Tuesday, May 29, 2007

وهم التعامل مع الدين والتدين كأداة


أحيانا تثبت التجرية التاريخية ما كان يمكن التوصل اليه بالعقل وحده حتى دون تجربة تاريخية: ان استخدام الدين، والأهم من ذلك استخدام المتدينين،كمجرد أداة هو وهم، بل قد يتحول وهما قاتلا. فالدين، والأهم من ذلك، التدين، وخاصة التدين السياسي، ليس أداة، وبالتأكيد ليس أداة للاستخدام من وجهة نظر المتدين.

تؤمن الحركات الإيديولوجية الشمولية علمانية كانت أم دينية بوحدة التنظيم والإيديولوجية، والنظرية والممارسة، والهدف والوسيلة... ويجب أن تقدم أي خطوة لأتباعها كأنها أداة وهدف في الوقت ذاته. وإذا فرض الواقع فرقا بين النظرية والممارسة، وبين القول والفعل الخ، فهي لا تعتبر ذلك مصدر حرج، ولا حالة يجب تصحيحها وتبريرها، فالوحدة قائمة بأثر قبلي، وهي مؤدلجة أصلا... ولا حاجة لبذل جهد فالتابع لإيديولوجية من هذا النوع يبرر أي فجوة كهذه بوجود مؤامرة لدى الخصم، أو حكمة مخفية لدى قيادته هو. ولا تفهم الفجوة بين القول والفعل القائمة في التعامل مع قوى تكفرها هذه الحركة ولا تقدم كأنها فعل اضطرار، فالحركة التي تطلب التضحية بكل شيء لا تخضع فجأة للاضطرار، بل تطرح الخطوة مهما بدت غريبة كأنها مقصودة تأتي ضمن خطة، ولكن هذا الغرض وهذه الخطة مكنونة في التاريخ أو في نفس الزعيم أو الأمير بحكمته.
خذ مثلا تلقي هذه الحركة دعما ماليا ولوجستيا من قوى تختلف معها!

لا يصعب على قوة سياسية براغماتية، دولة مثلا، أن تبرر دعمها لحركة كهذه لنفسها، ولكن يصعب عليها تبرير مثل هذا الدعم لجمهورها كمجرد أداة وليس هدفاً. وهو أداة لهدف أسمى منفصل عن طبيعة تلك الحركات مثل منع التمدد السوفييتي في حينه، أو إبعاد حركة الشيوعية، أو إضعاف هيمنة أميركا، أو حتى إضعاف خصوم النظام الجديين بواسطة تقديم المعونة والدعم لقوى غير جدية في تهديدها للنظام، ولكن يمكن ان تكون جدية في تهديد خصومه... مثلا دعم القاعدة من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وغيرهما ضد النفوذ السوفييتي في أفغانستان، ثم دعم طالبان من قبل باكستان والسعودية في أفغانستان، ودعم الجماعات الإسلامية في مصر من قبل نظام السادات مباشرة ضد القوميين واليساريين في مصر... أو من الناحية الأخرى دعم السوفييت لقوى قومية متطرفة ومعادية للشيوعية ذاتها للوصول الى الحكم ضد قوى تقليدية ولكنها حليفة لأميركا، أو دعم أنظمة علمانية ويسارية لقوى دينية أصولية في بلدان مجاورة ضد نظام خصم... تعتبر القوى السياسية البراغماتية أو القوى الحاكمة المسألة مسألة نظام يدافع عن نفسه ومصالحه، وهو يفعل هذا سرا، لان مثل هذا التبرير ليس من الفضائل والمناقب المعتد بها، وهو بحاجة أن يبرر نفسه بحرج إذ يعتبر هذا العمل فضيحة عند من يقبض طبيعة النظام او طبيعة القوة السياسية العلمانية أواللبرالية او القومية مثلا بجدية.

ويسهل ذلك على أنظمة براغماتية إذا كانت تتصرف كأنها إيديولوجية، خاصة عندما تكون القوى المدعومة قريبة من إيديولوجية النظام المدعاة، كما في دعم الصين مثلا نظام الخمير الحمر الأسطوري في استعداده لإبادة شعبه في كمبوديا، ودعم طالبان والقاعدة من قبل دولة براغماتية في الدفاع عن مصالحها ولكن تقدم نفسها كصاحبة إيديولوجية قريبة منهما، ويبقى الحرج والفضيحة من نصيب دول تطرح ذاتها كديمقراطية لبرالية ولكنها تتورط في جهد كهذا باستمرار.

على كل حال يبقى الموقف استخدام الآخر كوسيلة مصدر حرج يحتاج الى تبرير وشرح حتى لو عرف الجميع ان هذا التبرير هو مجرد ضريبة تدفع، فلا احد يفاخر بحساباته الباردة وبانعدام الروادع لديه إلى درجة التواطؤ في دعم قوى لا تخضع لقوانينه ومعاييره التي يعممها في دولته عند استخدامها للعنف ضد دول أخرى وضد المدنيين مثلا.

يختلف الموقف تماما من زاوية من يتم استخدامه كأداة. فالحركات التي تستخدم كأداة، إذا كانت شمولية الإيديولوجية، لا ترى اي حق أو حقيقة في سلوك حزب أو نظام أو شخص آخر، ولأنها تعتبر الحقيقة المطلقة في حوزتها فإنها قد ترفض التعاون مع أي طرف، وقد تقبل التعاون مع أي طرف، الأمر سيان، فلا فرق بين هذه الأطراف بالنسبة لها. لا فرق بين قومي ويساري وديني طالما الحقيقة كلها عندها. وبالعكس هي تعتبر عادة الأقرب لها هو الأخطر والأسوأ، وذلك ليس لأنه ينافسها على نفس الجمهور، كما يجري عادة تفسير سلوك قوى متنافسة في عملية انتخابية، بل لأنه ينافسها على نفس الإيديولوجية وعلى نفس الحقيقة وتكمن خطورته في أنه يشوه ويلوث هذه الحقيقة، ولذلك فهي غالبا ما تشتبك بشكل أعنف مع القوى الأقرب لها حتى لو دعمتها في الماضي.

وهي إن تلقت الدعم من طرف لا تتفق معه، فهي تدرك تماما أنه لا يدعمها عن حسن نية أو لأنه يتفق معها، ولذلك فهي تبقى محصنة من التأثر بهذا الدعم. وهي تتلقاه طالما تعتبر انه لصالحها، وطالما كان بالإمكان تفسيره في خدمة الهدف. فمثلا تلقي السلاح من نظام تعتبره عميلا أو تكفره ليس عارا، بل يصب في خدمة هدفها.

كل من يعتقد أنه يستغل حركة إيديولوجية شمولية كأداة لتحقيق أهدافة، مصيره أن يفهم أنهه هو الأداة في يدها. وهي التي تستخدمه وتستخدم دعمه لأهدافها، وهي لن تتورع عن الاصطدام معه إذا لزم. فمن استخدمه السادات لإضعاف القوى التاريخية التي انقلب عليها انقلب عليه عندما اصلب عوده إلى درجة قتله.

ليس صحيحا أن الأنظمة تفتعل مثل هذه الحركات بالمال، فالإيديولوجية لا تُفتعل ولا الإيمان، ولمثل هذه الحركات عادة قواعد اجتماعية او عقيدة أو تاريخ تستند اليه، أو كل هذه العناصر مجتمعة، وهي عناصر لا تشترى ولا تصنع. وهي تستعصي على الاستخدام المحض، حتى لو اعتبرها النظام الذي يستخدمها مجرد وسيلة. ولكن العقل يثبت قبل التاريخ، والتجرية التاريخية تثبت أن هذا الاعتقاد هو ضرب من الغباء. فبنظر من يؤمن بهذه العقيدة أو الإيدلويجية الشمولية ثمة تناقض كامل بين الإيمان ومجرد تسخيره كوسيلة، وهي من طرفها تعتبر مجرد قبولها بدعم نظام تخوِّنه او تكفره مجرد وسيلة لتقوية ذاتها وأهدافها السامية والتي لا يفهمها هؤلاء الذين يقدمون لها الدعم.

هكذا وجدت أميركا نفسها في حرب شاملة مع من اعتقدت انهم يشكلون خصما غير جدي لا ضرر في دعمه ضد خصوم جديين من نوع القومية العربية والأنظمة التحديثية وغيرها من القوى التي تحالفت مع السوفييت في حينه.

في لبنان تكررت هذه اللعبة عشرات المرات ومن قبل قوى ومحاور دولية ودول عربية اتخدت من لبنان حلبة لصراعاتها، أو من قبل قوى طائفية محلية غير أصولية.

ففي إطار سعيها لتجييش طوائفها في الصراع ضد طوائف أخرى وجدت قوى طائفية غير دينية الطابع نفسها تعزز وتشجع حركات أصولية داخل طوائفها. أما الحركات الأصولية فلا تعتبر دعم هذه القوى العلمانية لها الا وسيلة لتقوية ذاتها في الطريق الى تكفير حتى من دعمها، بل أولا من دعمها، لأنها تعتبره منافسا على تفسير نفس الحقيقة التي يشوهها في نظرها.

من قرر ان يحول جمهورا كان يعتبر نفسه مؤلفا من عدة طوائف، او لا يعتبر نفسه طائفة أصلا إلى طائفة واحدة منظمة في مواجهة طوائف أخرى، أو في تعاون معها، لا بد ان يدرك أنه في النهاية سوف يحتاج الى تبرير ديني جامع لها على مستوى الإيديولوجية، وسوف يحتاج الى تنظيمات دينية على مستوى الممارسة، وان هذه الحركات وهذه الإيديولوجية ليست أداة وترفض ان تكون مجرد أداة في يده.

لكي نريح القارئ ونوفر عليه التساؤل نقول: ليس ما ورد آنفا من وحي نهر البارد، ولا هو الدرس الأساسي من الجريمة التي ارتكبت ضد الجيش ثم الكارثة في نهر البارد، بل هو فكرة نقترح الاحتفاظ بها كأداة تحليلية لسياقات مختلفة. فالعبرة الرئيسية من نهر البارد لا تكمن هنا، بل في توريط الدولة، وفي انجلاء السجال الطائفي ليتجلى الفرق بين سلوك حركات المقاومة الوطنية ولو كانت دينية والمسؤولية التي تتحلى بها تجاه الدولة من جهة، وسلوك مليشيا طائفية أو حركات تكفيرية أصولية غير وطنية من جهة أخرى. وهذا الفرق هو ما يريد الطائفيون طمسه بادعاء ان المقاومة هي في الواقع مليشيا أو مجرد حركة أصولية... ولكن هذا موضوع لمقال آخر لا نريد ان نكتبه.

الحلول الواقعية وترتيب الأولويات القادمة

بين ذكرى النكبة وذكرى النكسة كانت المأساة التي تتعرض لها غزة ويتعرض لها مخيم نهر البارد ومعها الفضيحة والبهدلة.
بالنسبة لفلسطيني وطني ومن زاوية نظره انها جرائم يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون من العراق وحتى لبنان وغزة.

لا يمكن فهم غزة كمجرد منطقة محتلة، لا حجما ولا تاريخا ولا تركيبا سكانيا. ولا يمكن فهم الصراع الجاري فيها كمجرد صراع بين فصائل على النفوذ. هذا كلام غير واقعي وميتافيزيقي بمجمله. فغزة هي معسكر اعتقال كبير جدا. والعنف المتفجر داخلها يشبه العنف المتفجر في السجون. والتنافس فيها يشبه التنافس على من يمثل السجناء أمام إدارة السجن. والتخلي عن هوية حركة التحرر الوطني الذي رافقه اعتبار الفلسطينيين طرفا في "صراع" إسرائيلي فلسطيني، والقضية الفلسطينية كقضية بدأت عام 1967، دون نكبة فلسطين المتمثلة بقضية اللاجئين، واعتبار مخيم لاجئين كبير مجرد منطقة محتلة أو مخيم يريد التحرر من الاحتلال، رافقه أيضا التخلي عن أخلاقيات ومعنويات حركة التحرر الوطني والتي لا يمكن ان تعني في مناطق مثل غزة ومخيمات لبنان إلا حق العودة. وقد جعل التخلي عن هذه المعاني جزء كبيرا من الناس غير المستفيدين، بل المتضررين من التسوية ومما يسمى بعملية السلام يفقدون المعنى مع ما يرافق ذلك من انحلال من جهة تقابله أصوليات من الجهة الأخرى.
إن ما يجري من انحلال وأصوليات متقابلة هو من مظاهر فقدان حركة التحرر الوطني دون ان تصبح دولة، ومن مظاهر الصراع داخل معسكر اعتقال محاصر.

تفرح حركات التحرر الوطني بالتخلي عن صيغة حركة التحرر لو نالت الاستقلال وأصبحت دولة، ولكنها في حالة اللاجئين في لبنان لا تغير شيئا لو أصبحت دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي غزة لم تصبح أصلا دولة تفرض القانون وسيادة القانون شرعيةً جديدةً بدل شرعية النضال التحرري الذي يحمل قيما مثل حق العودة.

ولكن حق العودة غير واقعي، ولا بد أن يفهم العرب ذلك، يقول البعض، ولا بد من قبول تسوية واقعية لا تشمل حق العودة. والمأساة سوف تستمر وتتعاظم، وسوف يصبح الشعب الفلسطيني مرتعا لأصوليات متعددة إذا استمر برفض التسوية الواقعية الممكنة.

ما دمنا في الواقعية... لا بد من الاعتراف أن التوصل إلى تسوية مع إسرائيل يقبل شروطها العرب ويقبل شروطها الإسرائيليون بات بحد ذاته اعتقادا ميتافيزيقيا غير واقعي يصر عليه من حولوا الواقعية الى إيديولوجية لا تتعامل مع الواقع بل مع ضرورة التحلي بصفة الواقعية كضرورة في إطار المسعى لتبني الهيمنة السياسية الثقافية للنظام الرسمي الغربي بشان إسرائيل وغير إسرائيل.

ولسنا بحاجة الى تكرار اللاءات الإسرائيلية الأربع التي يتفق عليها اليسار واليمين في إسرائيل، ولا تكرار أن حلا تحت سقفها لا يمكن ان يشكل أساسا لتسوية يقبلها العرب. هنالك إجماع إسرائيلي لم يتزحزح على عدم الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران، وعلى عدم تقسيم القدس، وانه لا حق عودة للاجئين الفلسطينيين، وان جزء من المستوطنات الإسرائيلية سوف يبقى على الأرض وسوف يضم إلى إسرائيل. وفي الجهة المقابلة، اي الجهة العربية، ليس بوسع ولا بقدرة من يوافق على تسوية تحت سقف هذه اللاءات ان يفرضها على من يعترض عليها. نقول ذلك اعترافا منا أنه لا يوجد إجماع عربي شبيه بالثوابت الإسرائيلية، ورغم ان البعض حول غزة من أكبر مخيم للاجئين الوافدين إليها من جنوب فلسطين عام 1948 الى مجرد منطقة محتلة عام 1967، ورغم الخديعة التي يجري تسويقها بإن العائق أمام التسوية هو حق العودة. وهي خديعة حتى لمن بات جاهزا من الناحية النفسية للتخلي عن حق العودة، فلو تخلى العرب عن حق العودة لاكتشفوا أن إسرائيل تتمسك بوحدة القدس، وبالثوابت الإسرائيلية الاخرى المذكورة أعلاه.

أما الحديث عن إقناع، أو عن وصفة سحرية للالتفاف حول هذه الثوابت الإسرائيلية فهي خداع ذاتي عربي من أوسلو وحتى اليوم. وتحظى أية محاولات عربية لإثارة إعجاب إسرائيل بتشحيع إسرائيلي طبعا، وهي تسعى بتشجيعها لأن تتحول الى نهج عربي، مثلا أن تتلو المبادرة المبادرة... وما على إسرائيل إلا أن تنتظر المبادرة القادمة.

ولكنها لا تقبل مضمون الخطوات التي تشجعها بل تقبل النهج. فتقديم العرب لمبادرة سلام هو خطوة تسعى إسرائيل أن تتحول الى نهج دون ان توافق على أي مركب من مركباتها.
وليس واضحا لأحد، ماذا يعني إقناع إسرائيل بمبادرة السلام العربية التي ترفض كافة مركباتها... كيف تقتنع دولة أن تتنازل عن شيء ليس لها تحتفظ به بفعل قدرتها على الاحتفاظ به، ولا تريد ان تتنازل عنه؟ وليس مفهوما ماذا يعني ان يتمسك العرب بمبادرة سلام مقدمة لإسرائيل وترفضها إسرائيل، هي مقدمة لإسرائيل وليس للعرب، ولكن العرب يتمسكون بها... ليس التمسك بخيار السالم فضيلة ما دام العرب غير قادرين على غيره، وليس التمسك بمبادرة السالم مفهوما لمن ليس قادرا على فرضها. ليس هذا السلوك واقعيا، ولا أهدافه واقعية، بل هي ضرب من ضروب الخيال.

في قصيدة مطلعها
لا افتخار الا لمن لا يضام.... مدركٍ أو محارب لا ينام
يقول المتنبي كأنه يتكلم عن منطق "التمسك" بمبادرة السلام الحكم التالية:
كل حلم أتى بغير اقتدار.......... حجة لاجئ اليها اللئام
احتمال الأذى ورؤية جانيه...... غذاء تذوى به الأجسام
من يهن يسهل الهوان عليه......... ما لجرح بميت إيلام

ونحن لا نقول ذلك في إطار معرفة ما يجري في إسرائيل من نقاشات حول تسوية لا تحكمها الا موازين القوى والحفاظ على يهودية إسرائيل بالتخلي عن أكبر عدد ممكن من العرب على أصغر قطعة ممكنة من الأرض، بل من خلال قناعة أعمق ان المجتمع الإسرائيلي لم يقتنع بعد بأنه جزء من المنطقة ويسعى لسلام معها وملاقاة متطلبات هذا السلام.

لا توجد في العالم كله دولة واحدة، بما في ذلك أميركا ذاتها، تجد إلاستفتاءات فيها أغلبية ما زالت ترى ان الحرب على العراق كان خطوة صحيحة، وتؤيد هجوما أميركيا على إيران الآن إلا إسرائيل، حيث تجد اغلبية تؤيد الحربين، هذا إضافة لأغلبية إسرائيل ترى أن قصف غزة غير كاف. لقد أخطا العرب في فهم استنتاجات إسرائيل من الحرب على لبنان، فهي لم تقتنع بالسلام هناك، بل أجبرت ان ترى العدوان خاسرا، وهي لا ترى ذلك على الجبهة الفلسطينية وتشجع حروب الآخرين على العرب ما دامت لا تدفع ثمنا... نحن امام دولة لم تستنتج بعد أن السلام هو الخيار الاستراتيجي وهي غير جاهزة لدفع متطلباته.

إزاء تجاهل مثل هذا الوضع تم تحويل الواقعية عربيا الى إيديولوجية... وهذه كارثة إيديولوجية "الواقعية" التي تتعارض مع معرفة الواقع ومتطلبات الواقع، ومع الممارسة الواقعية. في مقابل هذه الإيديولوجية "الواقعية" تنتشر إيديولوجيات أخرى تتجاهل الواقع تماما وتدير له ظهرها.
أما الممارسة الواقعية فتعني شيئا آخر تماما.

إنها تعني في ظروف الشعب الفلسطيني تذوت حقيقة أنه لا توجد تسوية قريبة. وبالتالي السعي للحفاظ على مقومات وحدة الشعب الفلسطيني والمحافظة على المعاني والقيم اللصاقة للمجتمع الفلسطيني والتي تمنحها حركة التحرر الوطني وأهمها الحفاظ على حق العودة والتحرر من الاحتلال.

تعني الواقعية عدم قبول تسوية غير عادلة مع إسرائيل تمزق الشعب الفلسطيني وربما شعوب عربية قريبة منه دون فائدة. ولكن الواقعية لا تكتفي بذلك فهي تتطلب ايضا استمرار النضال والتعامل مع قضايا الناس اليومية والمعيشية وترتيب ظروف الشعب الفلسطيني الحياتية في الداخل والخارج. استمرار النضال يعني استمرار مقاومة الاحتلال وتكبيده خسائر بحيث لا يتحول الى وضع طبيعي... ولكن في إيقاع مدروس بعناية يدرك ان التحرير أيضا ليس على الباب. ولا يمكن ان يصمد الشعب الفلسطيني في واقعية كهذه دون ان يتم الاهتمام بشؤونه الحياتية، وتنجح حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية فقط إذا أدركت أن هذه مهمتها، وأن هذا يتطلب الاهتمام بشؤون التعليم والاقتصاد والصحة والبنى التحتية ومغادرة شأن التسوية وإفشال التسوية.

المقاومة تقاوم بناء على خطة طويلة المدى، والسلطة الفلسطينية تنظم حياة السكان بنجاعة، وإلا فمن الأفضل حل السلطة الفلسطينية، إذ لا مبرر آخر لوجودها الذي فرض على الشعب الفلسطيني باتفاقيات خاطئة وحرر الاحتلال من مسؤولياته دون التحرر من الاحتلال. ويجب إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية يحيث تكون قادرة على تأطير هذه المساعي تحت سقف واحد وعلى قيادة نضال اللاجئين في الخارج ومساهمتهم في الحياة الوطنية الفلسطينية.

يجب أن يهتم الكيان الوطني الفلسطيني المتمثل في هذا الإطار بحقوق اللاجئين الفلسطينيين المدنية في مناطق سكناهم. من العراق وحتى لبنان وغزة. وقد ثبت تاريخيا ان حرمان اللاجئين من الحقوق بما فيه من جريمة بحقهم وحق أطفالهم، بحجة منع التوطين، لا يمنع التوطين بل يؤدي الى بحث عن حقوق مدنية ثم توطين فعلا في أوروبا ودول اسكندنافية وغيرها. فلماذا لا تكون الحقوق المدنية دون توطين في بلد عربي بدل ان يختار اللاجئ الفلسطيني بين مجمعات التعاسة والبؤس في العراق ولبنان وغزة وبين التوطين في أوروبا؟

هنا تكمن المهمات الواقعية، وهي لا تكمن سرا بحثا عمن يكتشفها بل تزعق حتى السماء. إذا تمت معالجة هذه القضايا بواقعية يصبح بالإمكان رفض الحلول غير العادلة والصمود. وفي مثل هذه الحالة فقط يصبح الوقت في غير صالح إسرائيل.
هنالك حاجة لإعادة ترتيب الاولويات.

مواجهة الأوهام باقتراحات عملية

في يوم ذكرى النكبة التاسعة والخمسين، كان فلسطيني يطلق النار على فلسطيني في غزة. وإن لم تعتبر هذه بطاقة دعوة ممهورة بالدم وبصرخات استغاثة النساء التي تكاثرت أخيراً في كل مناطق الشتات من فلسطينيي بغداد ونهر البارد وغزة وغيرهم لإعادة التفكير بالمسار كله، فلا أدري متى تكون الدعوة؟

لقد تمت حوصلة ما بقي من الشعب الفلسطيني في غيتوات في غزة والضفة خلف جدار على أرضهم وفي وطنهم، كأنهم جسم غريب ترفضه إسرائيل فتفرز غشاءً يغلفه. الجسم الغريب هو الذي يرفض الجسم الأصيل. وتبدو الصورة مقلوبة على هذا النحو المثير للنقمة من جراء التعامل مع قضية فلسطين كأنها تولدت عام 1967، وكأن إسرائيل دولة أصيلة ولكنها محتلة، وثانياً تحويل الفلسطينيين في وعي الناس إلى جماعة، أقلية سكانية تطالب بحقوقها مثل حرية الحركة وحق البيع والشراء وتلقي المعونات، وهي تطالب بحقوقها مما بات يبدو في أعين بعض مؤيدي التسوية الأوروبيين والأميركيين والعرب كأنه الدولة الأصلية. في المقابل، تنهار حالة اللجوء الفلسطيني إلى ما نراه في العراق ولبنان دون تنظيم يرعاها.

ولا شك أنه منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى اليوم يجري منهجياً وعن قصد، أو بدون منهج وعن غير قصد، وذلك بفعل نشوء واقع السلطة الفلسطينية، يجري تفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من المضمون والمعنى والبنية والصلاحيات. وكأن مهمة المنظمة كانت مثل ملكة نحل أن تلد السلطة بتوقيع اتفاقيات أوسلو ثم تموت، أو تقتل. فقط لهذا الهدف اعترفت بها إسرائيل في أوسلو.

وقد شجع مؤيدو التسوية العرب والأجانب على اعتماد السلطة ممثلاً للشعب الفلسطيني والاعتراف بها، وعدم الالتفات إلى مؤسسات المنظمة بما في ذلك عندما كان نفس الفصيل يسيطر على المؤسستين، وقد اتخذ ذلك شكل مرارات عند نشطاء هذه المنظمة في الخارج، وعند دائرتها السياسية، كما تم إفشال وإهمال النقابات والاتحادات الفلسطينية وغيرها ودورها في الحفاظ على حياة فلسطينية منظمة في الشتات.

ووقع استثناء رث وقصير المدى عندما لجأ نفس الفصيل المركزي إلى م. ت. ف لمقارعة السلطة المنتخبة، فأحيا ألقاب ومؤسسات المنظمة ضد السلطة الفلسطينية، لقد همّشت هذه المحاولة منظمة التحرير أكثر مما أحيتها، إذ حوّلتها، ولأشهر قليلة فقط، إلى أداة في الصراع على السلطة، ما لبثت أن نحّيت جانباً مرة أخرى.

وفي لحظة تاريخية، وجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم دون تنظيم يقودهم ككيان سياسي وذلك قبل تحقيق حق العودة، ورغم استمرار، بل وتفاقم مأساتهم في بغداد ونهر البارد وفي غزة.

أما في فلسطين، فقد تمّ تبني مصطلحات وتعابير الدول: رئيس وزير أجهزة أمنية "في اي بي"، كدت أترجمه إلى مختصر (VIP: Very Important Palestinian) ، كل هذا قبل نشوء الدولة ودون استقلال. ويبدو لي أنه بعد انكشاف معنى هذه العملية التي بدأت في أوسلو وانتهت إلى أن يطلق فلسطيني النار على فلسطيني في المناطق المحتلة في ذكرى النكبة، فلا بد من تطوير وثيقة إعلامية أخلاقية تحرّم استخدام هذه المصطلحات، رئيس، وزير، واستبدالها برئيس السلطة كما ينص اتفاق أوسلو، ومسؤول الموضوع كذا بدل وزير، مثلاً مسؤول التعليم ومسؤول الصحة في السلطة الفلسطينية.

واقترح أن يتفق كل من حماس وفتح على رفض هذه التسميات المضلّلة التي تغذي وهماً وأوهاماً وتساهم في استمرار تمثيلية تطلب من الشعب الفلسطيني واجبات دولة من نوع الحفاظ على أمن واستقرار إسرائيل دون حقوق الدولة وسيادتها بما في ذلك حقوق المسؤولين فيها.

وإذا كانت مهمة الإعلام العربي توخّي الواقعية والموضوعية، والموضوعية لا تعني الحياد، فإن أقل ما يمكن أن يساهم به هو رفض استخدام هذه التعابير واستخدام تعابير أكثر دقة وواقعية في محاولة لتنقية الثقافة السياسية العربية والفلسطينية من الأساطير والأوهام العالقة بها من ميتافيزيقية عملية السلام غير الواقعية والحالمة والرومانسية.

اتفاق مكة لا يتضمن هذا الكلام، لكنه يتضمن إحياء منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها. ولكن الإعلام العربي لا يتابع تحقيق هذا البند في الاتفاق. وهو الأكثر إلحاحاً. فماذا يعني عدم تحقيق التحرر وعدم تحقيق حق العودة سوى العودة إلى تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، ليس كنوع من الحنين، بل من منطلق فهم أن تفريغها وإضعافها كان خطأً جسيماً، ومن منطلق الواقع الجديد وليس العودة إلى القديم. ويعني الواقع الجديد وجود قوى مناضلة ومقاومة مثل حماس. ولكي تدرك حماس معنى وأهمية م. ت. ف. عليها أن تتخلى عن الثنائية في الاتصالات بين فصيلين: فتح وحماس (هي صيغة السلطة) وأن تشترط وجود الآخرين من مناضلين وفصائل ومستقلين لكي تكسبهم كحليف في إعادة بناء م. ت. ف. لا يكفي تفاهم فتح وحماس بوساطة عربية لإعادة بناء م. ت. ف، فكل ما يتفق عليه بينهما هو كيفية إدارة السلطة الفلسطينية. ولا بديل لفتح وحماس في إعادة بناء المنظمة، ولكن ليس وحدهما، ولا بديل لهذا الإطار على مستوى الشتات وعلى مستوى الانسحاب من صيغة السلطة «حافظة الأمن والاستقرار» كنواة لدولة فلسطينية دون القدس ودون اللاجئين، ودون إزالة جميع المستوطنات.

في أي صيغة للمجلس الوطني الفلسطيني المقبل يجب ضم المجلس التشريعي المنتخب، ولكن يجب بذل جهد لانتخاب مندوبين آخرين، إضافة إلى مؤسسات الفصائل والأحزاب المناضلة وإضافة إلى الاتحادات والمنظمات الأهلية وغيرها. إطار المقاومة السياسي على المستويين المحلي والعالمي هو منظمة التحرير الفلسطينية، ولا بد من تنفيذ بنود الاتفاق التي تقضي بإعادة بنائها والتراجع عن نهج تهميشها.

Thursday, May 17, 2007

مبادرة السلام وفقدان المبادرة: بين أولمرت وتشيني

16/05/2007 22:43

يدعي أولمرت أن الزعماء العرب لن يسمعوه يقول كلمة "لا" لمبادرة السلام العربية، وما عليهم إلا أن يجتمعوا به ويشرحوا له المبادرة. فـ"مانيوال" يدوي من نوع: "كيف تقرأ مبادرة السلام العربية" لن يفي بالغرض. يجب أن يشرحوا له المبادرة شخصيا. وعندها سيعطيهم هو درسا في "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس"، وكيف ترفض دون أن تقول لا. فهو يقول: إن حق العودة هو عائق يجب التخلي عنه لإزالته من طريق السلام، وأن "القدس الموحدة" هي أمر مفروغ منه بالنسبة لإسرائيل، كذلك فإن الإصرار العربي على حدود 1967 تشكل مشكلة. لاحظ انه لا توجد كلمة "لا" واحدة في كل ما قيل.

والحقيقة أن الأمر لا يحتاج إلى تحليل، فقد رفض أولمرت مبادرة السلام العربية ألف مرة، قبل أن يصر العرب على عرضها من جديد، كما أنه رفضها عمليا في فعل يقطع قول كل خطيب بعد إعادة طرحها، وذلك عندما قرر تخصيص مليارد ونصف المليارد دولار لتعزيز جهود تهويد القدس. هذه خطوة أهم من أي "لا" شفوية. فحتى لو قال "نعم" لمبادرة السلام العربية واتخذ مثل هذا القرار يجب أن يعتبر العرب هذه الـ"نعم" كأنها "لا"، فكم بالحري وهو يقول لا..

ومع ذلك هنالك من لا يريد أن يسمع كلمة لا حتى عندما تقال. تدوي في أذنه ويتجاهلها لأن استراتيجيته تقضي بـ"تحريك عملية السلام"، فهذا على ما يبدو الأمر المتاح الوحيد حاليا. الأمر الوحيد الذي يتيحه الواقع حاليا هو ليس حلا واقعيا، كما جرت العادة على القول ضد المتطرفين، بل لا- حل واقعي، أو عملية سلام مستمرة. فإذا كان عدم الواقعية يعني عدم قبول الحلول، فإن الواقعية باتت تعني قبول اللا- حلول، أو قبول عملية سلام دائمة، على وزن الثورة الدائمة، دون حل.

تحتاج الدول العربية المعنية إلى موهبة لتضع نفسها في مواقف من هذا النوع في مرحلة فشل السياسة الأميركية في المنطقة العربية والطفرة في أسعار النفط وحالة حرب الكل ضد الكل في إسرائيل بانتظار تشكل الخارطة السياسية من جديد على أنقاض "كاديما".

حلفاء أميركا يقبلون بعملية سلام ويتمسكون بمبادرة سلام رفضتها إسرائيل محولين المبادرة إلى موقف ثابت، أي متنازلين عن مواقفهم السابقة، وهم يأملون فقط أن يهدئ هذا المسعى هذه الجبهة أو يحيدها في نوع من العلاقات العامة عن الجبهات الأخرى المفتوحة. فحلفاء أميركا في المنطقة قلقون ومرتبكون بخصوص سياسة أميركا في العراق وإيران. وهم يتمنون في الواقع عودة السياسة التي اطلق عليها في زمن كلينتون اسم " الإحتواء المزدوج" مع فارق وجود القوة الأميركية المباشرة حاليا. وهذا شبة مستحيل في الوضع الراهن. فجأة يسمحون لأنفسهم بتمنية النفس، أي بعدم الواقعية.

جاء تشيني ليحتوي أصحاب المواقف القلقة، وليهدئ من روعهم ويطمئنهم أنه لن تكون ضربة لإيران دون معرفتهم ودون أخذ مصالحهم الأمنية بعين الاعتبار، وأنه لن تكون صفقة مع إيران تهمشهم وعلى حسابهم. وهذه وعود مستحيلة وغير واقعية بالطبع.

كان هنالك تقارب أميركي إيراني لفترة ما في دعم حكومة المالكي، وقد أدى هذا التقارب إلى ابتعاد مملكة سعودية محرجة عن هذه الحكومة العراقية الإيرانية الأميركية ، ابتعادا يؤهلها للعب دور "ناطق باسم السنة" في مرحلة لم يبق فيها إلا محاولة وضع حاجز طائفي بين المقاومة والجماهير العربية. ومن غير الممكن دعم حكومة المالكي وتمثيل "مصالح السنة" في نفس الوقت، بما فيهم "سنة العراق". وهنالك مشكلة متعلقة بالسياسة الاميركية التي تهمش السنة في العراق منذ يوم الاحتلال الأول.

وبموجب كافة الصحف الأميركية الممكن متابعتها (أنظر واشنطن بوست ولوس أنجلس تايمز 12 أيار/مايو كمثال) يحاول تشيني عبر زيارته جسر الهوة بين حكومة المالكي من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى لغرض تطويق التأثير الإيراني في العراق. وبموجب نفس الصحف الأميركية حاول تشيتي بث بعض الواقعية بإفهماهم أنه من غير الواقعي توقع تغيير المالكي حاليا، وأنه لو جاء علاوي مثلا فلن يكون وضعه أفضل.

بالنسبة لحلفاء اميركا فإن العلاقة الأميركية الإيرانية حبلى بخطرين. خطر ضربة أميركية على إيران وخطر صفقة مع إيران. فكيف وصلت دول بهذا الحجم والغنى في أوج الأزمة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة إلى وضع تجد نفسها فيه متضررة من صفقة إيرانية أميركية، ومتضررة من حرب أميركية إيرانية ايضا. كيف وصلت هذه الدول إلى وضع كهذا؟ لا بد أن خطأ وقع في مكان ما على الطريق بين التخطيط والدهاء والحساب. ويبدو أن المشكلة كامنة بعدم وجود سياسة ومشروع خاص بها فهي متأثرة أكتر مما هي مؤثرة. والوضع الطبيعي للمفعول به أن يجد نفسه متضررا دائما.

إيران تريد تعهدا ألا تكون هنالك ضربة عسكرية أميركية ضدها، وتقبل مكانتها الجديدة كدولة هامة، ومنتج طاقة نووية، والتسليم ولو المحدود بتأثيرها على العراق. الولايات المتحدة ترغب بتجميد التخصيب ووقف النشاط الإيراني "الذي يمس باستقرار العراق والمنطقة" باعمال تتعارض مع الاستراتيجية الأميركية...لقد عرضت إيران سابقا هذا النوع من الصفقة عام 2003 ولكن الولايات المتحدة رفضتها في حينه. والآن تسعى هي إليها.

في الواقع هنالك تصريحات نارية من بوش وأحمدي نجاد وحرب نفسية دائرة. ولكنها ليست نفسية فقط فأميركا تعد العدة لعدوان، ونحن لا نعرف إذا كان هذا الإعداد هو أيضا جزء من الحرب النفسية. كما لا نعرف هل هنالك تناقض بين خطاب تشيني الناري من على ظهر حاملة الطائرات في الخليج والقادم من عصر آخر كأن الحرب على العراق لم تقع ولم تفشل، وبين نشاط الخارجية الأميركية التي تعد للقاء مع إيران في بغداد، أم انهما يلعبان دورين منسقين: دور الشرطي الجيد والشرطي السيء في التحقيق؟

حتى لو كان هنالك خلاف فعلي وليس مجرد توزيع أدوار بينهما فثمة إدارة ورئيس يديران المشهد، والأرجح أن هنالك تنسيق لابتزاز تراجع إيراني، ولا ينقص بالطبع من يدرس كيفية التصرف الأميركي لاحقا بموجب الرد الإيراني...فرضوخ إيران يفرض خطوات تختلف عن تحديها الضغط الأميركي. وفي الحالتين لا يوجد تخطيط عربي لكيفية التعامل مع صفقة أو تصعيد. فربما تكون المشاعر مع التصعيد الأميركي ضد إيران أما المصالح فلا تحمد نتائجه، والمشاعر والمصالح ضد صفقة أميركية إيرانية.

ونحن قادرون ان نتخيل أن تستقل هذه الدول بإرادتها على الأقل في منطقة بعيدة عن الحساسيات حتى مع إيران مثل رد على رفض مبادرة السلام الإسرائيلية تلتقي فيه المحاور العربية بعودة إلى الموقف العربي الأصلي وليس بالتمسك بـ"عملية السلام"، أو اتخاذ موقف حازم من المسألة اللبنانية يضع السلم الأهلي في هذا البلد فوق كل اعتبار. في مثل هذه الحالة يصبح لديها مشروع مستقل عن الولايات المتحدة وعن إيران بحيث يمكنها من تحديد مواقفها من سياستهما في لبنان بموجب مشروعها هي. فلماذا لا تتخيل هي أن تبادر في مكان آخر الى خطوات غير خاضعة للعبة الآخرين؟ يبدو أن الإجابة على هذا السؤال هي نفس الإجابة على السؤال أعلاه: كيف وجدت نفسها قلقة لأنها متضررة من كافة الخيارات المطروحة على أميركا وإيران.

Thursday, May 10, 2007

من الذي يهتم لديون العراق؟


كأن عدوى الـ"عملية"، وأقصد ما يسمى عادة بعملية السلام، أو العملية السياسية قد انتقلت من فلسطين الى العراق. هنالك بشائر لعملية سياسية من النوع الذي يصبح هدفا قائما بذاته إذا لم يتوفر حل سياسي وانسدت الآفاق واشتدت وطأة الاحتلال والقمع والمعاناة. لم نعد ندري إذا كانت الوفود تتقاطر لتبحث شأن العراق، أم يستغل العراق لبحث علاقات ثنائية من نوع آخر على هامش المؤتمرات. وما "هامش" المؤتمرات من هذا النوع إلا مركزها في الواقع.

استقبالات يعقبها افتتاح وخطابات ثم اجتماعات. ثمة مسلسل قد انطلق، ويتضمن مؤتمراً أولاً وثانياً وثالثاً، وتساؤلات وتوقعات وتوترات تنتج وتخرج صحفيا من نوع احتمال لقاء وزيرة الخارجية الأميركية مع وزراء من حكومات دول تحب أميركا أن تسميها "راعية للإرهاب" على "هامش" المؤتمر، وقضايا أخرى لا تنتهي ويعتاش منها الخبر في مرحلة عزت فيها الأخبار السياسية الفعلية عن العراق ذاته.

وفي النهاية حديث وقرارت عن شطب ديون للعراق. ولا أحد يذكر أن للعراق أصلا اقتصاد وأنه مدين، هل تعمل بالفعل في العراق بنوك دائنة ومدينة وميزانية دولة وعجز تجاري. ولنفترض أن العراق مدين ولن يدفع ديونه، ماذا تراهم فاعلين؟ هل سوف يحاصرون العراق ويفرضون عليه العقوبات أم سوف يحتلون العراق مثلا؟ يقول المثل العامي المحكي في بلدنا "أكثر من القرد ما مسخ الله"، فماذا لدى العراق ليخسره لو جن جنون أحدهم على ديونه وليس على دمائه. يكاد المرء يجن أن هنالك من جلس وبحث وبحث وبحث، فلم يجد سوى مشكلة ديون العراق لينجح في حلها. أي عراق وأي ديون؟

لقد غرق العراق بالدم والفساد والسرقة والنهب والقتل والسطو والمطامع الصغيرة والكبيرة واستغلال الطوائف مطايا للتحشيد والتنافس بين أشخاص بلا ضمائر، فيختتم مؤتمر أعماله متحدثا عن الديون، وليس هنالك من يعرف الفرق بين الفساد والديون، والعجز المالي والسرقة، والاستبداد والاحتلال، والإرهاب والمقاومة...أي عراق وأي ديون؟

هؤلاء الذين جعلوا العراق الغني الأبي فعلا يشحذ ويتسول، هؤلاء الذين جعلوا أبناء العراق وعلماء العراق يتشتتون في أصقاع الأرض كلها حفاظا على حياتهم، هؤلاء الذي لم يتمكنوا بعد سنوات على سقوط بغداد من إيصال النفط الى محطات الوقود في العراق نفسه، هؤلاء الذين لا يستطيعون حتى الآن تشغيل مولدات تكفي حاجة العراق من الكهرباء يتحدثون عن شطب وإعادة جدولة ديون العراق.. أي عراق وأي ديون؟

وفوق كل ذلك يستغل العراق كحلبة تحسين أرصدة إقليمية في مواجهة المشروع الأميركي أو تحسين المواقع في إطار نفس المشروع، أو غير ذلك. المهم أن العراق الممزق المتشظي النازف ليس هو الموضوع.

لقد افتتحت عملية جديدة توهم بتنبي توصيات سياسية من نوع توصيات بيكر هاملتون، ولكن تنفيذها يخرج إخراجا كما تخرج المؤتمرات ويجهز لها. وكما يخرج نقد الفساد إخراجا يتكرر الحديث الممل عن الإصلاح والشفافية والمحاسبة مثل لازمة، فيما يمارس الفساد بكل شفافية. وفيما يسفك الدم دون أن يفهمنا أحد من مؤيدي تلك الحرب في حينه الملوحين بالحرب ضد إيران حاليا عن السبب في أنهم لم يفقدوا القدرة على الكلام، ولماذا لم تلتصق ألسنتهم في حلوقهم ولماذا لم يجف الحبر في أقلامهم بعد ان جفت حتى الدموع في مآقي أطفال العراق.

وكأننا أمام "عملية" جديدة، عملية سلام سوف تتكرر حلقات اجتماعاتها ومؤتمراتها، وسوف يتكرر اهتمام الصحافة بكل اتصال يليها ويعد للمؤتمر المقبل. نقول ذلك لأن الولايات المتحدة بحاجة لعملية ومبعوثين ومؤتمرات حين ترسل عشرات آلاف الجنود إلى العراق ليصبوا الزيت على نار تلك الجحيم.

هنالك طبعا منطق في محاورة دول الجوار بشأن العراق. ولكن الحوار الحالي بين الولابات المتحدة ودول الجوار يتلخص في محاولة الأولى جرهم نحو موقف من المقاومة العراقية أقرب إلى موقف الاحتلال، وإلى موقف من الحكومة المركزية يؤدي إلى تسهيل شؤونها وتمكينها من العمل.

أما من ناحية هذه الدول فيتلخص الحوار بمقايضة هذا الموقف المرغوب أميركيا مع قضاياها المعلقة وهمومها هي مع الولايات المتحدة. هذه سياسة، وبهذا المعنى فإن "العملية السياسية" الجارية بشأن العراق لا تشمل كلمة السياسة بمعناها المختلف والمتميز عن "العمليات الحربية"، أي "عملية سياسية" بدل الحرب، بل السياسة بمعناها الأصلي المتلخص بالعمل على أساس مصالح الدول والحكومات. ولذلك حال انتهاء المؤتمر سمع فورا عن تنفيذ الولايات المتحدة نيتها بإضافة آلاف الجنود في العراق، أما صدى التفجيرات فزلزل المنطقة كلها.

ولا تتناقض خطوة من نوع زيادة عدد الجنود مع نقد هاملتون وبيكر وضباط استمع اليهما الأخيران على سياسة رامسفيلد. فقد انتقد رامسفيلد منذ بداية الغزو على الغرور الكامن في احتلال العراق بهذا العدد القليل من الجنود تطبيقا لنظرية عدم استغلال كل طاقات الجيش الأميركي في حرب واحدة، وتمكين أميركا من شن حروب أخرى إذا لزم. كان رامسفيلد مقتنعا أن أميركا بعدتها وعديديها سوف تكون مضطرة لخوض عدة حروب في نفس الوقت، وأن عليه ان يثبت إمكانية ذلك في أي حرب، وذلك بقصف شديد يليه انزال متفوق ضد نظام متداع، ولكن بعدد من الجنود يقل عما يلح عليه الجنرالات. وخلافا لما يعتقد البعض كان النقد على رامفسيلد نقدا على غروره واستخفافه المعبر عنه بقلة عدة الجنود، لقد طالب النقاد بأعداد أكبر وليس أقل.

يخطئ طبعا من يقدر النقاد من داخل المؤسسة الحاكمة في الدول الغربية أخلاقيا إذ يسقط عليهم نقد ضحاياها، إذ غالبا ما يعتبرون حلفاء أو يتم تصويرهم أكثر إنسانية من صناع القرار الذين ينتقدونهم. إنهم في الواقع يديرون سياسة مصالح حزبية أو فردية واقعية ضد خصومهم المحليين في الإدارة كما تدير دول الجوار سياسة مصالح مع الولايات المتحدة في "العملية السياسية". وفي أفضل الحالات يسمع نقد جدي من منطلق المصالح العليا والأمن القومي الأميركي. وهنا تخلط الضحية بين الصرامة في التعامل مع ما يمس الأمن القومي الأميركي البادية على وجوه بيكر وهاملتون وبين المسؤولية الإنسانية. فهي غير قائمة إلا في الأذهان.

لم نسمع لا بيولسي ولا غيرها من نقاد الحرب من داخل المؤسسة ينتقدون الجرائم الأميركية في العراق بجدية، أو يذرفون الدموع السياسية العلنية على غير الجنود الأميركيين. ويتوجه نقدهم كله لاستقطاب الرأي العام بناء على تزايد عدد الجنود الأميركيين الذين يسقطون في العراق دون تحقيق أي هدف، ودون أفق لنجاح العدوان. وحتى الموت، موت الجنود الأميركيين لم يكن ليعصر دمعة واحدة من عيونهم لو كان مقترنا بانتصار. ولذلك قلنا دموعا سياسية.

ليست تحفظات بيكر هاملتون على الحرب ناجمة عن نظرة أكثر إنسانية للعراق وشعب العراق، ولا هي ناجمة عن رفض العدوان، بل عن فشل إدارة المحافظين الجدد للعدوان، ونقد رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية الأسبق تينيت يكمله إذ ينتقد القرار بالعدوان ويتبرأ من الأكاذيب التي لفقت لتبريره. فالنقدان وغيرهما مما سوف يكتب عن القرار بشن الحرب على العراق وإدارتها والمصالح الاستراتيجة والنفطية التي كمنت خلفها ونظريات نشر الديمقراطية البائسة التي تممتها، كلها تنطلق من فشل العدوان على العراق. وكما قلنا في حالة لجنة فينوغراد في إسرائيل: مع أنها تعالج الأخطاء عادة بأثر رجعي، فإن الفشل وليس الخطأ هو أبو لجان التحقيق، وهو المسؤول عن تشكيلها. ليست المشكلة بالنسبة للنقاد من داخل النظام في الأخطاء التي ارتكبت بل في الفشل في تنفيذ السياسة. ولو نجح العدوان على العراق نتيجة لعدم وجود طاقة مقاومة مجتمعية عراقية مثلا، ولو تم النجاح بنفس الأخطاء المنتقدة حاليا في إدارة العدوان وبنفس الثمن الذي يدفعه الشعب العراقي وبنفس حمام الدم، لما ارتفعت أصوات رسمية أميركية تنتقد الحرب من داخل المؤسسة. الفشل هو السبب. ويعود الفشل لوجود مقاومة.

ونعود هنا إلى دول الجوار.
لقد أفشلت المقاومة العراقية العدوان الأميركي كما افشلت جزءاً من أهدافه العراقية والإقليمية، ولكنها لم تنتصر بعد. لم يتحول الفشل إلى انتصار بعد. ولن يكون ذلك ممكنا دون محاربة الطائفية ودون اتفاق دول الجوار دون وصاية أميركية. وعلى كل حال، إذا كان فشل العدوان الأميركي يعني تقسيم العراق بعد انسحابه فإن هذا الفشل العسكري سوف يعني نجاحا سياسيا أميركيا. بل أكثر من ذلك، إنه يذكرنا أنه فشل في السيطرة ولكنه لم يفشل ولا حتى عسكريا في تحطيم العراق. ومن هنا فإن ترجمة الفشل العسكري الأميركي الذي أدى الى كل هذا النقد وهذه التقارير وهذه الحوارات الموصوفة أعلاه مع دول الجوار إلى انتصار على السياسة الأميركية يمر عبر اقتران الانسحاب الأميركي بالحفاظ على وحدة العراق.

ويحتاج هذا الجهد إلى عنصرين أساسيين. أولا، دول الجوار التي يجب أن تدفعها مصالحها المشتركة في الحفاظ على وحدة العراق أن تتفاهم فيما بينها على الاعتراف بعروبة العراق ومواطنته العراقية المتميزة في الوقت ذاته للعرب وغير العرب، والحقوق جماعية للأكراد فيه وفي إطاره. الاتفاق على وحدته يعني عدم استخدام الفوراق الطائفية فيه لتوسيع نفوذها هي على حسابه. هذا هو الحوار الذي يجب أن يجري بين دول الجوار دون رعاية أميركية. ليس هذا وعظا بل هنالك منطق مصالح يدفعها إلى ذلك يتلخص بتقديم البديل الإقليمي عن التدخل العسكري الأميركي المؤدي إلى تفتيت دول المنطقة. وكلها عرضة للسياسات التفكيكية التفتيتية بالتآمر دون عدوان أو تهيئة لعدوان أو من خلال عدوان عليها.

أما العنصر الثاني فهو تفاهم فصائل المقاومة العراقية على وحدة العراق بأكثريته العربية وبأكراده، وتوجيه المقاومة والعمل النضالي حتى لو لم يشمل كل الطوائف على هذا الأساس. ومن الأفضل طبعا أن يشمل كل الطوائف. ولا نرى حلولا سحرية دون ذلك. لا يمكن محاربة الطائفية والتقسيم الطائفي إلا باتباع سياسة مقاومة غير طائفية بل معادية للطائفية ومقاومة تحويلها إلى طائفية سياسية. عندما تدفع القوى المؤيدة للاحتلال بسياساتها نحو التقسيم الطائفي تصبح معاداة الطائفية مبادئ عليا للمقاومة.

Saturday, May 5, 2007

Why Israel is after me

Written for the Los Angeles Times.

By Azmi Bishara, AZMI BISHARA was a member of the Knesset until his resignation in April.

May 3, 2007

Amman, Jordan — I AM A PALESTINIAN from Nazareth, a citizen of Israel and was, until last month, a member of the Israeli parliament.

But now, in an ironic twist reminiscent of France's Dreyfus affair — in which a French Jew was accused of disloyalty to the state — the government of Israel is accusing me of aiding the enemy during Israel's failed war against Lebanon in July.

Israeli police apparently suspect me of passing information to a foreign agent and of receiving money in return. Under Israeli law, anyone — a journalist or a personal friend — can be defined as a "foreign agent" by the Israeli security apparatus. Such charges can lead to life imprisonment or even the death penalty.

The allegations are ridiculous. Needless to say, Hezbollah — Israel's enemy in Lebanon — has independently gathered more security information about Israel than any Arab Knesset member could possibly provide. What's more, unlike those in Israel's parliament who have been involved in acts of violence, I have never used violence or participated in wars. My instruments of persuasion, in contrast, are simply words in books, articles and speeches.

These trumped-up charges, which I firmly reject and deny, are only the latest in a series of attempts to silence me and others involved in the struggle of the Palestinian Arab citizens of Israel to live in a state of all its citizens, not one that grants rights and privileges to Jews that it denies to non-Jews.

When Israel was established in 1948, more than 700,000 Palestinians were expelled or fled in fear. My family was among the minority that escaped that fate, remaining instead on the land where we had long lived. The Israeli state, established exclusively for Jews, embarked immediately on transforming us into foreigners in our own country.

For the first 18 years of Israeli statehood, we, as Israeli citizens, lived under military rule with pass laws that controlled our every movement. We watched Jewish Israeli towns spring up over destroyed Palestinian villages.

Today we make up 20% of Israel's population. We do not drink at separate water fountains or sit at the back of the bus. We vote and can serve in the parliament. But we face legal, institutional and informal discrimination in all spheres of life.

More than 20 Israeli laws explicitly privilege Jews over non-Jews. The Law of Return, for example, grants automatic citizenship to Jews from anywhere in the world. Yet Palestinian refugees are denied the right to return to the country they were forced to leave in 1948. The Basic Law of Human Dignity and Liberty — Israel's "Bill of Rights" — defines the state as "Jewish" rather than a state for all its citizens. Thus Israel is more for Jews living in Los Angeles or Paris than it is for native Palestinians.

Israel acknowledges itself to be a state of one particular religious group. Anyone committed to democracy will readily admit that equal citizenship cannot exist under such conditions.

Most of our children attend schools that are separate but unequal. According to recent polls, two-thirds of Israeli Jews would refuse to live next to an Arab and nearly half would not allow a Palestinian into their home.

I have certainly ruffled feathers in Israel. In addition to speaking out on the subjects above, I have also asserted the right of the Lebanese people, and of Palestinians in the West Bank and Gaza Strip, to resist Israel's illegal military occupation. I do not see those who fight for freedom as my enemies.

This may discomfort Jewish Israelis, but they cannot deny us our history and identity any more than we can negate the ties that bind them to world Jewry. After all, it is not we, but Israeli Jews who immigrated to this land. Immigrants might be asked to give up their former identity in exchange for equal citizenship, but we are not immigrants.

During my years in the Knesset, the attorney general indicted me for voicing my political opinions (the charges were dropped), lobbied to have my parliamentary immunity revoked and sought unsuccessfully to disqualify my political party from participating in elections — all because I believe Israel should be a state for all its citizens and because I have spoken out against Israeli military occupation. Last year, Cabinet member Avigdor Lieberman — an immigrant from Moldova — declared that Palestinian citizens of Israel "have no place here," that we should "take our bundles and get lost." After I met with a leader of the Palestinian Authority from Hamas, Lieberman called for my execution.

The Israeli authorities are trying to intimidate not just me but all Palestinian citizens of Israel. But we will not be intimidated. We will not bow to permanent servitude in the land of our ancestors or to being severed from our natural connections to the Arab world. Our community leaders joined together recently to issue a blueprint for a state free of ethnic and religious discrimination in all spheres. If we turn back from our path to freedom now, we will consign future generations to the discrimination we have faced for six decades.

Americans know from their own history of institutional discrimination the tactics that have been used against civil rights leaders. These include telephone bugging, police surveillance, political delegitimization and criminalization of dissent through false accusations. Israel is continuing to use these tactics at a time when the world no longer tolerates such practices as compatible with democracy.

Why then does the U.S. government continue to fully support a country whose very identity and institutions are based on ethnic and religious discrimination that victimize its own citizens?

Friday, May 4, 2007

بين الرومانسية القومية والواقعية الطائفية


رغم فشل الدول العربية في عملية بناء الأمة على أساس المواطنة أو على الأقل على أساس هوية محلية يستمر اتهام دعاة القومية العربية بانشغالات رومانسية. وهو الفشل البادي من انهيار الدولة مع انهيار النظام في العراق، والخوف من تحول الخلاف السياسي في كل دولة عربية إلى احتراب طائفي أو الخوف المعاكس من تسييس الانتماءات الطائفية وتحولها إلى مصالح طائفية يتماهي معها الأفراد ويتبنوها كأنها مصالحهم فعلا كـ"أبناء طائفة". ومؤخرا تحول الخوف من الحرب الخارجية إلى خوف أن تؤدي إلى احتراب داخلي. لا يمكن الإدعاء أن هذه الوقائع دليل على نجاح في تثبيت وطنية القطرية.

لقد تحولت الأمة التي يفترض أن تبنى على أساس الاقتصاد المشترك والتجربة المشتركة والدولة وبرامج التدريس الرسمية وإعادة كتابة التاريخ كتاريخ مشترك وغيرها إلى هوية قطرية فولكلورية ورومانسية إلى حد بعيد، بما فيها من محاولات لمهرجانات بابلية وفنيقية وكنعانية وفرعونية بودر اليها من أعلى لتنفيذ مآرب سياسية وإعادة تشكيل الإنتماء والولاءات على أساسها.

ولو نجحت الدولة القطرية في تشكيل أمة مدنية على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية هي الضمان ضد الاستبداد وليس العشيرة أو الطائفة، لكان ربما قد وقع فصل محمود مهما بدا غريبا بين قومية عربية ثقافية ينتمي إليها غالبية المواطنين في الدول العربية من جهة، وأمة سياسية قائمة على المواطنة في الدولة القطرية من جهة أخرى: هي مجتمع مدني نحو الداخل وأمة نحو الخارج.

ولكن هذا لم يحصل. وأحد الأسباب برأينا هو وجود المسألة العربية غير محلولة. وبقيت الاحتمالات قائمة بين قومية عربية ثقافية وسياسية في آن معا، وبين انتماءات سياسية عشائرية وطائفية بعضها عابر وبعضها غير عابر لحدود الدول.

في مثل هذا الظرف لم يعد ممكنا التعاطي مع القومية العربية كرومانسية إلا كسوء نية سياسي يعبر عن موقف.
فالقومية العربية قبل مرحلة بناء أمة المواطنين هي حاجة عملية لتوحيد غالبية الشعب حتى في الدولة القطرية لكي لا ينهار إلى طوائف، وهي ليست مجرد "إثنية" مختلقة مركبة بل جامع ثقافي من الدرجة الأولى يقوم على اللغة المشتركة، وجامع سياسي وتعبير عن تطلعات سياسية لها تاريخ حديث وقديم.

ليست القومية العربية حالة رومانسية إذا بل حاجة عملية ماسة وبراغماتية في الوصول ليس فقط إلى مجتمع حديث قائم على الانتماء الفردي، بل أيضا لتزويد المواطن بهوية ثقافية جامعة تحيد غالبية الطوائف والعشائر، العربية على الأقل، عن التحكم بانتماء الفرد السياسي.

وحتى لو لم تقم على أساسها دولة عربية واحدة في المرحلة الراهنة، فإن الدول العربية القطرية لا تستطيع الاستغناء عنها في عملية بناء أمة مواطنية للعرب وغير العرب. كما أنها تشكل أساسا لتعاون ووحدة دول عربية في المستقبل على نمط الاتحاد الأوروبي. وبين دولها من المشترك والموحد أكثر بكثير مما بين دوله التي لا تجمعها لغة ولا قومية ووقعت بينها في الماضي غير البعيد حروب دينية وحروب قومية وحروب عالمية.

كما أن وجود تيار عروبي فاعل يطرح المشترك ويلح عليه ويعارض التجزئة الطائفية ويطرح بدائل ديمقراطية ويندمج في الحركة الثقافية والجماهيرية في كل بلد على حدة هو ضمانة أكيدة ضد هيمنة الفكرة الطائفية أو الانتماءات التجزيئية الأخرى للأمة.

من أين يأتي انطباع الرومانسية هذا عن القومية والذي يجتره السطحيون من حلفاء المرحلة الأميركية ويبصقونه بعدمية باتجاه القوميين وغيرهم من نقاد المرحلة؟ ونقول "العدميين" لأنهم يعجبون بالتطرف القومي والرومانسية القومية إذا تجلت على نمط خطب بوش في كتدارئية في واشنطن، أو إذا كررها اليسار الإسرائيلي في صراعه ضد حق العودة الفلسطيني ومع قانون العودة الإسرائيلي ومع يهودية الدولة بنبرة قومية لافتة يحترمها العدميون العرب، ولا يعتبرونها رومانسية. وفي الواقع لا تخلو الطقوس والخطب الاميركية والإسرائيلية الرسمية من رومنسيات وأساطير قومية ودينية، بل تعج بها.

هم لا يدرون شيئا عن جذور هذا الانطباع عن القومية، ولكننا ندري. ويجب أن ندري إذا أردنا أن نقيم تاريخ الفكر القومي العربي وغير العربي تقييما نقديا. فالقومية كتجاوز الانتماء إلى إيديولوجية رئيسية، وكتيار مركزي في المجتمع نشأت في الدول التي تأخرت في التطور الرأسمالي، وغالبا ما جاءها كتحديث قسري من أعلى. وحلت فيها القومية كرد فعل رومانسي على انحلال الجماعة العضوية ومحاولة إعادة تأليفها كـ"جماعة متخيلة" ضد الفردية و"الانحلال" التي ميزت المجتمعات الرأسمالية المتقدمة وذلك في القومية القائمة على الثقافة أو الانتماء الإثني.

ومع هذه الرومانسية نشأت في الإيديولجيات القومية مظاهر تقديسية للانتماء وللوطن وللجماعة، ثم للانضباط والطاعة والتنشئة على قيم قومية والرغبة في تنظيم التحول الاجتماعي بشكل شبه عسكري للتعويض عن التخلف والتأخر في التطور الرأسمالي وللتعويض عن ضعف قيم الحداثة في المجتمع بالتخطيط الصارم والهندسة الاجتماعية. وقد ولدت هذه الأفكار ما ولدت من عمليات تحديث في إيطاليا وألمانيا وبولندا وروسيا، ولكنها أنجبت أيضا أنظمة شمولية من أسوأ نوع.

لم تسنح الفرص للقومية العربية للوصول إلى هذه المراحل، ولكن لوحظ عند مفكريها الرومانسييين مثل زكي الأرسوزي وحتى المحدثين والحداثيين بينهم من أمثال قسطنطين زريق وساطع الحصري تأثر شديد بالرومانسية القومية الألمانية والإيطالية. وقد اختلط في هذا التأثر الإعجاب بسرعة التوحيد التنظيم والتحديث والضبط ونشر العلم والتصنيع في مجتمعات كانت حتى مرحلة قريبة مجزأة إلى أمارات ومتخلفة، اختلط مع العداء للمستعمر الإنجليزي والفرنسي فيما بعد.

ولكن برأينا يجب عدم الخلط بين هذه الميول التي بقيت إيديولوجية وبين تشديد القوميين الأوائل على التربية والنهضة بالشباب والتثقيف القيمي والأخلاقي ومنح الشباب حلما وقيما ومعنى. فهذه ليست بالضرورة رومانسيات، وحتى لو تضمنت بعض الرومانسية الا أنها عبرت عن حاجة ماسة. ولذلك تولت عملية إعداد البرامج للتربية والتعليم نخب تلك المرحلة مثل ساطع الحصري بنفسه وطه حسين بنفسه، وأدى غيابها ليس فقط إلى انهيار عملية التعليم والتربية بل ساهم أيضا في مفاقمة الأزمة الأخلاقية التي تعيشها الثقافة والسياسة العربية في المرحلة الراهنة.

يذكر عزيز العظمة في كتابه الممتاز عن المفكر العربي قسطنطين زريق سخرية رئيف خوري الماركسي من القيم التربوية المتضمنة في كتاب الوعي القومي لزريق، إذ يشبهها بالوعظ الكنسي الإنشائي.

ورئيف خوري ماركسي لامع، وكاتب مجيد. وقد ترك بعض الماركسيين العرب تحليلات جيدة جدا لحال المجتمعات العربية وحتى القضية الطائفية. ولكن سخرية الماركسيين عموما وحتى الأخلاقيين من بينهم من القضية الأخلاقية والتربوية والقومية واعتمادهم نسبية الأخلاق الكارثية والتساؤل الدائم حول أي مصلحة تخدم القيمة الأخلاقية واتهام القومية بالرومانسية هو مثال على تهافت هذا النوع من النقد. فقد أدى إلى ما أدى اليه في دول المنظومة الاشتراكية من هدم الإنسان فيما يتجاوز حتى آثار انهيار الديكتاتورية الشمولية، كما أدت إلى إرساء الأساس إلى تحول بعض اليسارييين العرب من اتهام القومية بالرومانسية من اليسار إلى اتهمامها بالرومانسية من موقع اليمين، أو من داخل المعسكر الأميركي الاسرائيلي الذي يعج بالقوميين الرومانسيين من المحافظين الجدد وحتى اليسار الصهيوني. هذا مثال فقط. ففيما عدا القوميين المتطرفين أنفسهم أعداء القومية العربية الجديون في أيامنا هم الطائفيون وأنصار تكريس الوضع القائم على أنواعهم والذين يعتبرون النظر الى العام من خرم مصالحهم الضيقة واقعية...وقد يثبت أنها رومانسية مقلوبة كما هو حال العدمية دائما.

من يقيم لجنة تحقيق حول الجرائم؟



لو عادت حكومة أولمرت من حرب لبنان بانتصار على المقاومة أو على الأقل صورة انتصار فوتوغرافية لقيادي أساسي في حزب الله مكبلا الى مروحية، لما قامت لجنة فينوغراد حتى لو ارتكبت الحكومة نفس الأخطاء التي يعددها تقريرها الحالي.

وأولمرت الخبير بالمزاج الإعلامي وبالنفسية السياسية الإسرائلية أكثر من خبرته في إدارة الحكومة والحرب يعرف هذا، ولذلك قام في نهاية العمليات القتالية بمحاولات مستميتة للإنزال تتضمن عمليات كوماندوز وغيرها لقنص انتصار، مهما كان وهميا وصغيرا. ولكنه فشل. فشل في الحرب، وفشل حتى في التقاط صورة انتصار وهمية.

ولذلك نقول الفشل هو أبو لجان التحقيق وليس الخطأ، ولا البحث عن مكمنه كما تدعي وتتصرف اللجان ذاتها بوقارها المعروف. فلو وقع انتصار مفارق ناجم عن انحلال قوى الخصم أو حصول خيانة أو غيره، أو لو فشلت المقاومة وأدى فشلها الى نجاح إسرائيلي بغض النظر عن حجم الأخطاء الإسرائيلية التي ارتكبت لما قامت لجنة تحقيق. ليس الأخطاء التي يبحث عنها الآن بأثر رجعي، بل نجاح المقاومة في الصمود وإدارة المعركة أدى الى إقامة لجنة تحقيق.

وتعج الصحافة الإسرائيلية بصحفيين وكتبة مقالات وشخصيات عامة تطالب أولمرت بالاستقالة. نفس هؤلاء الإعلاميين الإسرائيليين، الذين تترجمهم بعض الصحافة العربية دون تدقيق وتروج مقولاتهم دون مراجعة لتاريخ هذه المقولات ودون ذاكرة نقدية، كانوا قد حثوا وحرضوا أولمرت على شن الحرب بعد عملية خطف جنديين يصح ان نسميها حادث حدودي.

لقد نفخت العملية التي نجمت عن رفض إسرائيل تحرير الأسرى اللبنانيين في صفقات تحرير سابقة. وتحولت عملية خطف جنديين إلى سبب للحرب التي قدم موعدها دون جاهزية إسرائيلية ودون دراسة السيناريوهات المحتملة والتوقف عندها بلغة فينوغراد. فكيف تم ذلك؟ بتعريض حكومة ضعيفة ومضطرة ان تظهر كحكومة قوية للضغط بالتهويل والتطبيل والتزمير من قبل نفس السياسيين والإعلاميين الذي يطلبون الآن باستخلاص النتائج. وبعدم التواني عن ربط الحرب بأهداف استرايجية أميركية في المنطقة وفي لبنان.

أولئك لن يغفروا لأولمرت ورئيس أركانه أنه لم يجلب لهم النصر الذي وعدوا قراءهم به. ولن يغفروا لقيادة الجيش هذه الفضيحة في إداء الجيش الذي بنوا عليه كل تنافخهم الوطني. نفس الذين يتهكمون الآن على خطابه الحربي أمام البرلمان، والذي يحرجه هو أيضا حاليا، كانوا قد وصفوه في عناوين رئيسية بعبارة "خطاب قائد".

ليست لجنة فينوغراد ونتائجها وترويج الإعلام لهذه النتائج دليل ديمقراطية من أي نوع، ولا حتى دليل توفر عنصر المساءلة من عناصر الديمقراطية. بل هي دليل على أن مجتمع الإنجازات والوصولية السياسية وغير السياسية مجتمع منتهزي الفرص من الأنماط البشرية الرديئة التي تعاقب على عدم الوصول لا على كيفية الوصول، لا يحاسب ولا يسائل على الخطأ بل على الفشل. وطبيعي أن الأنظمة غير الديمقراطية غالبا ما تحاسب على الفشل أيضا، وذلك لانه ابو التحرك الجماهيري والانقلاب العسكري ومحاولة الإصلاح وحتى الاستقالة.

المحاسبة على الفشل لا تميز الأنظمة الديمقراطية إذا. فقد بدأ التحول في البرتغال مثلا بانقلاب عسكري بعد هزيمة عسكرية مني بها استعماره في افريقيا ومست تلك الهزيمة شرعية النظام القائم. وفي اليونان اضطرت الطغمة العسكرية إلى إجراء الانتخابات بعد هزيمة أمام تركيا، وفي الأرجنتين بعد هزيمتها أمام بريطانيا في حرب الفوكلاند بعد محاولة الاعتماد في الشرعية على تأجيج المشاعر القومية وإعادة احتلال الجزر وضمها للأرجنتين. الفشل هو بحد ذاته عملية محاسبة. أي خصم سياسي يريد الاستمرار بالحياة يكمله ويحوله الى محاسبة واعية واستخلاص نتائج.

وهنا فشلت حكومة أولمرت في وضع الأهداف، وفشلت في إدارة الحرب وفشلت في اقتناص انتصار. وعلى هذا الفشل تحاسب حاليا من قبل نفس من دفعوها الى الحرب. فنحن لم نسمع عن صحفي يحاسب نفسه بالانقطاع عن الكتابة لانه حرض على الحرب او طالب بتسوية بنت جبيل مع الارض، او اقترح خططا عسكرية للانتصار وهو جالس في بيته. ولكن نفس النمط من الصحفيين يضع الآن سيناريوهات التطور بعد أولمرت، ويرغب بجدية ان نقتبسه وأن يشغلنا بها.
الداعي للتحقيق هو أولا الفشل، او للدقة تفويت المقاومة على إسرائيل فرصة تحقيق ولو حتى انتصار وهمي.

وثانيا، الغرور والعنصرية. وكيف نقول الغرور في حين ان التحقيق يوحي بالشفافية والتواضع، ثم ما علاقته العنصرية؟ لسبب ما اقتنع المجتمع الإسرائيلي ان نموذج الحروب هو حرب 67 . وأن حربا لا تحقق نصرا بست ساعات تستدعي لجنة تحقيق ووابلا من الخيبات والمرارات. ولسبب ما اقتنعت اسرائيل ان العرب يحاربون دائما كما في عام 67. مع أن تلك الحرب حصلت مرة ولم تتكرر، ولا حتى في معركة الكرامة التي تلتها بأشهر ناهيك عن حرب اكتوبر 73 ثم الصمود في حصار بيروت عام 1982 ثم المقاومة اللبنانية والانتفاضة.

حرب 67 وقعت مرة واحدة ولكنها ما زالت تشل الوعي العربي حال التهديد بعدوان إسرائيلي، فتشكك بإمكانية الصمود وتحقيق انجازات. أما من ناحية إسرائيل فقد باتت تؤثر سلبيا اذا يعتقد الإسرائيليون أن من صفاتهم الجوهرية ومن مزايا الفجوة الحضارية مع العرب ما يمكنهم من تحقيق انتصارات سهلة لا يسقط فيها جنود، فالعرب غير قادرين على تدفيع المعتدي أي ثمن يذكر. واذا تمعنا بانصعاق الاسرائيليين من عدد يزيد عن مائة جندي إسرائيلي بقليل سقطوا في الحرب مقابل هذا الدمار الذي لحق بلبنان ومقتل آلاف المدنيين اللبنانيين بينهم عدد مريع ومرعب من الأطفال ندرك عنصرية الافتراضات التي تحرك لجنة التحقيق.

فلم يخطر ببال اللجنة أن تحاسب على جريمة قتل بلا رحمة للأطفال بالقصف الجوي، وتدمير منهجي بربري لثلث لبنان. اللجنة التي تضم مهنيين حقوقيين ومؤرخين من توجهات إسرائيلية قديمة السلوك والنهج وزاوية النظر تذكر بنخب حزب مباي القديمة حاسبت على قلة الخبرة وعدم الدراية وعدم التروي والغرور والتفرد في صنع القرار وعلى تحديد الأهداف وعلى التسرع في عملية صنع القرار. أما الثمن الذي دفعه اللبنانيون جراء ذلك، فهو ليس خارج حدود عقل وخطاب لجنة التحقيق فحسب، بل ولو قتل أطفال أكثر ودمرت قرى أكثر في حرب وضعت لها الأهداف بشكل مدروس وتحقق قسم منها لما قامت أصلا لجنة تحقيق.

ولا شك أن المقاومة اللبنانية قد قدمت درسا في معالجة القنوط العربي أمام الغرور الإسرائيلي. ولكن العنصرية الإسرائيلية ما زالت بحاجة الى معالجة. وهي لن تعالج الى أن يقدر العرب معنى المطالبة بمحاكمة المجرمين، المشبوهين والمتهمين بارتكاب جرائم حرب في فلسطين ولبنان ومصر وسوريا. ان التعامل مع قضية الأسرى المصريين يثير الف سؤال حول قيم الانسان يتصل ايضا بالتحقيقات بالمسؤولية عن كوارث وحوادث داخلية ذهب ضحيتها مواطنون أبرياء. وتلك الصور لأطفال ينتشلون من تحت الأنقاض بعد كل قصف إسرائيلي لقرية جنوبية أو للضاحية والبقاع، هل نسيت؟ هل نسي قصف قوافل المدنيين الفارين من تحول قراهم الى جحيم؟

الحقيقة أني استغرب هذا الاهتمام العربي بتحقيقات لجنة فينوغراد وتفاصيلها. أفهم اهتمام حزب الله باعتراف رسمي إسرائيلي بالفشل مقابل تشكيك عربي مستمر عند بعض من يعتقدون ليس فقط أن إسرائيل نجحت في لبنان بل أيضا أن أميركا نجحت في العراق. وأفهم اهتمامه بالدروس العسكرية التي يريد استخلاصها من التقرير الإسرائيلي. ولكن عدم الاكتراث بهذا التراشق بالتهم بين إسرائيليين يجب ان تكون سمة تعامل المزاج السياسي العربي. السياسيون ينتشرون كالضباع حول جثة أولمرت السياسية عواء ونهشا لاقتناص مقعد نيابي في الانتخابات القادمة أو وزاري في الحكومة الحالية، أو لتجنب المسؤولية وتقليل الضرر اللاحق بهم. لماذا يجب ان يهتم العرب بهذه التفاصيل القادمة من كرنفال الانتهازية السياسية وسيناريوهات وسائل الإعلام الإسرائيلية لما بعد اولمرت؟ فباختصار ان استمر أولمرت في منصبه معاندا مصيره سوف يستمر مشلولا سياسيا، وان استقال يحل مكانه عضو من كاديما لمرحلة انتقالية لا تتخذ فيها قرارات هامة، وعلى كل حال الانتخابات المبكرة قادمة. وسوف يقال للعرب ان ينتظروا نتائجها، وربما يقنعهم أحدهم من الأصدقاء الاميركان بالرهان على مرشح دون آخر... وهو سياق لم يتغير منذ ان قرر العرب ان يهتموا بالشأن الإسرائيلي الداخلي دون ان يهتموا بكيفية التأثير عليه بدل الانخراط به، فاحتواهم وتحولوا الى معلقين ومفسرين له دون ان يترتب على ذلك نتائج متعلقة باستراتيجية من اي نوع.

يجب أن ينصب اهتمام الرأي العام العربي على محاكمة المجرمين ومحاسبتهم، فقد نقل الضحايا تحت ستار من الإثارة الزائفة من امور مملة تجري في إسرائيل الى الخلف. والمشهد الجاري بين فينوغراد وأولمرت ووزيرة خارجيته ورئيس ائتلافه وشمعون بيرس الأبدي الذي ينتظر ان يخرج من كل هذا كرئيس حكومة ولو لشهرين دون أن يصرح فيفتح فما للشيطان ولطالعه السيء، ينتظر بتوتر وصمت لئلا يفتح فمه فتسقط اللقمة وهي على حافة الفم كما سقطت كل مرة.

ماذا يهمنا من كل هذا ما دامت إسرائيل لن تحاكم المجرمين الملطخة أيديهم بالدماء؟ لقد دفع بالضحايا الى خلف المسرح السياسي ليخلوا المنصة لمسرحية عبثية جديدة يتحول فيها العرب الى متفرجين كسالى، والمصيبة أنهم لا يستنتجون منها أمرا حتى بالنسبة لمبادرة السلام التي رغبوا بإحيائها في فترة افول أولمرت.

واجب الإعلام العربي والسياسة العربية ان يرفضا اعتبار هذه اللعبة مركزية. فلتحتل عناوين رئيسية في إسرائيل، أما عربيا فيجب أن يسأل السؤال حول مصير المسؤولين عن المذابح التي وقعت بحق لبنان وفلسطين في ذلك الصيف. أي عزوف عن هذا السؤال أو تجاهل له يؤكد العنصرية الإسرائيلية التي تستهجن ان يسقط إسرائيلي واحد مقابل قتل آلاف العرب، وأن يخطف جندي واحد مع بقاء آلاف المخطوفين العرب في السجون.

بل ولم لا يمكن ان يشغلونا بمحاكمة مثقف عربي من الداخل على حديث مع لبنانيين وعلى مقال وموقف مبدئي وفكرة ديمقراطية وانتماء عربي، وأن يحاكمه نفس المجرمين، ويتوحد ضده اليسار واليمين ونفس الصحافة والصحافيين كما في بداية حرب لبنان. ويمكن أن نتساءل ايضا لماذا لا يسمح نفس هذا المثقف العربي بمحاكمته بدل محاكمتهم ليس على حديث ومقال وفكرة وبرنامج ولو كانت عنصرية بل على قتل الآلاف.