توجد جامعة من دون بحث علمي، فالجامعة ليست مجرد مكان للتعليم والتعلم، اي هي ليست امتدادا للمدرسة الثانوية. والبحث العلمي يحتاج إلى استثمار وإلى تقدير اجتماعي، كما يجب ان يتحول إلى معيار في تشغيل وتوظيف الأساتذة، أي يجب أن يفحص سنويا كم وكيف انتاجهم العلمي، ووضع المعايير لمثل هذا الفحص.

لقد تم عمليا إضعاف هذه العناصر وتفريغها من مضمونها في التعليم الجامعي العربي، بدءاً بالحرية الأكاديمية وتحديدها بتدخل من قبل الدولة، وحتى من قبل التيارات السلفية على أنواعها، ونهاية بالاستثمار في البحث العلمي واعتبار الأخير أساسا ومعيارا للنجاح والفشل. وفي بعض الدول حصل الأخطر إذ وجد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة طريقه إلى المؤسسة الجامعية وفي نظام التعيينات والترقية بدل معيار النجاح في البحث والتدريس.

ولم يعد ممكنا طرح بديل مجتمعي وسياسي من دون معالجة هذا المجال فهو مصدر خبرائنا ومهنيينا ومدرسينا وسياسيينا وصحافيينا وغيرهم. ولا عذر فالكوادر اللازمة لطرح وبناء البدائل متوفرة فعلا.

تحويل الصراع على اللغة الى صراع على الهوية


05/07/2007 09:46

ليس الاختلاف في الرأي تشرذما أو فرقة ولا التعددية انشقاقاً، بل هما من عناصر غنى الأمة الديموقراطية، فالأمة الديموقراطية ليست مولودا عضويا موحدا بل نتاج تفاعل التعددية والاختلاف في إطار سياسي واحد ذي سيادة وجهها الآخر هو المواطنة. ولكن ما يخشى عربياً هو التشرذم والفرقة والانقسام داخل الكيانات السياسية اذا تحول الخلاف إلى صراع هويات تمثل مصالح صيغت بشكلٍ لا يمكِّنها من العيش في إطار سياسي واحد، ومنها الطائفة والقبيلة وغيرهما إذا سيِّست.

وكأن هذه الجماعات العضوية القائمة لا تكفي نجدنا من ناحية أخرى نحول بأيدينا فوارق واختلافات وصراعات طبقية واجتماعية لا علاقة لها بالهويات الى هويات وثقافات وانتماءات وذلك بفعل زج عناصر أخرى مثل الفجوة في الثقافة والتربية. بأيدينا نقترف ببلاهة جريمة خلق فرقة غير قائمة.

وفيما ننظر من حولنا بذهول إلى حالة تشرذم السياسة العربية تجري الحياة اليومية وتعيد انتاج مقومات الفرقة والانقسام، ولكنها لا تلفت النظر عندما لا تكون سياسية صارخة أو طائفية أو عشائرية.

خذ مثلا مسألة اللغة العربية، ولا أقصد هنا تعدد اللهجات العربية أو تطور الفصحى، بل أقصد تحول اللغة العربية واستخدامها الى إشكال اجتماعي بدأ يحول فئات اجتماعية متباينة طبقياً إلى ثقافات متباينة. يجري هذا باتجاه معاكس لصيرورة أخرى إيجابية بفعل توحيد وسائل الاتصال للسوق الاعلامي. فهي تنتج موضوعيا لغة موحدة تتموضع ما بين المحكية والفصحى وتقرب اللهجات من بعضها بعضاً في الوقت ذاته.

ويصعب على مواطن ياباني أو فرنسي أو ألماني أو حتى اسرائيلي أن يفهم كيف يمكن أن يولد أطفال لوالدين فرنسيين أو يابانيين أو ألمانيين أو إسرائيليين ينمون وينشأون في بلدهم، ولكنهم لا يتحدثون لغتهم الأم لا في البيت ولا المدرسة، ولا يدرسون العلوم في بلدهم بلغتهم. فهذا أمر طبيعي وبديهي بنظر مواطن تلك البلاد ومطلوب حتى من المهاجر في بلده، فكم بالحري ممن ولد فيها؟ ولكن في بعض أوساط الطبقة الوسطى العليا في بعض الدول العربية من فاق اليابانيين والفرنسيين والكوريين والألمان تطورا. وبات استخدام الانكليزية في البيت والمدرسة وبين أهل عرب وأبنائهم في بلد عربي حالة منتشرة. وهي تؤسس لتحول الخلاف السياسي والطبقي والاجتماعي الى خلاف حضاري يحولنا إلى أكثر من شعب في البلد نفسه. نحن نؤسس بأيدينا لأن تصبح خلافاتنا في المستقبل حرب ثقافات. وحتى حيث لا يوجد سبب بين لذلك أو أساس موضوعي لذلك، فنحن نتكفل بصنعه.

يُكثر العديد من مدعي التنور العرب الحديث عن التفاعل بثقة مع العولمة بدل اعتبارها مؤامرة على العرب، والنهي عن الاحتجاج عليها والحث على الأخذ من الحضارة الإنسانية بفعل التفاعلات الكبرى الجارية في العلوم وفي اقتصاد السوق والحاجات الاستهلاكية وانماط المعيشة وغيرها، وأن نسأل انفسنا ماذا نقدم كحضارة للحضارة الانسانية في هذا العصر. وهذا حسن، ونحن نؤيد هذه النزعة لطرح هذا النوع من الأسئلة. ولكن كل الشعوب والدول التي ترفض إدارة الظهر للعولمة العلمية والتقنية والاقتصادية وتتفاعل معها وتتطور وتطوِّر مساهمتها من خلال ذلك بنماذج مثل اليابان وكوريا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وحتى إسرائيل العنصرية إنما تفعل ذلك بلغاتها هي. وتبقى الانكليزية لغة ثانية يفترض أن يتقنها المتعلمون طبعاً.

ويبدو لي ان المجتمع الذي لا ينجز ذلك في بلده بلغته، لا يتفاعل مع العولمة في الواقع ولا يتطور معها بل يقلد ولا يبدع، ويكرس تخلفه وتخلف مجتمعه. من لا يتفاعل مع العولمة ولا يجاري التطور في الاقتصاد والعلم والفنون بلغته يبقى على هامش الحضارة الانسانية ولا يساهم فيها، بل أكثر من ذلك يحجب التطور عن لغته ذاتها. فاللغة، ومعها المفاهيم والثقافة، لا تتطور اذا أقصيت عن الاستخدام في المجالات الديناميكية المتطورة والمتغيرة باستمرار مثل العلوم والفنون والاقتصاد، وإذا اقتصر استخدامها على الأدب والمقالة والخطابة مثلا. نحن نجد أنفسنا أمام وضع يتخرج فيه طالب جامعي من جامعته من دون أن يقرأ مقالا علميا واحدا بالانكليزية من جهة، ويتخرج آخر لا يتقن العربية من جهة أخرى ولم يستخدمها أصلا كلغة دراسة وتدريس منذ المدرسة الابتدائية. وكلاهما وجهان لعملة التخلف العلمي والاجتماعي نفسها.

«حتى» في الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا وكندا يتم التعليم والبحث والتدريس باللغة الأم، وهي في تلك الحالة اللغة الانكليزية. وعندما يستخدمها السكان لا يقلدون بذلك أحدا. إنها لغتهم الأم. وفي داخل كندا ذاتها، في إقليم كيبك يصر الناس على التعامل اليومي والرسمي والتدريس والتربية والبحث بالفرنسية.

يندب أبناء الطبقات الوسطى العليا العرب حال الجامعات والمدارس العربية ويتذمرون من وجود الجامعات الاسرائيلية الست بين الألف جامعة المصنفة أولى في العالم، وغياب الجامعات العربية عنها كافة. ويعكف بعضهم على بناء مدارس وجامعات خاصة تدرِّس بلغات أخرى غير العربية معتقدين أن هذا هو الحل.

توجد في إسرائيل جامعات خاصة وجامعات رسمية تابعة للدولة. وكلها تدرس بالعبرية، فقط بالعبرية. وسميت الجامعة الاولى الجامعة العبرية وليس اليهودية أو الإسرائيلية، نسبة الى اللغة والثقافة التي تريد احياءها وتطويرها من خلال التدريس بها والبحث العلمي بواسطتها. والجامعات الست المرموقة، بما فيها كلية الهندسة التطبيقية، هي العامة التابعة للدولة، لأن الدولة فقط تتمكن من رعاية البحث العلمي بهذه الكثافة، اما الجامعات الخاصة فهي كليات تدريس ومصانع شهادات في مواضيع مهنية غالباً. الحالة مختلفة في الولايات المتحدة طبعا حيث رأس المال المستثمر في التعليم الخاص والصناعة في الوقت ذاته، ولكن ليس هذا موضوعنا.

ولا توجد في إسرائيل مدرسة واحدة تدرس بغير العبرية إلا إذا كانت لأبناء العاملين في السفارات الاجنبية. فالعبرية في حالتهم ليست مجرد تواصل بل أداة بناء الأمة. وهي لغة لم تستخدم قرونا عديدة في الحياة اليومية وعندما نفض عنها الغبار كانت أقدم وأقل مرونة وغنى من العربية بفعل تحنيطها في الكتب المقدسة والتلمود وبعض الشعر، ولكن استخدامها بهذه الكثافة في العلوم والفنون والتعامل اليومي وفي إنتاج الحداثة بشكل عام فتحها للتطور. ونحن لا نود التوقف كثيرا عند هذا الموضوع، بل نود أن نؤكد فقط أن كلاً من التعليم الرسمي والخاص في اسرائيل يستخدم اللغة العبرية.

ليست الحالة الإسرائيلية نموذجا يقتدى بالضرورة، ولكني أجلب هذا المثل لأن المتغرِّبين العرب عموما مندهشون من إنجازاتها رغم كونها كولونيالية، وتصل الدهشة أحيانا حد الإعجاب كتعبير كسول عن نفور من الحالة العربية، وذلك من دون معرفة بالتجربة الإسرائيلية ذاتها ومن دون استعداد لمواجهة استحقاقات مثل هذه التجربة...

وخبراء التخطيط الأميركيون أنفسهم الذين يمتدحون التجربة الإسرائيلية في التعليم أمام مستمعيهم العرب، لا يستوقفهم أن الطالب الإسرائيلي يخرج من هذه التجربة بانكليزية مكسرة ومضحكة كلغة ثانية، ويشجعون الانتقال للتدريس بالانكليزية عند العرب... نقطة للتفكير.

ومن معرفتي بمناهج التدريس الرسمية في مدارس لبنان والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية فإنني اعتقد أنها لا تقل جودة عن الإسرائيلية وحتى الأميركية، أن لم تكن أجود. ولا استبعد أن يسري هذا الحكم على دول عربية أخرى لا أعرف مناهجها. الفرق في حالة إسرائيل هو في الاستثمار المالي والاجتماعي الرسمي في التعليم، وحجم هذا الاستثمار من الموازنة وتوزيع العبء التخطيطي بين البلدية والحكم المركزي واهتمام أولياء الامور.

وكلما زادت الفجوة الاجتماعية في إسرائيل نشهد مظاهر تردي التعليم كما في بلدان العالم الثالث وكما في حال المدارس المتوفرة لأبناء الطبقات الفقيرة في الولايات المتحدة. وعلى كل حال لا يكمن الحل بإقامة مدراس جديدة للنخبة تدرس بمنهج آخر ولغة أخرى غير العربية. فهذا يفقر ويقلل الاهتمام بالتعليم العام، ويسحب منه الطلاب والمعلمين الجيدين والأكفاء ويفقر اللغة. وإذا كان هذا كله لا يكفي، نضيف الامر الحاد الذي بدأنا به هذا المقال أنه يحول الفئات الاجتماعية المتفاوتة طبقيا الى ثقافات تكاد تكون شعوبا تتكلم لغات مختلفة وتتباين في الفضاء الثقافي والذوق والعاطفة وحتى في روح الدعابة. وطبعا تهيمن ثقافة الطبقة على من يقدم لها الخدمات حتى لو كان نادلا في مطعم أو سائقاً فإنه يجد نفسه يتكلم الإنكليزية المكسرة متباهيا دونما حاجة، لأن من يتكلم معهم يتقنون العربية مثله ولا يتقنون الانكليزية مثله أيضا.

لا يجارينا في هذا الوضع سوى الهنود. وقد يفطن أحدهم الآن بعد أن ذكرته فيعيرني قائلاً: أنت تناقض نفسك، فالأخيرون باتوا يبدعون في العلوم. هذا صحيح، ولكن الإبداع الرئيسي الذي يتفوقون فيه هو في علوم هي لغات قائمة بذاتها مثل الرياضيات وعلوم الحاسوب. وهنالك طبعا آلاف الهنود الذين يبدعون في العلوم والفنون والآداب في سياق آخر ودول أخرى في الغرب مثل آلاف العلماء العرب الذين يبدعون في الخارج. يجري هذا في سياق ثقافي مختلف تماما، ولا يعني إطلاقا مساهمة عربية في العلوم والفنون. ولا يعني مساهمة في تطوير الثقافة العربية أو المجتمع العربي. فمساهمة العربي التي نعتز بها في فرنسا أو أميركا فرنسية أو أميركية أو هي على الأقل جزء من التنوع القائم في فرنسا أو أميركا، ومن إنجازات مؤسساتها الأكاديمية والثقافية، ولا مانع بعد ذلك من الافتخار لمن يريد.

في مراحل النهضة العربية الواعدة كان أبناء الطبقات الميسورة يصلون حتى الى جامعتي اكسفورد وكامبردج وغيرهما بلغة عربية كلاسيكية وانكليزية ممتازة، ويتخرجون ويبدعون بلغتهم الأم، وقد تطوروا بالعربية، وطوروا اللغة العربية. وكان هذا من معالم النهضة.

ونحن لا نعتبر هذا النموذج مقدساً، ولا يجوز التعصب، فلا يضير أحدا ان يستخدم تعبيرا بالانكليزية من علم من العلوم في كلامه لغرض الدقة ثم يترجمه فورا بعد ذلك مفتتحا حوارا أو على الاقل تفكيرا حول أفضل ترجمة له. لا مشكلة في إدخال تعبير هنا وتعبير هناك من اللغات الاجنبية في الكلام في إطار السعي لإيجاد مرادف عربي.

أما النفور من العربية من دون إتقان الانكليزية ولا غيرها فهو مؤشر على إمكانية انحلال وليس دليل نهضة. والأهم من ذلك أن ما يجري دونما حاجة هو زرع بذور نبتة شقاق سامة بين ثقافتين متباينتين. ما فعله المستعمرون الفرنسيون في الجزائر حوَل الصراع الاجتماعي بعد عقود الى صراع ثقافي دموي ترافقه أزمات هوية حادة وردود فعل عصابية جماعية، نقوم نحن بصنعه بأنفسنا في مرحلة الانحلال هذه.
نقطة للتفكير.

المسؤولية الوطنية ما بعد هذا الإنقسام


28/06/2007 08:01

أقيمت حركة حماس من قبل تنظيم الإخوان المسلمين. وبدأ العمل على إقامتها في العام 1984، وقد بادر إلى ذلك شباب الإخوان الفلسطينيين ممن تأثروا من التنافس مع القوى والفصائل الوطنية في الانتخابات الطلابية وغيرها، وأصروا على إقامة حركة مقاومة للاحتلال. ومن هنا جاءت سهولة تنظيمها بعد بداية الإنتفاضة الأولى مع صدور بيانها الأول في كانون الأول 1987. فمن اعتبر بيانها مفاجأة كان يجهل حجم الإعداد الذي سبقه واتساع القواعد السياسية والإجتماعية.

ومنذ ذلك الحين اتجهت الحركة بالتدريج إلى تجاوز الإخوان التقليديين انفتاحا على الحركات الأخرى، وفي مرونة الموقف الاجتماعي، وفي دينامكيتها السياسية وفي أساليب النضال. ولذلك لا يخطئ من يعتبرها حركة تكفيرية فحسب، بل يتجنى على الواقع والحقيقة. إن من يعتبر حركة وطنية واسعة مثل حماس حركة تكفيرية هامشية يقوِّض إمكانية بناء المقاومة، وحتى المجتمع في فلسطين. وهو نفس النهج الذي يجهض إمكانية بناء الديمقراطية في المجتمعات العربية.

ولا شك أن عملية بناء الديمقراطية وعملية بناء الأمة عربيا تحتاج إلى اتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية بين التيارات السياسية الرئيسية. ونحن نلحظ تقدما في هذا الإتجاه من قبل التيار الإسلامي الواسع والذي يميز نفسه عن التيارات التكفيرية. يجب أن يقبل التيار الإسلامي قواعد اللعبة الديمقراطية ومبادئ المواطنة المشتركة والحريات وثوابت الدولة القومية. ولكن كل من يرى إمكانية لعملية ديمقراطية دون الحركات الإسلامية الواسعة في أيامنا، لا يدري عم يتكلم. فعملية استثنائها تعني تكريس نظام الحكم غير الديمقراطي. وإذا كانت هذه الحركات ممتدة اجتماعيا وسياسيا ورفضت إقصاءها يتحول النظام ومعه قوى سياسية إلى القمع الدموي السافر الذي يحول ممارسات الحركات الإسلامية المتوقعة في الحكم إلى مسألة نظرية في مقابل الواقع الدموي. ويتحول مثقفون علمانيون ممن يستفزهم كل مظهر قمعي من الحركات الدينية إلى التنظير للقمع الدموي من قبل الأنظمة.

ومن ناحية أخرى ثبت أن توق الحركات الإسلامية الواسعة إلى المشاركة وتعاملها مع الفئات الإجتماعية الواسعة والعملية السياسية يؤدي إلى إصلاحها لذاتها ولمبادئها، في حين أن فرض العزلة والإقصاء عليها يؤدي إلى إمعانها في الموقف الرافض للمؤسسات والنظم الحديثة وتكفيرها. ليس للقوى الديمقراطية من بديل سوى محاورة الحركات الإسلامية الإجتماعية السياسية الواسعة ومحاولة التأثير عليها، بشرط أن توافق الأخيرة على هذه العملية وتنفتح لها.

إن من يتهم حماس بأنها حركة تكفيرية هو إما مغرض، أي ذي غرض آخر غير ما يقول، أو لا يدري عم يتكلم. ومن يرى بإمكانية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني دون التيار الإسلامي الواسع على الساحة، وهو يشمل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لا يتحدث عن معرفة وتحليل يؤسس لرأي مختلف حول إعادة بناء المشروع الوطني، بل يقصد في الواقع مشروعا آخر. وهو مشروع لا يستند إلى الإجماع الوطني الفلسطيني بما فيه الإتفاق على قواعد اللعبة التي يجب أن يحترمها التيار الإسلامي، بل يعتمد على تفاهم، وربما تحالف، مع إسرائيل وأميركا ضد الإجماع الوطني الفلسطيني.

ولا يهم في موقفه هذا المتفاهم مع إسرائيل إذا كانت القوة التي تحركت للإمساك بالأجهزة الأمنية في غزة حركة إسلامية أو علمانية، المهم بالنسبة له أنها ضد التسوية والمهم أنها ترفض استخدام الأجهزة الأمنية ضد المقاومة، ولا تقبل أن تكون هذه الأجهزة في خدمة تيار سياسي بعينه. هذا وحده يكفي لكي يعتبرها عدوا ويرفض الحديث معها. والحديث يدور عن تيار هو أقل من فصيل، بل لا يتجاوز أن يكون تيارا داخل فصيل يستخدم الأجهزة للسيطرة على الفصيل ذاته ثم لفرض أجندته السياسية ضد المقاومة وضد خصومه.

من هذه الناحية لا أهمية لهوية التيار الذي ربح الانتخابات ومُنِعَ من ممارسة دوره وحرم من السيطرة على الأجهزة الأمنية كأي حكومة تتشكل، بعد أن ربحت انتخابات. لا أهمية مبدئية هنا لكون حماس حركة دينية. ولنفرض أنها حركة مقاومة علمانية رافضة للتسوية وربحت انتخابات في مثل هذه الظروف، هل كان سوف يسمح لها بالسيطرة على الأجهزة الأمنية كحكومة منتخبة؟ ألم تكن لتتعرض إلى حصار بسبب إصرارها عى المقاومة ورفض التسوية مع إسرائيل؟ وهي بدورها ما كانت لترضى بهذا الواقع. ولا علاقة لكونها أصولية أم إسلامية أو علمانية بمجرى الأمور هذا. لا ترضى حكومة علمانية أن تكون الأجهزة الأمنية ليس فقط خارج سيطرتها بل أداة في محاربتها ولفرض تيار سياسي بالقوة، وهو تيار لا يرضى بالوحدة الوطنية ولم يربح الانتخابات، ولا حتى داخل فصيله. ولنذهب هنا أبعد قليلا فنقول إن الجرائم التي ارتكبت في حالة ميدانية تصعيدية تدهورت إلى انتقام وثأرية وتدحرجت أثناء القتال لا تميز حركة دينية تكفيرية بالضرورة بل تميز الغوغائية عموما عندما تسيطر على الشارع. ولا أريد أن أذكِّر الناس بمشاهد تاريخية لثأرية حركات علمانية ودينية على حد سواء في حروب أهلية في دول بعيدة ومجاورة.

ولذلك فإن النصوص التي تستحق التعليق والتي تناولت أحداث غزة الأخيرة من منطلق دينية حماس كحركة إسلامية، وتجاهلت كونها حركة مقاومة شعبية واسعة وعريضة وربحت الانتخابات وحوصرت وتم التآمر عليها، حولت رابح الانتخابات إلى انقلابي وقادة الأجهزة الأمنية إلى ضحية انقلاب. إنها في الواقع نصوص غير مسبوقة في تلفيقيتها وقلة استقامتها ورهانها على عداء القارئ للحركات الإسلامية أو الخلط بينها بشكل يخجل منه حتى المستشرقين. لا علاقة لهذه المواقف لا بالتقاليد الديمقراطية ولا بالإنصاف، ولا بصرامة التحليل والدقة المطلوبة من مثقفين.

كاتب هذا المقال يخطئ دخول حركة حماس السلطة أصلا، ولكن أين ممارسات حركة حماس الأصولية أو التكفيرية في السلطة. وكيف يمكن لمحلل يحترم نفسه أن يتجاهل حتى التغيرات التي طرأت على الحركة وتطورها في السنوات الأخيرة.

كل هذا لا يعفي حركة حماس طبعا من التعامل بمسؤولية وطنية مع ما جرى ويجري بعد أحداث غزة، بدءاً بأول تنسيق عربي رسمي علني مع إسرائيل على هذا المستوى ضد المقاومة، وانتهاء بتفنيد فكرة الإمارة الإسلامية المغرضة التي استوردت لاستدعاء تداعيات سلبية من حركات سلفية قرسطوية على نمط طالبان للتحريض. على حماس أن تثبت أنها لا تفرض آراءها ونمط حياة رجالها ونسائها على الناس في غزة تحت أي مسمى كان، ولا حتى كما يجري في بعض الدول العربية "المعتدلة" التي لا تشكل مشكلة بالنسبة لمثقفين علمانيين معتدلين ممن استنفروا ضد حماس. وعلى حماس أن تمتنع عن مثل هذه الممارسات ليس لكي تعجب أحدا، بل لأن ممارسة الفرض والقسر الديني ممارسة باطلة، ولأن هذا ليس هدفها في مرحلة التحرر، ويجب ألا يكون هدفها بعد التحرر. ويتوجب على حماس أن تدير قطاع غزة بحكم صالح وشفافية ونجاعة وبتعاون مع كافة القوى السياسية والاجتماعية التي استثنيت من حكومات فتح وحماس، وكما يستحق أهل غزة الذين عانوا الأمرين تحت الاحتلال وتحت أوسلو في ظل السلطة.

ويبقى الأمر المهم هو تجاوز تقسيم المشروع الوطني الفلسطيني إلى كيان سياسي محاصر في غزة يصارع على الخبز والوقود، وكيان آخر يقزَّم إلى استعادة امتيازات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية لنخبة أوسلو المتحررة من الشراكة مع حماس التي كلفتها حرمانا مما تعودت عليه منذ تلك الأيام. الأمر الأهم هو تجاوز إخراج القضية الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني من النقاش، وفي مقدمتها القدس والعودة وإزالة الاحتلال والمستوطنات.

ولذلك فإن امتحان حماس هو في قدرتها على اجتذاب القوى المجتمعية والفصائل المعارضة فعلا لهذا الانقسام، وغير القابلة لنموذج سلطة ترفض الحوار مع حماس في حين تحول الحوار مع إسرائيل إلى تنسيق مواقف، أي تحالف، ضد حماس. وبعد أن تكسب حماس ثقة هذه الفصائل التي خسرتها في عملية تقسيم الحصص مع فتح في الحكومة سوف يكون عليهم جميعا مناقشة السلطة وشخوصها الرافضة للحوار والفرحة بالتخلص من اتفاق مكة وعبء الشراكة مع حماس، ليس في منافسة بين النموذج الناجح والفاشل بين غزة والضفة، بل على المشروع السياسي.

يجب أن يطرح السؤال حول المشروع السياسي لهذه السلطة التي يتبارى العالم على الاعتراف بها كحكومة طوارئ. حسنا، مبروك. وماذا بعد؟ هل سوف يؤدي هذا الاعتراف لتصعيد المعركة ضد حماس أم لتعزيز موقف السلطة التفاوضي لاسترجاع الحقوق الوطنية الفلسطينية. "ولنكن واقعيين"(!!)، فنحن لا نتوقع منها أن تحرر القدس ولا أن تحقق حق العودة، ولكننا نتوقع أن تتمكن مع كل هذه الاحتضان الدولي والإسرائيلي من العمل على إزالة الجدار وإزالة المستوطنات، وألا تقبل أن تخضع من جديد لامتحان اثبات جديتها في العداء لحماس بقطيعة أوثق مع غزة وبممارسات أكثر قمعية ضد المقاومة في الضفة الغربية مثلا. هذا مسار يقود إلى التهلكة بغض النظر عن المعاشات والامتيازات وتصاريح الخروج والدخول من وإلى فلسطين، وحتى جلب القوات وتعزيزها..

في المقابل يجب أن تطالب حماس بضمها إلى إطار وطني أوسع يتجاوز الإنقسام الحاصل في المناطق المحتلة ويلتف عليه إلى فضاء القضية الفلسطينية كشعب وكقضية وطنية شاملة. يجب أن يبدأ الحوار هنا، من خلال إعادة بناء منظمة التحرير. وإذا رفض ذلك وتم تقزيم المنظمة إلى أداة في خدمة جدول أعمال سلطة سياسية في الضفة الغربية فيجب التفكير بكيفية وإطار تفاعل القوى السياسية الرافضة لهذا الإنقسام، الرافضة لرفض الحوار، والمستقلين والمثقفين وكافة الفئات التي ترى في هذا الواقع المشوه افتراءً على الشعب والواقع والتاريخ، من أجل طرح وتمثيل القضايا الوطنية الكبرى بشكل يتجاوز مؤامرة النموذجين في غزة وعلى جزء من الضفة.

Empty-hearted secularism

False oppositions and machinations are rife in the Arab world, where secularism has become a corrupted political fashion, writes Azmi Bishara

Modern Turkey has never experienced as extended a period of stability and economic growth as it has under the last government. This government was led by the Justice and Development Party, which just scored another major electoral triumph in the Turkish general elections. In its victory speeches, the Islamist party pledged to safeguard the constitution of Turkey's secular republic. As I recall, in the trial over the murder of the Egyptian writer Farag Fouda, some mainstream members of the Muslim Brotherhood testified on the behalf of the accused that the killers had been rightfully motivated by religious zeal, because the secularism that Fouda advocated was heresy. What a striking difference! One Islamist party swears to uphold the state's secularist system while another rules that secularism is anathema and justifiable grounds for murder. Not that this kept mainstream Islamist movements from jubilation, in turn, over the victory of a party whose position on secularism they would roundly condemn if that party had declared it openly in their own countries.

The Justice and Development Party is far from a leftist or liberal democratic party. But it has certainly governed Turkey better than any other Turkish party that I know of, leftist, liberal, republican or otherwise. Even so, it did not have any easy ride. At one point it had to dissolve and change its name. More recently, it was the victim of a massive hate campaign waged by the left and right in concert in the name of secularism.

Many factors combined to propel this mainstream Islamist movement to embrace parliamentary life. For one, the military establishment certainly put a cap on its ambitions. Undoubtedly, too, Turkish cultural and national identity, the conflicting ramifications and repercussions of globalisation, and economic progress and development also played a part. Whatever these factors were, the party retained its equilibrium, adjusted to present limitations, and decided to play by the rules of the game.

This placed Europe in an awkward spot. As it hemmed and hawed over granting membership to an industrially developed nation with a democratically elected government, a nation many times better than some of the Eastern European countries that were gaining admission, Europe was once again exposed for its widespread and deeply seated undercurrent of racism. But the platitudes keep coming fast and furious to cover up the resounding moral collapse of European policy towards Turkey (in spite of a brave attempt to revive it in the post- colonialist era of the Kreisky and Brandt generation), a collapse that was merely a sideshow to the even more telling and more hastily swept under the carpet collapse of the German handling of the Jewish question and Palestine.

Of course, the issue has some bearing on the history of Islamism in Turkey. Unlike in the Arab world, Turkey never had that clear divide between radical political Islam versus mystical Sufism on the one hand and the conservative clergy on the other. In Turkey, things are more subtle: a vast social base of subscribers to a rational and tolerant form of Sufism and an invisible give-and-take between "the military" and "the Sufi lodge" that is constantly recalibrating itself.

While in Turkey, a victorious Islamist party displays more moderation, rationality and pragmatism, and less demagoguery and populism than all its secularist rivals, the Arab world is experiencing a curious decline in the rhetorical lip service paid to democracy. I say "curious" because one sniffs hidden agendas and because there is a sudden increase in the talk of "secularism" and "the unity of secularist forces". Not that this should be all that surprising. Most of the ruling regimes are secularist and undemocratic, and most of the corruption they foster, and the nepotism they thrive on, is secular. At the same time, everyone knows that democracy could open the corridors of power to Islamist forces. Not that anyone would be so bold as to come out against democracy, even if they never supported it in their lives. The fashion, now, is to say you're a secularist instead.

Of course, there are some very sincere liberal secularists out there who have not been co-opted by the prevailing regimes and sucked into their cycles of corruption. Many of these oppose suffrage for all, a position that, as much as I take issue with it, I find I have to respect. I'm the last to claim that "democracy is the solution", to borrow from the Muslim Brotherhood chant "Islam is the solution." I don't subscribe to panaceas.

This said, secularism to some is a way of life; as opposed to a political philosophy that espouses the separation of religion and the state. More often than not, these self-acclaimed secularists are not secularist at all, but inveterate narcissists who do not like to be crossed. They worship worldly values perhaps more than others revere spiritual ones, and they can be more fundamentalist and verbally and physically aggressive in the defence of these values than ultra nationalists and even ultra opportunists. Criticism puffs up their vanity even more and goads them into peddling to the consumerist middle and upper classes a rhetoric seething with a phobia of religion and religious devotion. In effect, they have founded a new secular religion that is hostile to Islam in particular. And they are not put off by the George W Bush brand of fundamentalism and the bigotry of a broad segment of his grassroots base.

Democracy was fashionable among some antidemocratic intellectuals at the time the US moved to export democracy by gunboat. They joined the American chorus in the chant that some regimes can only be changed from the outside, even though some of these intellectuals were good friends with the regimes in question and moved from one to the other when they had to. A life of luxury sometimes depends on someone to support it, and the intellectual life in our countries certainly can't feed itself as well as that mode of "secular" existence. But what is sadder yet is that these panderers to American rhetoric dropped democracy like a hot potato as soon as the neo-cons (apart from Bush) realised that their advice was backfiring and decided to revert to their former pragmatism that entailed taking their allies for better or worse, laying off with the democratisation blackmail and reconciling themselves to that bitter truth that political reform only opened the floodgates to their enemies. So much is perfectly understandable. What defies comprehension, however, is how fast our neo-liberals, here, took up "secularism" in the course of this past year. "Secularism," now, has become a multipurpose word. It can even be used to justify siding with Bush, Olmert and the secular Arab regimes against what the legitimately elected Hamas movement did, let alone to support the practices of corrupt security agencies in defending the secular consumerist way of life in the face of the backwardness of those who turned against it.

Of course this brand of secularism has very little to do with the latest definition of secularism as privatising religious self-determination and separating it from the public sphere, and very much to do with taking a stance against political Islam. It is a position that expresses itself in the Arab world in the form of corrupt regimes that have hitched themselves to the skirts of Western powers and, occasionally, Israel. Here, secularism is not a prerequisite for democracy, or a means to rationalise politics, but a form of the worship of consumerism and the wares of certain classes.

Secularist forces, in their original sense or in the latest sense of anti-Islamist forces, do not form a sufficient majority to establish a democratic order. They are highly dependent upon dictatorships. In the best of circumstances, they criticise dictatorship without presenting a democratic alternative. But this is a form of camouflage. Secularist forces will never be able to offer a democratic alternative until they, themselves, become democrats and conceive of a reasonable way to run the country in a democratic and secular manner. But this challenge will remain beyond their reach unless they take into account the influence of Islamist parties and Islamist political forces.

Democratic secularists must reach out to and speak with Islamists. There is a vast spectrum of them, and it is important to distinguish between those who share democratic values and those who condemn the democratic process. To toss all of them into a single basket on the grounds of a shared religious frame of reference is to be pointlessly rigid and closed-minded. Even if secularists have some grounds for suspicion, to yield to this sentiment is irrational and futile. The fact is, not only is there a rift in the greater Islamist movement; its mainstream segment will constantly evolve the more it is given the opportunity to involve itself in the affairs of society and state, and the more it discovers, through practice, the diversity and limitations of pluralistic interaction. In addition, the desire to attain and keep power necessitates certain compromises with both self and others.

But reaching out to Islamists does not mean flattering them to the extent of abandoning important secularist principles. Nor should it stem from that paternalistic self-righteous attitude that Arab nationalists, in particular, seem to cling to without cause. Islamist movements have deep experience and diversified expertise; they do not need tutors or custodians, but people they can converse with and whom they can trust at times when it is necessary to fight for a common cause. The Arab nationalist trend may still attract the majority of the Arab public, and its Nasserist version may still appeal to the majority of Egyptians. However, it is not a sufficiently unified and organised movement to make its political clout felt. For this, it has only itself to blame. It should not cast the onus on organised Islamist forces to carry out tasks it should have performed itself long ago. For Arab nationalists to turn around now and exclude Islamists on the pretext that they are not "secularist", and therefore not ready to practice democracy, apart from being hypocritical, is unrealistic. What kind of democracy excludes that many people from across the various sectors of society and with such enormous potential to offer the nation?

Of course, the Islamist mainstream must be expected to abide by both the spirit and principles of democracy. This does not only mean adhering to democratic practices, such as holding free and fair elections and handing over power peacefully when the polls tell it to. It also means respecting the human rights and civil liberties of all citizens during its period of rule, something for which Arab "secularist" governments have a dismally poor track record. Islamists will also be expected to accept and work for the national agenda and to honour and safeguard national sovereignty. Equally, if not more importantly, it must do this in collaboration with other political forces and, moreover, it must educate its own rank and file on how to engage in a constructive process of give-and-take.

This brings me to some observations on the difference between internal awareness raising and the discourse used to placate others. The very fact that a movement perceives the need to modify its discourse to allay the qualms of others is, in itself, a significant development, even if the discourse has yet to be channelled for absorption within the movement. Islamists that brand all other political movements and ideologies heretic do not care at all about how others think of them. Of course, the radical left, in its time, made no such distinctions. To it, hypocrisy was worse than fascism and, anyway, it perceived little difference between social democracy and Nazism: both were essentially forms of the rule of the bourgeoisie. To me, Nazism and fascism are worse than hypocrisy. So is absolutist Islamism. However, the transformations through which mainstream Islamist movements are passing are not hypocrisy, but a historic imperative for the type of reforms needed to make the transition to a real and robust democracy. This fact must be acknowledged and handled appropriately.

Those who do not recognise that the Muslim Brotherhood has undergone a sea of change since the days of Sayed Qotb, that Hamas today is not what it was a few years ago and that Hizbullah is not the same party that shot Shia leftists in the 1980s are, themselves, fundamentalists of a different stripe. They cling to their ideas or preconceptions without subjecting them to rational scrutiny or the light of reality, whether out of rigid closed-mindedness or simply because it is not in their interests to try to understand. Or perhaps it is because they, too, have changed? I, for one, find it difficult to understand a left that now finds itself collaborating with the US and Israel against Islamists. I find it even harder to understand a left that is now so remote from the poor and the culture of the underprivileged, and from the quest for social justice, and is so cosy with the prosperous classes that are so aloof from their own societies.