Thursday, June 28, 2007

المسؤولية الوطنية ما بعد هذا الإنقسام




أقيمت حركة حماس من قبل تنظيم الإخوان المسلمين. وبدأ العمل على إقامتها في العام 1984، وقد بادر إلى ذلك شباب الإخوان الفلسطينيين ممن تأثروا من التنافس مع القوى والفصائل الوطنية في الانتخابات الطلابية وغيرها، وأصروا على إقامة حركة مقاومة للاحتلال. ومن هنا جاءت سهولة تنظيمها بعد بداية الإنتفاضة الأولى مع صدور بيانها الأول في كانون الأول 1987. فمن اعتبر بيانها مفاجأة كان يجهل حجم الإعداد الذي سبقه واتساع القواعد السياسية والإجتماعية.

ومنذ ذلك الحين اتجهت الحركة بالتدريج إلى تجاوز الإخوان التقليديين انفتاحا على الحركات الأخرى، وفي مرونة الموقف الاجتماعي، وفي دينامكيتها السياسية وفي أساليب النضال. ولذلك لا يخطئ من يعتبرها حركة تكفيرية فحسب، بل يتجنى على الواقع والحقيقة. إن من يعتبر حركة وطنية واسعة مثل حماس حركة تكفيرية هامشية يقوِّض إمكانية بناء المقاومة، وحتى المجتمع في فلسطين. وهو نفس النهج الذي يجهض إمكانية بناء الديمقراطية في المجتمعات العربية.

ولا شك أن عملية بناء الديمقراطية وعملية بناء الأمة عربيا تحتاج إلى اتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية بين التيارات السياسية الرئيسية. ونحن نلحظ تقدما في هذا الإتجاه من قبل التيار الإسلامي الواسع والذي يميز نفسه عن التيارات التكفيرية. يجب أن يقبل التيار الإسلامي قواعد اللعبة الديمقراطية ومبادئ المواطنة المشتركة والحريات وثوابت الدولة القومية. ولكن كل من يرى إمكانية لعملية ديمقراطية دون الحركات الإسلامية الواسعة في أيامنا، لا يدري عم يتكلم. فعملية استثنائها تعني تكريس نظام الحكم غير الديمقراطي. وإذا كانت هذه الحركات ممتدة اجتماعيا وسياسيا ورفضت إقصاءها يتحول النظام ومعه قوى سياسية إلى القمع الدموي السافر الذي يحول ممارسات الحركات الإسلامية المتوقعة في الحكم إلى مسألة نظرية في مقابل الواقع الدموي. ويتحول مثقفون علمانيون ممن يستفزهم كل مظهر قمعي من الحركات الدينية إلى التنظير للقمع الدموي من قبل الأنظمة.

ومن ناحية أخرى ثبت أن توق الحركات الإسلامية الواسعة إلى المشاركة وتعاملها مع الفئات الإجتماعية الواسعة والعملية السياسية يؤدي إلى إصلاحها لذاتها ولمبادئها، في حين أن فرض العزلة والإقصاء عليها يؤدي إلى إمعانها في الموقف الرافض للمؤسسات والنظم الحديثة وتكفيرها. ليس للقوى الديمقراطية من بديل سوى محاورة الحركات الإسلامية الإجتماعية السياسية الواسعة ومحاولة التأثير عليها، بشرط أن توافق الأخيرة على هذه العملية وتنفتح لها.

إن من يتهم حماس بأنها حركة تكفيرية هو إما مغرض، أي ذي غرض آخر غير ما يقول، أو لا يدري عم يتكلم. ومن يرى بإمكانية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني دون التيار الإسلامي الواسع على الساحة، وهو يشمل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لا يتحدث عن معرفة وتحليل يؤسس لرأي مختلف حول إعادة بناء المشروع الوطني، بل يقصد في الواقع مشروعا آخر. وهو مشروع لا يستند إلى الإجماع الوطني الفلسطيني بما فيه الإتفاق على قواعد اللعبة التي يجب أن يحترمها التيار الإسلامي، بل يعتمد على تفاهم، وربما تحالف، مع إسرائيل وأميركا ضد الإجماع الوطني الفلسطيني.

ولا يهم في موقفه هذا المتفاهم مع إسرائيل إذا كانت القوة التي تحركت للإمساك بالأجهزة الأمنية في غزة حركة إسلامية أو علمانية، المهم بالنسبة له أنها ضد التسوية والمهم أنها ترفض استخدام الأجهزة الأمنية ضد المقاومة، ولا تقبل أن تكون هذه الأجهزة في خدمة تيار سياسي بعينه. هذا وحده يكفي لكي يعتبرها عدوا ويرفض الحديث معها. والحديث يدور عن تيار هو أقل من فصيل، بل لا يتجاوز أن يكون تيارا داخل فصيل يستخدم الأجهزة للسيطرة على الفصيل ذاته ثم لفرض أجندته السياسية ضد المقاومة وضد خصومه.

من هذه الناحية لا أهمية لهوية التيار الذي ربح الانتخابات ومُنِعَ من ممارسة دوره وحرم من السيطرة على الأجهزة الأمنية كأي حكومة تتشكل، بعد أن ربحت انتخابات. لا أهمية مبدئية هنا لكون حماس حركة دينية. ولنفرض أنها حركة مقاومة علمانية رافضة للتسوية وربحت انتخابات في مثل هذه الظروف، هل كان سوف يسمح لها بالسيطرة على الأجهزة الأمنية كحكومة منتخبة؟ ألم تكن لتتعرض إلى حصار بسبب إصرارها عى المقاومة ورفض التسوية مع إسرائيل؟ وهي بدورها ما كانت لترضى بهذا الواقع. ولا علاقة لكونها أصولية أم إسلامية أو علمانية بمجرى الأمور هذا. لا ترضى حكومة علمانية أن تكون الأجهزة الأمنية ليس فقط خارج سيطرتها بل أداة في محاربتها ولفرض تيار سياسي بالقوة، وهو تيار لا يرضى بالوحدة الوطنية ولم يربح الانتخابات، ولا حتى داخل فصيله. ولنذهب هنا أبعد قليلا فنقول إن الجرائم التي ارتكبت في حالة ميدانية تصعيدية تدهورت إلى انتقام وثأرية وتدحرجت أثناء القتال لا تميز حركة دينية تكفيرية بالضرورة بل تميز الغوغائية عموما عندما تسيطر على الشارع. ولا أريد أن أذكِّر الناس بمشاهد تاريخية لثأرية حركات علمانية ودينية على حد سواء في حروب أهلية في دول بعيدة ومجاورة.

ولذلك فإن النصوص التي تستحق التعليق والتي تناولت أحداث غزة الأخيرة من منطلق دينية حماس كحركة إسلامية، وتجاهلت كونها حركة مقاومة شعبية واسعة وعريضة وربحت الانتخابات وحوصرت وتم التآمر عليها، حولت رابح الانتخابات إلى انقلابي وقادة الأجهزة الأمنية إلى ضحية انقلاب. إنها في الواقع نصوص غير مسبوقة في تلفيقيتها وقلة استقامتها ورهانها على عداء القارئ للحركات الإسلامية أو الخلط بينها بشكل يخجل منه حتى المستشرقين. لا علاقة لهذه المواقف لا بالتقاليد الديمقراطية ولا بالإنصاف، ولا بصرامة التحليل والدقة المطلوبة من مثقفين.

كاتب هذا المقال يخطئ دخول حركة حماس السلطة أصلا، ولكن أين ممارسات حركة حماس الأصولية أو التكفيرية في السلطة. وكيف يمكن لمحلل يحترم نفسه أن يتجاهل حتى التغيرات التي طرأت على الحركة وتطورها في السنوات الأخيرة.

كل هذا لا يعفي حركة حماس طبعا من التعامل بمسؤولية وطنية مع ما جرى ويجري بعد أحداث غزة، بدءاً بأول تنسيق عربي رسمي علني مع إسرائيل على هذا المستوى ضد المقاومة، وانتهاء بتفنيد فكرة الإمارة الإسلامية المغرضة التي استوردت لاستدعاء تداعيات سلبية من حركات سلفية قرسطوية على نمط طالبان للتحريض. على حماس أن تثبت أنها لا تفرض آراءها ونمط حياة رجالها ونسائها على الناس في غزة تحت أي مسمى كان، ولا حتى كما يجري في بعض الدول العربية "المعتدلة" التي لا تشكل مشكلة بالنسبة لمثقفين علمانيين معتدلين ممن استنفروا ضد حماس. وعلى حماس أن تمتنع عن مثل هذه الممارسات ليس لكي تعجب أحدا، بل لأن ممارسة الفرض والقسر الديني ممارسة باطلة، ولأن هذا ليس هدفها في مرحلة التحرر، ويجب ألا يكون هدفها بعد التحرر. ويتوجب على حماس أن تدير قطاع غزة بحكم صالح وشفافية ونجاعة وبتعاون مع كافة القوى السياسية والاجتماعية التي استثنيت من حكومات فتح وحماس، وكما يستحق أهل غزة الذين عانوا الأمرين تحت الاحتلال وتحت أوسلو في ظل السلطة.

ويبقى الأمر المهم هو تجاوز تقسيم المشروع الوطني الفلسطيني إلى كيان سياسي محاصر في غزة يصارع على الخبز والوقود، وكيان آخر يقزَّم إلى استعادة امتيازات اقتصادية وسياسية ودبلوماسية لنخبة أوسلو المتحررة من الشراكة مع حماس التي كلفتها حرمانا مما تعودت عليه منذ تلك الأيام. الأمر الأهم هو تجاوز إخراج القضية الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني من النقاش، وفي مقدمتها القدس والعودة وإزالة الاحتلال والمستوطنات.

ولذلك فإن امتحان حماس هو في قدرتها على اجتذاب القوى المجتمعية والفصائل المعارضة فعلا لهذا الانقسام، وغير القابلة لنموذج سلطة ترفض الحوار مع حماس في حين تحول الحوار مع إسرائيل إلى تنسيق مواقف، أي تحالف، ضد حماس. وبعد أن تكسب حماس ثقة هذه الفصائل التي خسرتها في عملية تقسيم الحصص مع فتح في الحكومة سوف يكون عليهم جميعا مناقشة السلطة وشخوصها الرافضة للحوار والفرحة بالتخلص من اتفاق مكة وعبء الشراكة مع حماس، ليس في منافسة بين النموذج الناجح والفاشل بين غزة والضفة، بل على المشروع السياسي.

يجب أن يطرح السؤال حول المشروع السياسي لهذه السلطة التي يتبارى العالم على الاعتراف بها كحكومة طوارئ. حسنا، مبروك. وماذا بعد؟ هل سوف يؤدي هذا الاعتراف لتصعيد المعركة ضد حماس أم لتعزيز موقف السلطة التفاوضي لاسترجاع الحقوق الوطنية الفلسطينية. "ولنكن واقعيين"(!!)، فنحن لا نتوقع منها أن تحرر القدس ولا أن تحقق حق العودة، ولكننا نتوقع أن تتمكن مع كل هذه الاحتضان الدولي والإسرائيلي من العمل على إزالة الجدار وإزالة المستوطنات، وألا تقبل أن تخضع من جديد لامتحان اثبات جديتها في العداء لحماس بقطيعة أوثق مع غزة وبممارسات أكثر قمعية ضد المقاومة في الضفة الغربية مثلا. هذا مسار يقود إلى التهلكة بغض النظر عن المعاشات والامتيازات وتصاريح الخروج والدخول من وإلى فلسطين، وحتى جلب القوات وتعزيزها..

في المقابل يجب أن تطالب حماس بضمها إلى إطار وطني أوسع يتجاوز الإنقسام الحاصل في المناطق المحتلة ويلتف عليه إلى فضاء القضية الفلسطينية كشعب وكقضية وطنية شاملة. يجب أن يبدأ الحوار هنا، من خلال إعادة بناء منظمة التحرير. وإذا رفض ذلك وتم تقزيم المنظمة إلى أداة في خدمة جدول أعمال سلطة سياسية في الضفة الغربية فيجب التفكير بكيفية وإطار تفاعل القوى السياسية الرافضة لهذا الإنقسام، الرافضة لرفض الحوار، والمستقلين والمثقفين وكافة الفئات التي ترى في هذا الواقع المشوه افتراءً على الشعب والواقع والتاريخ، من أجل طرح وتمثيل القضايا الوطنية الكبرى بشكل يتجاوز مؤامرة النموذجين في غزة وعلى جزء من الضفة.

Sunday, June 24, 2007

A Restructured PLO

Without an organisation capable of representing all Palestinians, both in the occupied territories and the diaspora, the future can comprise little beyond internecine conflict, writes Azmi Bishara

The US and its Western followers revealed what democratisation of the Arab world actually means to them when they rejected the results of the Palestinian legislative elections and instead began an economic boycott. The result was escalating internecine violence fuelled by the lure of money.

The Mecca Agreement between Fatah and Hamas to form a unity government opened the horizon for a unified Palestinian strategy that would include the restructuring of the Palestinian Liberation Organisation (PLO) and that would compel Arab governments to face their obligations to press for an end to the blockade against the Palestinian people and for the implementation of The Hague ruling on the separating wall. Some pro-settlement Palestinians believed that the Mecca Agreement was aimed at containing Hamas and that since Hamas had agreed in principle then all that remained was to name Hamas's price. They thought a haggling process would drag on as the new Fatah-Hamas partnership stumbled from one crisis to the next while at the same time negotiations and communications would be conducted through diplomatic channels aimed at a permanent solution and these would require discussions between members of the unity government. There was, therefore, room for political action.

But the US and Israel were dead set against the Mecca Agreement. They saw it as a defeat for the forces within the Palestinian Authority (PA) in which they had invested such high hopes, one being that they would turn against Arafat. These forces, it is now apparent, accepted the agreement not because they liked it but because others in the PA felt that they could not take on Hamas in Gaza. The Mecca Agreement, then, was a way to put off the inevitable confrontation against Hamas. In the interval the PA would have to be funded through its executive branch while the presidency, the security agencies and the relationship between the two would have to be strengthened in preparation for the next elections or the next showdown. The US, meanwhile, knowing that to boycott the president of the unity government would drive Fatah closer towards embracing that government, came up with the notion of holding "theoretical talks", as Israeli Prime Minister Ehud Olmert termed them, over a permanent solution so that people would get used to hearing certain ideas -- the "hypothetical" relinquishment of the right to return and the "hypothetical" renunciation of Jerusalem as the capital of a Palestinian state. As long as everything was couched hypothetically it would be possible to keep a unity government intact with people in it advocating such ideas until they became perfectly normal.

In spite of the Mecca accord, on the very day of the 59th commemoration of the nakba -- the establishment of the state of Israel in 1948 and the consequent dispossession of hundreds of thousands of Palestinians -- a Palestinian shot another Palestinian in Gaza. But this was nothing compared to what happened next. In the course of Hamas's attempts to pre-empt any possible action by forces opposed to the Mecca Agreement undermining the unity government and delivering a debilitating blow to Hamas, the movement's field operators indulged themselves in a spate of retaliatory violence that surpassed in bloodthirstiness anything their leadership could possibly justify.

Call Hamas's actions a coup, if you like. The decrees that followed, however, were nothing less than a complete overthrow of the elections that had brought Hamas into power in the first place. Worse yet, the forces that broke with Hamas after these decrees were issued pushed for escalation. These are the forces that vanish in times of unity and thrive in times of strife, and they want to see a tighter economic stranglehold on Gaza and an easing of conditions in the West Bank so that people will draw the comparison between the "successful" recipient of outside financial aid and provider of public services and the boycotted "failure" in Gaza, paying the price for its refusal to accept Israel's conditions. For some reason former US special envoy to the Middle East, Dennis Ross, after having heard this scenario from second-rank Fatah officials and from sources in west Jerusalem, felt it would inevitably play out. He wrote about it in the Washington Post of 5 June. But even the thoroughly pro-Israeli and anti-Arafat and anti-Syrian Ross had reservations.

Apart from voiding the Palestinian cause of any substance beyond the rivalry between two entities, one of which will have the screws of the vice tightened because it needs to learn its lesson, the other having the good fortune to take part in delivering this lesson, the strategy leads to other nightmare scenarios: the starvation of people in Gaza while PA offices in the West Bank drown in money; the loss of a single agency representing all the Palestinian people and a rise in attacks against Israel following the principle of "as long as the roof's caving in, I'll make sure it crashes down on the heads of my enemies too".

What does the right of return and Jerusalem have to do with all of this?

Is the right of return to become the right of Palestinian refugees to return to their camps after the fighting ends? Is the question of Jerusalem to be reduced to the right of its Arab residents to vote for Ehud Barak as the next Labour Party chief, as they did in the party's preliminary elections, leading a Barak aide to remark, "Too bad we didn't kill more Arabs so we could have gotten more of the Arab vote."

No amount of political pragmatism can justify this collapse in morals and morale. What counts now, more than ever, is will power. Either the Palestinians summon the resolve to unite under the PLO and other frameworks or they resign themselves to total disintegration and the above-mentioned scenarios.

Gaza is not just an occupied territory, whether defined geographically, historically or demographically. Nor is what is happening in Gaza a power struggle between rival factions. To reduce the situation to those terms is metaphysical hogwash. Gaza is the largest refugee camp on earth. The violence that has erupted inside it is not dissimilar to a prison riot, and the dynamics of the factional rivalry has much in common with pecking order battles among inmates to determine who gets to speak to the wardens on behalf of other inmates.

Somewhere on the way to this fracas the national liberation movement lost its identity. The Palestinians became a "party" to the Israeli-Palestinian conflict; the beginning of the Palestinian cause was postdated to 1967 instead of 1948 and recast as a territorial dispute; and the cause, itself, lost its ethos as a national liberation movement. To refugees in Gaza and the camps in Lebanon this latter means one thing -- the right to return. As a result large numbers of people who would not benefit from, would even be harmed by, the so-called peace process have lost all sense of direction and are caught between the moral degeneration of those leaders who put considerations of status and the material welfare of their own families first, and the rigid fundamentalism of others. Moral decay on one side, fundamentalism on the other is symptomatic of a national liberation movement that has lost sight of its goals and failed to understand the dynamics of tensions at play inside a concentration camp.

Normally, national liberation movements can rejoice when they achieve their mission of independence and statehood and can set their struggle aside. For Palestinian refugees in Lebanon, though, it changes nothing if the West Bank becomes an empire and Gaza an Islamic republic. They'll still be left in the lurch when these states impose seeking to espouse an alternative legitimacy to that of the liberation struggle. Yet it would appear that something along these lines is in the mind of whoever is engineering developments in the West Bank and Gaza. Palestinians there, and along the banks of the Euphrates, are being told to rethink their cause in its entirety.

Since Oslo the Palestinians left in the ghettos of Gaza and the West Bank have been penned in behind an impenetrable wall, as if they were an alien lump and Israel the body warding off infection. But it is Israel that is the alien body, though this is not something people are supposed to see. Instead, they are expected to view Israel an authentic state with borders defined by the 1967 boundaries, despite the fact Israel occupies large swathes of land beyond these borders. As for the Palestinians, they are an ethnic minority demanding some rights -- freedom of movement, the right to buy and sell, the right to receive foreign aid. Accordingly, the West Bank is now to be severed from Gaza in people's minds. It will be granted its "rights" while Gaza will not. Such is the treatment in store for Israel's "subject peoples." Meanwhile, the cause of the refugees in Lebanon, Iraq and the rest of the diaspora does not even have a representative.

Ever since Oslo there has been a determined and systematic drive (or, by virtue of the creation of the PA, an unwitting and random process) to void the PLO of all meaning, substance, structure and power. It is as if the PLO was the queen bee: meant to give birth to the PA, sign the Oslo Accords and then die -- or be killed. It was probably for this purpose that Israel recognised the PLO in Oslo while Arab and non- Arab supporters of the settlement process played along. They adopted the PA as the representative of the Palestinian people and ignored the PLO, indifferent to the fact that the same faction -- Fatah -- controlled both. There was a pitiful and short-lived attempt to breathe life back into the PLO when that same faction tried to outwit the elections that gave rise to the Hamas victory. Posts and titles were taken off the shelf and dusted down but the result was to sideline the PLO even more. For a paltry few months it became a tool in the struggle against the PA and then was laid to rest again. Well before this, the titles and insignia of statehood were given great play. "President," "Minister," "National Security Chief" and other VIPs (Very Important Palestinians") abounded long before there was even a glimmer of independence and statehood.

After the meaning of a process that began in Oslo and ended with a Palestinian gunning down another Palestinian on the commemoration of the Nakba became impossible to deny, it also became impossible to disguise the nature of the PA and its historical role. Little wonder, therefore, that the Mecca Agreement called for the revival, expansion and restructuring of the PLO. But Arab decision-makers and the Arab media did not monitor the follow-through on this point of the agreement, regardless of it being one of the most crucial. It was a grave mistake to let the PLO die its slow death. But it would also be a mistake to bring it back from the dead as it was. If the PLO is to be revived, it must be done in light of new realities, a major one of which is that new and dynamic resistance forces are out there and have to be represented within the framework of any resurrected PLO.

Arab mediation will be indispensable in creating a new PLO. But mediation producing an understanding between Fatah and Hamas is not enough. As vital as the two movements will be to restructuring the organization they do not comprise the PLO. The PLO must be revived as an umbrella organisation for all Palestinians, including those in the diaspora. And it must be revived as a liberation movement, not to produce a PA clone, ie a local administration and policing agency meant to serve as the kernel for a Palestinian state, without Jerusalem as its capital, without the return of refugees and without the dismantling of all Israeli settlements.

Presumably, one of the first tasks of the new PLO's first elected National Council will be to conduct a thorough review of the peace process and the political consequences of its failure. As it engages in this endeavour representatives on the National Council will have to be very realistic. I mean by this that they must take to heart the fact that under current circumstances peace settlement is still a long way off. In the meantime they must do their utmost to safeguard Palestinian unity and the cohesive values of Palestinian society, which have been shaped by the aims and aspirations of the national liberation movement. Realism also means refusing to accept anything but a just peace with Israel, for otherwise the Palestinians' fate is disintegration as a people and a cause. Being realistic will entail hard work. It will require sustaining the struggle in a way that will not turn resistance into the permanent, the only possible, way of life.

It will simultaneously require satisfying the day-to- day needs faced by Palestinians in the territories. A national unity government can only succeed if it fully appreciates these are the tasks that fall to it. It must tend to education, health, the economy, the infrastructure, and leave the question of the success or failure of the settlement process to the PLO. Resistance is a long term strategy. The PA is charged with the proper organisation of the life of the people under its administration. If that is not how the PA perceives itself then the Palestinians would be better off without it. The PA, after all, was imposed by agreements that have proven misguided and which enabled the occupation power to wash its hands of any responsibility for the welfare of those under its occupation without first granting them liberation.

Thursday, June 21, 2007

أزمة السلطة الفلسطينية وضرورة إعادة بناء منظمة التحرير

في فلسطين يتنافس الفصيلان المتنازعان حاليا على تبني وتقمص مصطلحات وتعابير الدول: رئيس، وزير، أجهزة أمنية، "في. آي. بي.، (اترجمها بتصرف very important Palestinian )، وأخيرا وكأننا نسير بخطى واثقة نحو تشكيل كاريكاتير عن أنفسنا "حكومة طوارئ"، وإصدار "مراسيم" و"حل حكومة بموجب الدستور" وإجراء دستوري" و"إجراء غير دستوري"، ويبدو أن المتحدثين مصدقون لأنفسهم.

لم نعد مجرد "حكومة" تحت احتلال، بل تقدمنا إلى"حكومة طوارئ" تحت احتلال، وبقي فقط أن نقيم حكومة احتلال تحت الاحتلال. ولم لا؟ فنحن لسنا في حالة صراع تحرري مع إسرائيل، بل في حالة تنافس بالألقاب والتسميات، وعاشت الرمزية والرموز!! هل ستمون "حكومة الطوارئ" على أصدقائها الأسخياء في الغرب لوقف بناء الجدار وإزالته؟ أو لتطبيق قرارات لاهاي، أم أن امتحان نجاحها سيكون جلب المال من أميركا وأتباعها؟ و"الحكومة" على فكرة لا تبدو كـ"حكومة طوارئ" بل كحكومة جمعيات غير حكومية. (سؤال جديد يطرح حول نشيطي هذه الجمعيات، هل مدنيتها ولا حكوميتها تعني أنها مؤلفة من سياسيين محبطين؟ وإلا فكيف يتم الانتقال مباشرة من النشاط في المجتمع المدني ليس إلى مجرد عضوية في حكومة، بل وفي حكومة طوارئ؟).

كشفت أميركا ومن مشى على هديها في الغرب عن طبيعة مطلبها بدمقرطة دول المنطقة بعد أن لم تكتف برفض نتائج انتخابات جرت في ظل احتلال في فلسطين، بل أصرت على فرض حصار يشجع أطرافا محلية على رفض النتائج، أي على رفض الديمقراطية إذا لم تكن في صالحها. وهو حصار يشجع على الاقتتال، ويندرج ضمن نهج يبدو تطبيقا مدرسيا سياسيا للنظرية السلوكية ولنظرية ردود الفعل المشروطة بالمؤثرات الخارجية، فالحصار عقاب على فعل مكروه والإغراء المالي مكافأة على آخر مرغوب.

ونشأ بعد اتفاق مكة بين فتح وحماس لتشكيل "حكومة" وحدة وضع يفسح مجالا لاستراتيجية موحدة تشمل إلى جانب "حكومة" الوحدة أمرا أكثر أهمية من المحاصصة الحكومية الثنائية بين فتح وحماس هو إعادة بناء منظمة التحرير. وقد تم تجاهله وإهماله. مع أنه وعاء الوحدة السياسي والوطني وليس المحاصصة في "حكومة" إشكالية.

ولم يكن اتفاق مكة ممكنا لولا تحييد صراع المحاور العربية في شأن الحوار الفلسطيني، وبالعكس تبارزت المحاور بادعاء أبوة اتفاق مكة. ولذلك فلست متفقا مع من يستسهلون إلقاء تبعة ما يجري في غزة على تصفية الحساب بين المحاور العربية مرة أخرى، فرغم أني اتفق على دور صراعها الهدام في ألف قضية إلا أن هذا لا يصح بالنسبة لاتفاق مكة.

عارضت كل من أميركا وإسرائيل هذا الاتفاق واعتبرته نكسة لقوى في السلطة راهنت عليها واستثمرت فيها طويلا ضد ياسر عرفات. وقد قبلت هذه القوى كما يبدو الاتفاق ليس لأنها وافقت عليه، بل لأن غيرها في نفس السلطة قدّر عشية الاتفاق أن مواجهة مع حماس في غزة سوف تنتهي لصالح حماس. ولذلك اعتبرت اتفاق مكة مجرد مرحلة لتجنب مواجهة مع حماس نحو مواجهة قادمة إن عاجلا ام آجلا، فهذه القوى تؤمن أن التسوية مع إسرائيل ممكنة إذا تنازل المفاوض الفلسطيني عما رفضه ياسر عرفات في كامب ديفيد. ولذلك لا بد من مواجهة حماس، هذا عدا عن عدم تسليمها بفقدان جزء من امتيازاتها.

ورغم معارضة الاتفاق إلا أن أميركا اعتبرت مقاطعة إسرائيل مؤسسة الرئاسة بعد اتفاق مكة تفشلها وتدفع بحركة فتح إلى أحضان حكومة الوحدة. ولذلك لم تر ضررا من إجراء مشاورات نظرية كما سماها أولمرت حول الحل الدائم يتقبل من خلالها الناس بالتعويد أفكارا معينة مثل التنازل "نظريا" عن حق العودة وعن القدس كعاصمة فلسطينية، إضافة لقضايا حقوقية تقدم كمطالب لإسرائيل، كأن الجميع أصبحوا نوابا يمثلون رعايا الامبراطورية الإسرائيلية في "الأقاليم".

ولذلك فرغم اتفاق مكة، إلا أنه في يوم ذكرى النكبة التاسعة والخمسين ذاته كان فلسطيني يطلق النار على فلسطيني في غزة.

وإبان سعي حركة حماس إجهاض سيناريوهات الإعداد لضربها ومواجهتها من قبل أطراف لم تقبل اتفاق مكة وحاولت أن تفشله، تجاوز ميدانيو حماس في ممارساتهم العنيفة والانتقامية كل ما يمكن لقيادتهم تبريره. وهنالك فعلا ممارسات لا تبرر وتستحق الإدانة فقط. وقد تفاجأ الناس من ممارسات إجرامية أمام الكاميرات جرت في غزة، وعلل البعض موقفه مع حل حكومة الوحدة وإقامة حكومة طوارئ باستفظاع ما حدث، وهو فظيع فعلا. ثم ووجهت جرائم كتائب القسام هذه بجرائم ارتكبتها كتائب الاقصى لا تقل عنفا ضد نشطاء وحتى بيوت معتلقين من حماس، في مناطق لا تستطيع فيها حماس ان تحمل السلاح، ونشطاؤها إما سجناء أو مطلوبون لإسرائيل.

هنالك أوساط علمانية عربية باتت تعتبر إسرائيل نفسها أقرب إليها من أصوليين عرب، لأن الصراع بات صراعا على السلطة في دولها. وهذا سلوك مفهوم ميكافيلليا، ولكن ما لا أفهمه هو كيف يكون المرء علمانيا ووطنيا فلسطينيا ويقف حتى في عاطفته ضد حركة الشعب المضطهَد، حتى لو كان ذلك يعني الوقوف مع إجراءات الاحتلال أو الرهان عليها.

نحن لا نؤيد وندعم حق الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال لأنه خيار الأخيار ضد الأشرار، ولا لأن الشعب الفلسطيني طيب ورومانسي ويمكن التباهي بحسن سلوكه أمام الأجانب أو أمام الذات، بل لأنه مضطّهَد ومحتلة أرضه. وصراعه ضد الاحتلال هو صراع شعب فقد وطنه ضد الاحتلال ضد المستعمرين، وليس صراع الأخيار ضد الاشرار.

وإذا جاز تفسير عمل ميدانيي حماس بالانقلابي، فإن "المراسيم" التي تلته تشكل انقلابا فعليا، وليس فقط بالتفسير، وشاملا على نتائج الانتخابات. والمصيبة أن القوى التي قطعت مع حماس تماما بعد صدور "المراسيم"، ودفعت باتجاه التصعيد، وهي قوى تختفي وتنزوي غير راضية في أيام الوحدة وتزدهر في ايام الشقاق، باتت تراهن على تشديد الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة ورفعه عن الضفة في إطار مقارنة فلسطينية ممكنة بين نموذج ناجح في تقديم الخدمات للسكان وتلقي الدعم المالي من الخارج، ونموذج محاصر وفاشل في غزة، يتميز بأنه يرفض الشروط الإسرائيلية ويدفع ثمن ذلك.

ولسبب ما كتب دنيس روس عن هذا النموذج كسيناريو ممكن سمع عنه في رام الله والقدس الغربية أيضا (واشنطن بوست، 5 يونيو\حزيران). وحتى روس المتواطئ تماما مع إسرائيل لإفشال المفاوضات مع عرفات وسوريا في حينه أبدى تخوفه من هذا السيناريو.

إضافة إلى تفريغ القضية الفلسطينية من أي محتوى غير تنافس بين كيانين أحدهما تعيس في حصاره والآخر سعيد في حصاره، يقود هذا السيناريو طبعا إلى كوابيس من نوع تجويع غزة وإغراق السلطة في الضفة بسخاء غير بريء، مفسد وفاسد، ويشكل أساسا لفساد جديد، وفقدان عنوان يمثل كل الشعب الفلسطيني، وتصاعد العمليات ضد إسرائيل من منطلق "علي وعلى أعدائي يا رب"، والرب وحده يفسر من هم "أعدائي" كما يشاء طبعا!!

أين حق العودة والقدس وفلسطين وقضية فلسطين من كل هذا؟ الله أعلم. وليصبح كافة اللاجئين الفلسطينيين شاكر العبسي.. وليتحول حق العودة إلى حق العودة الى المخيم بعد نهاية الاشتباكات،كما في نهر البارد.. أما سكان القدس فليبحثوا عمن يمثلهم. ألم ينتخب عرب الداخل من أعضاء حزب العمل باراك في الانتخابات التمهيدية للحزب، حتى قال أحد مساعديه خسارة أننا لم نقتل عربا أكثر ربما كنا حصلنا على أصوات عربية أكثر؟

هذا انهيار معنوي وأخلاقي لا يمكن تبريره بأي براغماتية سياسية. والمسألة حاليا مسألة إرادات، فإما أن يتوجه الفلسطينيون، بمن فيهم فتح وحماس، نحو الوحدة في إطار منظمة التحرير وغيرها من المؤسسات، وإما الانهيار الشامل إلى السناريوهات اعلاه.

لا يمكن فهم غزة كمجرد منطقة محتلة، لا حجما ولا تاريخا ولا تركيبا سكانيا. ولا يمكن فهم الصراع الجاري فيها كمجرد صراع بين فصائل على النفوذ. هذا كلام غير واقعي وميتافيزيقي بمجمله. فغزة هي مخيم لاجئين كبير جدا. والتخلي عن هوية حركة التحرر الوطني الذي رافقه اعتبار الفلسطينيين طرفا في "صراع" إسرائيلي فلسطيني، واعتبار القضية الفلسطينية كقضية بدأت عام 1967، دون نكبة فلسطين المتمثلة بقضية اللاجئين، رافقه أيضا التخلي عن أخلاقيات ومعنويات حركة التحرر الوطني والتي لا يمكن أن تعني في مناطق مثل غزة ومخيمات لبنان إلا حق العودة. وقد جعل التخلي عن هذه المعاني جزءاً كبيرا من الناس غير المستفيدين، بل المتضررين من التسوية ومما يسمى بعملية السلام يفقدون المعنى مع ما يرافق ذلك من انحلال ملحوظ لدى قيادات باتت تسعى لترتيب وضعها وعائلاتها مع أميركا وإسرائيل مباشرة من جهة، يقابله انتشار الأصوليه لدى غير المستفيدين من الجهة الأخرى.

إن ما يجري من انحلال وأصوليات متقابلة هو من مظاهر فقدان حركة التحرر الوطني دون أن تصبح دولة، ومن مظاهر الصراع داخل معسكر اعتقال محاصر.

ما يجري لغزة والضفة ولفلسطينيي بغداد ونهر البارد هو دعوة لإعادة التفكير بالمسار كله. هذا المسار الذي أوصل البعض حتى تخوم تنظيم القاعدة والبعض الآخر الى مقولة "المهم أن نتعاون جميعا (بما فينا إسرائيل) ضد حماس" كما تُستكتَب وزيرة خارجية إسرائيل في صحيفة عربية.

لقد تم منذ اتفاقيات أوسلو تغليف ما تبقى من الشعب الفلسطيني في غيتوات خلف جدران على أرضهم وفي وطنهم، كأنهم جسم غريب ترفضه إسرائيل فتفرز غشاء يغلفه. الجسم الغريب هو الذي يرفض الجسم الأصيل، وكأن الفلسطينيين في وعي الناس هم جماعة، أقلية سكانية تطالب بحقوقها مثل حرية الحركة وحق البيع والشراء وتلقي المعونات... وبموجب ذلك تفصل الآن غزة عن الضفة، فنظام الأخيرة يستحق هذه "الحقوق"، أما الأولى فلا.
وكلاهما رعايا عند إسرائيل. وفي المقابل تنهار حالة اللجوء والشتات الفلسطيني إلى ما نراه في العراق ولبنان دون تنظيم يمثلها ويرعاها.

لقد شجع مؤيدو التسوية من فلسطينيين وغير فلسطينيين على اعتماد السلطة ممثلا للشعب الفلسطيني والاعتراف بها بدلا عن المنظمة عمليا، وعدم الالتفات إلى مؤسسات المنظمة بما في ذلك عندما كان نفس الفصيل، أي حركة فتح، يسيطر على المؤسستين.

ووقع استثناء رث وقصير المدى عندما لجأ نفس الفصيل المركزي إلى م. ت. ف لمقارعة السلطة المنتخبة بعد انتصار حماس فأحيا ألقاب ومؤسسات المنظمة ضد "الحكومة" الفلسطينية المنتخبة. وهمشت هذه المحاولة منظمة التحرير أكثر مما أحيتها، إذ حولتها ولأشهر قليلة فقط إلى أداة في الصراع على السلطة، ما لبثت أن نحيت جانبا مرة أخرى.

لا غنى حاليا عن الوساطة العربية لمنع تحقيق السيناريوهات أعلاه، وذلك بتوحيد كافة الفصائل والقوى في إطار منظمة التحرير وحكومة الوحدة الوطنية.
عدم اتخاذ مثل هذه القرارات والإصرار على كيانين سوف يؤدي من المراوحة على حافة الهاوية الى السقوط فيها. وهذا بالضبط ما يعتبره أولمرت فرصة تاريخية على إسرائيل ألا تفوتها.

Thursday, June 14, 2007

التعامل مع الإعلام الإسرائيلي بين السذاجة ونظرية المؤامرة/


14/06/2007 08:30

بسهولة غير محتملة يقع الإعلام العربي فريسة أية دعاية إسرائيلية مهما كانت شفافة. فبمجرد أن تنشر "يديعوت أحرونوت" أو "معاريف" أو "هآرتس" أو غيرها خبرا، فإن ذلك يعتبر سببا كافيا لكي ينتشر عربيا مثل النار في الهشيم. الخبر الإسرائيلي ينشر ذاته. فوسائل الإعلام العربية تكرر دون فحص ونقد ودون مقارنة مع ما نشر من قبل، وباتت تتنافس في تكرار ما ينشر إسرائيليا. فالاعتقاد رائج أنه إعلام ديمقراطي تعددي مستقل، وإذا أخطأ فهو يخطئ بحسن نية.

أما أن إسرائيل نفسها قد نشرت أن لديها وحدة في المخابرات العسكرية هدفها نشر الإشاعات في العالم العربي، وأنها مستغربة من سهولة ويسر تحقيق هذا النشر بحاملات عربية ساذجة، فهذا ما يغفل الإعلام العربي أن يكرره.

وقد يتجذر ما ينقل عن إسرائيل كلغة ومعلومة في الثقافة السياسية. ولا يوجد هنا متسع لحصر الظاهرة وتعداد هذا النوع من المصطلحات الإسرائيلية الأصل. ولكن غالبا ما يتبين أن النشر الإسرائيلي مغرض أو كاذب بعد أيام فقط من تكراره عربيا ومباشرةً بعد مباشرةِ التنظير ونشر التعليقات المعتمدة عليه، ونكاد لا نجد صحفيا أو محللا عربيا ممن سقطوا في الفخ يعترف بالخطأ ويحذر نفسه وغيره من الوقوع به مستقبلا. فالصحفيون في الحالات الجيدة يحاسبون السياسيين، ولكن من يحاسب الصحفيين؟ في الحالة الديمقراطية من يحاسب هو النخبة المثقفة من القراء التي لا ترحم في نقدها، والمحاسب هو الأخلاقيات الصحفية لا ترحم في نقدها الذاتي.

دفعني إلى هذا المقال عنوان مفاجئ في "يديعوت أحرونوت" قبل أيام (9 حزيران\يونيو) أن أولمرت بعث برسالة إلى الأسد يبلغه فيها استعداد إسرائيل للانسحاب الكامل من الجولان وانه ينتظر رده، وهل لديه نية بالسلام؟ تداول العنوان يحمل إرادة إسرائيلية مفروغاً منها بالسلام واختبار لا يتوقف للنوايا السورية... وهذا بحد ذاته موقف لا بأس من ترويجه.

ورغم أن هذا العنوان المفاجيء لا ينسجم، لا مع الموقف ولا الواقع ولا الصورة الإقليمية إلا أن هذا لم يحل دون تحوله أساسا لتنظيراتِ نهارٍ صيفي عن مأزق أولمرت ورغبته بالسلام. لقد تم التعامل بشكل غير حذر مع عنوان عن مصدر مجهول في صحيفة إسرائيلية. ولو صدر ذلك عن مسؤول على الأقل، حتى لو كان إسرائيليا، لشفع ذلك للتعامل الساذج. ولكن لا "يديعوت" هكذا "حاف"، ولا "هآرتس" و"معاريف" "هيك" تشكل مصدرا. وما لبثت أن توالت التكذيبات، من سوريا ومن إسرائيل.

وقبل أسبوع من اليوم كتبنا في نفس هذا المكان أنه يتوقع زيادة الإلحاح على سوريا بسياسة العصا والجزرة، واستغلال ما تفترض إسرائيل من دوافع سورية في ظرف إقرار المحكمة الدولية للانفتاح لشروط عليها مواتية لإسرائيل قبل التفاوض، ومنها مثلا جس نبض إمكانية شق تحالفها مع إيران إقليميا... أي الانتقال من شروط سورية للتفاوض إلى شروط إسرائيلية مسبقة. ويتابع المسؤولون الإسرائيليون تسريب الأسئلة الإسرائيلية حول خطط سوريا في المنطقة وأمنها وجيشها وعلاقاتها مع إيران والفصائل الفلسطينية وحزب الله وغيرها، وكل ذلك دون تعهد بالانسحاب الشامل بل بتأكيد إسرائيلي عام يتم تسريبه أن الأخيرة تدرك ثمن السلام مع سوريا.

سابقا جرى التسريب إسرائيليا عن رئيس سوري يكرر رسائل السلام الى إسرائيل كلما قابل أحدا. الوسيلة حاليا هي رمي الكرة في الساحة السورية بأن إسرائيل أرسلت اقتراحات ورسائل. بذلك يريح أولمرت نفسه من ضغط الرأي العام للبدء بمسار سياسي ناجح ما خوفا من تدهور الأمور إلى حرب خاصةً بعد فشل العدوان على لبنان.

ولم يوفر الإعلام الاسرائيلي لا الأتراك ولا الألمان ومؤخرا اليونان..لم يبق أحد. لا يجتمع مسؤول مع الرئيس السوري الا ويدعي الإعلام الإسرائيلي أنه يحمل رسائل من إسرائيل. وطبعا كان أي منهم سيفرح لو أتيح له لعب دور من هذا النوع. ولكن أي كلام يصبح رسالة إذا شاءت إسرائيل أن تسرب. فمجرد أن يستمع شخص إلى تحليلهم ثم ينقل انطباعه هو كما يفعل الناس عادة عن هذا التحليل، فإن هذا يكفي في عرفهم للتسريب أنه يحمل رسالة. مع أن هذا في لغة السياسيين يسمى اجتماعاً، وقد لا يكون حتى اجتماعا وديا، بل مجرد اجتماع يستمع فيه المرء إلى وجهات النظر المختلفة.

الرسالة هي موقف ملزم، الهدف من قوله هو نقله إلى الطرف الآخر والاستماع إلى جواب. أي أن الرسالة تتطلب أن يتفاعل معها الطرف الآخر كأنها رسالة. ولا يفترض أن يدخل السوريون في مثل هذه اللعبة إذا لم يسبقها تعهد إسرائيلي بالانسحاب من الجولان... لأنها لا تعني إلا مفاوضات سرية. وبوجود وزراء خارجية أجانب وفي بلد مثل إسرائيل تعمل فيه التسريبات الصحيحة والعارية عن الصحة من نسج خيال المسرب كأداة في النقاش السياسي الداخلي تعني السرية فقط علنية مؤجلة.

مكتب رئيس الحكومة أو هذا الجهاز الأمني أو ذاك يسرب للإعلام. الإعلام يتواطأ، نعم في إسرائيل أيضا، بل في إسرائيل بشكل خاص. وينشر "الخبر" مقابل الحصول على السبق حتى لو كان الخبر عارٍ عن الصحة. فالإعلام يبرئ ذمته من كذب الخبر بنسب التسريب الى مصدر مقرب، أو يتواطأ مقابل "خدمة" سابقة قدمت له وهكذا. وهنالك صحفيون مشهورون في إسرائيل مرتبطون بأجهزة أمنية، ونكاد نعرف أن فلانا مرتبط مع مكتب رئيس الحكومة، وفلانا مع الموساد وآخر مصادره شاباكية، وآخر يتلقى تسريبات بعين غير فاحصة من وزارة الخارجية. وقد ينشر عن قصد ويكون طرفا واعيا في فبركة شائعة، اذا كان هنالك هدف وطني قومي للإضرار بتنظيم عربي أو دولة عربية أو حتى شخصية عربية مثلا... وثمة صحفيون غير مرتبطين بجهات محددة ولكنهم يندفعون بدوافع مثل الرقابة الذاتية في القضايا الوطنية لعدم نشر أمر مسيء لإسرائيل، أو يدفعون بالوطنية لنشر شائعة أو بالرغبة بالإثارة والشهرة وهكذا. وطبعا هنالك استثناءات، ولكنها قليلة.

يحتوي الإعلام العبري على معلومات صحيحة وقيمة، وهي لا تحرر من أجل العرب، وبالإمكان ويجب الاستفادة منها. ولكن العقل السليم وحده، وليس معادلة أو وصفة من أي نوع، كفيل بفصل القمح عن الزوان عند تناول خبر. لهذا وجد الحس السليم عند الإعلامي الجدي. وهذه رسالته للجمهور. فالإعلام حتى لو كان خاصا هو جزء من الحيز العام ويحب أن يلتزم بقواعد حد أدنى من المهنية يفرض بعضها القانون في الدول المتحضرة، وتفرض غيرها الأخلاقيات الصحفية، وتعارضها جميعا قوانين العرض والطلب، وتحول السياسة أيضا إلى صناعة التسلية، بما فيها الدراما والمشهد.

لا توجد هنا نظرية مؤامرة، فالإعلام الإسرائيلي ليس نتاج تقسيم أدوار. بل نحن إزاء إعلام تعددي في القضايا الداخلية ومجند في القضايا الوطنية، وتنافسي استهلاكي على سوق التسلية والإثارة والمشهد، نحن إزاء إعلام مصادره غالبا رسمية أو في المعارضة الرسمية، وفي حالة مثل إسرائيل المعارضة هي جزء من الدولة في كل ما يتعلق بالقضايا القومية والأمنية وغيرها. ولا يرى الإعلام غضاضة في التعاون مع أجهزة أمنية، فهو وهي مكونات لنفس القبيلة، والصحفي أو ابنه خدم في الأجهزة أو يخدم فيها، ولا مسافة فعلية تفصله عنها. وأخيرا نحن إزاء إعلام مجند معبأ في زمن الحرب.

ومنذ أن اختارت بعض القوى السياسية العربية السلام "خيارا استراتيجيا" كما تدعي، لم تعد أكثر اهتماما بالتطورات السياسة الداخلية في أميركا وإسرائيل، بل باتت رهينة هذه التطورات للأسف. وتورطت وباتت تبالغ بالاعتماد على تفاصيل وطرف وبدع وفنع وحكايا إعلام هذه الدول وأهوائه، دون أن تكون جاهزة لفرز هذه المعلومات قبل هضمها. والأخطر أنه تم تبني لغته وتعابيره في وصف الحالة العربية والصراع. والقوانين التي تحكم عمل الإعلام في غالبية الدول العربية ليست هي القوانين التي تحكم عمل الإعلام العبري... ولذلك يسقط المستهلك العربي الجديد بين تفسير مؤامراتي لسلوك الإعلام الإسرائيلي وبين تصديق كل ما يرد من هنالك واعتباره مصدرا يعتمد عليه.

ومن مظاهر أوسلو الذي كسر كل المحرمات دون أي مكسب حقيقي، وساعد على التطبيع عربيا دون إنجاز للفلسطينيين أن تنشر الصحافة العربية بشكل منهجي ومستمر دون توقف مقالات عبرية مترجمة إلى العربية لا تعرف الغاية من نشرها هل هي "أعرف عدوك" أم تطبيع؟ وفي الحالتين يرتكب خطأ جسيم، فمثل هذه الترجمات يفترض ان تُعًّد للصحفيين وهيئات التحرير ليستفيدوا منها كمصدر لا لينشروها كما هي لملء الصفحات ويعرضوا الجمهور لفوضى نصوص لها معنى في السياق الإسرائيلي. أما نشرها في السياق العربي دون تعليق أو مقدمة، ودون انتقاء ودون خبرة أو مقاييس ودون تمكين الجمهور من الفصل بين الغث والسمين، فهو تعريض الجمهور للدعاية الإسرائيلية ولغتها فقط.

بشكل يكاد يكون روتينيا ويوميا يتم تعريض الجمهور للدعاية الإسرائيلية دون مساعدته حتى في فهم من الكاتب وهل يسرب إشاعة مخابراتية "شاباكية"، وهل هو يساري "متطرف" معاد للصهيونية أو يمثل طرفا فعليا.

ليس في إسرائيل صحيفة واحدة تترجم وتنشر مقالا عربيا كاملا ولو مرة واحدة في العام. لا بد أن ثمة سبب يدفعها لعدم فعل ذلك، وليس لهذا السبب علاقة بالديمقراطية، فالنشر العربي للدعاية الإسرائيلية ومنع نشر مواقف عربية في الوقت ذاته وشطبها أو تعديلها في نفس الإعلام ليس دليل ديمقراطية عربية.

Thursday, June 7, 2007

من الأرض مقابل السلام إلى السلام... مقابل سلامتك


بعد حرب حزيران عام 67 مباشرة شرع العرب بالحديث عن «إزالة آثار العدوان»، أي العـــــودة إلى الوضع الذي سبق العدوان الإسرائيلي. لم يكن ذلك ممكناً برضى إسرائيل، ولم يعن ذلك سوى الخيار العسكري لتصحيح العطب الذي لحق بمسار التاريخ في تلك الساعات التي لامست فيها الحقيقة الخيال، والتي تمنّى كثيرون لو كانت كابوساً يستيقظون منه في اليوم التالي. ثم ما لبث العرب أن تعوّدوا الحديث عن الشرعية الدولية الكامنة في القرار 242. لكن حتى هذا لم يحصل ولو على جبهة واحدة قبل تحقيق إنجاز عسكري جزئي على الأقل، يجبر إسرائيل على إعادة أراضٍ بالتفاوض الذي يمثّل استمراراً للقتال بوسائل أخرى، ويمنح الطرف العربي إمكان التفاوض من موقع من أعاد لنفسه الاعتبار، لا بمنطق الاستسلام...

استعادة الأراضي العربية باتفاق سلام مع إسرائيل دون تحقيق اي إنجاز آخر، يعني أن العدوان حقق أهدافه: التوسع ثـــم مقايضـــــــــــة العرب الأرض التي احتلت بالاعتراف في معادلة الأرض مقابل السلام. وقد بات الإسرائيليون يسمونها «تنازلات مؤلمة». ومن يتنازل يتنازل عن شيء يملكه، أما إعادة أراض احتلت بالقوة فليست تنازلاً، ولا حتى بمنطق مجلس الأمن، الذي ينطلق من قراره من أن إسرائيل دولة عضو عادية احتلت أراضي بالقوة.

لكن التفاوض يحيّد حتى قرارات مجلس الأمن، وبلغة العرب السياسية التي لا يفهمها أحد غيرهم، يستبدل التفاوض «الشرعية الدولية» بـ«الشرعية التفاوضية»... وما دام الفلسطينيون مثلاً، قد رضوا بالتفاوض طريقاً وحيداً، فعلى العالم انتظار نتائجه والتوقف عن إدانة إسرائيل لعدم تطبيق القرارات الدولية.

ومعادلة الأرض مقابل السلام هي معادلة تبدو حالياً متوازنة، لكنها تاريخياً معادلة إسرائيلية بكل حرف من حروفها. فهي تطبيق للأهداف المعلنة لإبقاء ما سمّته إسرائيل بعد الحرب «المناطق المدارة» تحت السيطرة الإسرائيلية تمهيداً لمقايضتها باعتراف عربي يتلوه سلام. قبول معادلة الأرض مقابل السلام الإسرائيلية يعني أن إسرائيل دافعت عن نفسها فعلاً في ذلك العام، إذ احتجزت أراضي لمن لا يعترف بها لكي تجبره على صنع سلام معها...

لقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية في القدس الشرقية تحت السيادة العربية، وكان العرب في حالة حرب مع إسرائيل، والضفة والقطاع تحت سيطرتهم. لكن معادلة الأرض مقابل السلام الحالية تعني استرجاع الأرض العربية التي احتلت عام 67 كأن الحرب والصراع والقضية الفلسطينية بدأت في ذلك العام. والسبب الوحيد أن العرب لم يعترفوا بإسرائيل التي شنّت حرباً دفاعية. أما السلام فيعني الاعتراف بإسرائيل في حدود ما قبل الحرب وإقامة علاقات عادية معها. وهذا تأكيد لرواية إسرائيل عن الحرب وأسبابها ونتائجها.

ويفاجأ البعض عندما يدركون أنهم «رضوا بالهمّ، والهم ما رضي بهم». فإسرائيل لم تعد تكتقي بهذه المعادلة. وهي تريد اعترافاً بها بوصفها دولة يهودية، وتشترط عملياً التسليم العربي بالصهيونية. وهو التسليم المطلوب لتجاهل قضايا اللاجئين وطبيعة إسرائيل العنصرية داخل الخط الأخضر. أما اليمين الإسرائيلي فيشدد على «مبدأ السلام مقابل السلام»، لأن العرب لا يصنعون معروفاً لإسرائيل بقبولهم السلام بل يُسدون لأنفسهم معروفاً لأن السلام في مصلحتهم، السلام يحفظ سلامتهم من يد إسرائيل الطولى. السلام مقابل سلامتهم.

وظهر من العرب من يبرر المعادلتين. وقد بُرّرت الأولى بأن قبولها انتصار على نزعات إسرائيل التوسعية. ولكي يظهر حجم الانتصار لا بد من أن يروي العرب رواية ويصدقوها، وذلك بتصوير نيات إسرائيل الشيطانية الأولى كأنها توسع لا ينتهي من النيل حتى الفرات وكأنها كلية القدرة، لا تتخمها هذه الملايين الفلسطينية وتمنعها عن ابتلاع المزيد. أما مبررو السلام مقابل السلام، فقد بالغوا في تصوير قوة إسرائيل حتى خارت قواهم وارتعدت فرائصهم من مجرد الوصف.

ومثلما في حالة المشــــــــاريع الكبرى، يرافق انهيار المشروع مظـــــــــاهر انحلال نـــــــــــشهد بعضها حالياً في تحويل اللاجـــــــــــــئين في لبنان، لا قضــــــــــيتهم فقط، الى احتياط للصراعات اللبــــــــنانية الداخلية، والعراقية الداخلية، والعرب في إســــــرائيل رهن صـــــــــــراع داخل المؤسسة الصهيونــــــــــــية الحاكــــــــــــمة وبين العرب المستفيدين من الأسرلة على أنــــــــــواعهم مــــــــــن داخلها وخارجها، وما يرافق ذلك من مظاهر التحــــــــــــلل القيمي والخلقي والمعياري التي تجمع بين المـــــــــــزاودة والأســـــــــرلة... حتى تصبح العـــــــــــمالة نفسها وطنــــــــــية إذا كان في الإمكان تقديمها نوعاً من الصمود.

كيف ولماذا أمكن التعامل مع الإنجاز الإسرائيلي من الحرب الكامن في قبول معادلة الأرض العربية مقابل الاعتراف والسلام العربي كأنه مطلب عربي. نستطيع أن نحصي عشرات العوامل، ومن ضمنها تبدد استراتيجية التوازن الاستراتيجي واعتماد ما سمي باستراتيجية السلام الناجمة عن عجز لا عن خيارات، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وتحول الدبلوماسية الاميركية ومصطلحاتها الى وسيط لا رغم علاقتها مع إسرائيل بل بسبب هذه العلاقة... لكن هذه العوامل كانت قادرة على الفعل في ظل صيرورة سبقتها ومكّنتها من ذلك. ونقصد تفتت الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي إلى قضايا، ثم إلى مفاوضات منفصلة لتحقيق اتفاقيات سلام منفصلة تسمى «مسارات». ولذلك بات الحديث ممكناً عن «تقدم على هذا المسار»، و«تراجع» ذاك، وأيضاً بات ممكناً الحديث عن الصراع الفلسطيني ــــــ الإسرائيلي كأنه صراع كيانين، وحقين متوزايين، أو عن شعبين لهما الحق نفسه على الارض نفسها «المتنازع عليها».

لم يكن صعود التيار الإسلامي، ولا تبنّيه الخطاب السياسي القومي بعد تديينه في نوع من القومية المجروحة المفرطة المتلهبة (رغم كل سجالاته ضد القومية) هو المظهر الوحيد لضرب التيار القومي العربي بصيغته الحاكمة وغير الحاكمة في حرب عام 1967، بل أيضاً انفراط عقد الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي الى مسارات شملت، بعد مطالبة مديدة، مساراً فلسطينياً وقدمت لغرض انطلاقه تنازلات. وكان هذا هو الوجه الآخر لإعلان «الممثل الشرعي والوحيد»، وتحوّله إلى كيان ينافس إسرائيل بدل الصراع مع إسرائيل.

لقد أنجزت حرب 67 الكثير على المستوى الإسرائيلي، أما على المستوى الصراع مع النظام الرسمي العربي، فقد أنجزت التحـــــــــــول من إزالة آثار العدوان الى قبول أهدافه، أي استعادة الاراضي التي احتلت عام 67 مقابل سلام واعتراف، والتخلي عن القــــــــــضية الفلسطينية وتحويل الأرض التي احتلت في ذلك العام الى اساس لحل القضية الفلسطـــــــــــينية. من هذه الزاوية بــــــــــإمكان الإسرائيلي القول إنه حــــــــــل القضية الفلسطينية على الأراضي نفسها التي كانت في حوزة العرب، فيما لم يحلّوا هم القضية الفلسطينية رغم انها كانت في حوزتهم. من هذه الزاوية، زاوية الأرض مقابل السلام، تصبح الرواية الإسرائيلية منطقية. ولا يـــــــــستبعد أن يقال ان إسرائيل حررت هذه الأراضي من العرب لصالح الفلسطينيين. ومن يسمع بعض الفـــــــــــــلسطينيين ممن ربطوا مصيرهم بالتسوية مع «جيراننا» الإسرائيليين يدرك أن هذا اليوم ليس بعيداً.

لكن هذا التصور محكوم بقصر نظر كارثي. فإسرائيل كما قلنا، لم تعد ترضى بمعادلة الارض مقابل السلام الإسرائيلية اذا كان ذلك يعني كل الأرض، وهي تشدد أكثر على عنصر السلام مقابل سلامة وطعام وحرية حركة «جيرانها» الفلسطينيين وسلامتهم من القصف والحصار. وهزيمة الأنظمة عام 1967 فجّرت المقاومة الفلسطينية بعد ذلك العام، وما زالت التسوية الفلسطينية أعلاه تتصارع مع إرث هذه المقاومة، وكلما رمى الراية أحدهم رفعها آخر. لكن الأمر الأهم هو أن النزعة الوحدوية التي تلقّت ضربة على مستوى النظام الرسمي والكثير من النخب، وحتى الجماهير المرتبطة به، وجدت لها تعبيرات أكثر حدة والتهاباً. وما زالت هذه سمة المرحلة.

هل هنالك جديد على "الجبهة الشمالية"؟

عادت إسرائيل إلى تسريب المعلومات بشأن التفاوض مع سوريا أو الحرب معها. وعقدت الحكومة الإسرائيلية بطاقمها الأمني السياسي اجتماعا خاصا يوم الأربعاء 6 حزيران\ يونيو الجاري لمناقشة المسار السوري. وطبعا يأتي الإعلان عن هذه الخطوات بعد تسريبات من ضباط الى الصحفيين، أو تسريبات من سياسيين عن ضباط يحثون اولمرت على فتح المسار السوري للاتصالات والتفاوض من جديد. وكأن هنالك مصلحة إسرائيلية يجب الالتصاق بها في هذه الفوضى الإقليمية بغض النظر عن المصلحة الأميركية. وهم يحذرون من سوء تفاهم يؤدي الى تدهور الوضع الى حرب بسبب محاولة كل طرف إجهاض خطط مفترضة لدى الطرف الآخر.

من الواضح أن الجيش الإسرائيلي وضباط مخابراته أقل تأثرا بالرأي العام والانتخابات والاستطلاعات حول الاستعداد للانسحاب من الجولان المحتل. وهم يعتقدون منذ مدريد أن السلام مع سوريا مسألة استراتيجية بالنسبة للحرب والسلام قياسا بقضية "الضفة والقطاع." وعلى هذا الأساس يرتبون أولويات التفاوض لو ترك القرار لهم وليس لاستطلاعات الرأي العام وتطلعات وحسابات السياسيين الانتخابية المباشرة. كان هذا رايهم ايام مدريد وأوسلو أيضا.

ولكن حاليا، أي بعد فشل العدوان الأخير على لبنان، وبعد فشل وتعثر التفاوض مع السلطة الفلسطينية، منذ أن رفض ياسر عرفات قبول ثوابت الاجماع الإسرائيلي في "كامب ديفيد" وحتى رفض إسرائيل، ومعها من معها، نتائج الانتخابات الفلسطينية، يتوجه الرأي العام الإسرائيلي أيضا الى فهم ضرورة التفاوض مع سوريا...وذلك دون تعمق خاص بالموضوع.

لا يختلف اثنان في إسرائيل على ثمن التسوية مع سوريا، ولكن كل هذا التحرك يتم دون مراجعة الموقف الإسرائيلي الذي أدى الى فشل المفاوضات مع سوريا في جولات سابقة. وهو فشل تحملها حتى أولبرايت وزير الخارجية الأميركية السابقة مسؤوليته. وكاتب هذه المقال يحمل المسؤولية لباراك ودنيس روس بشكل محدد. والأخير كان شريكا لبراك في المؤامرة لاقتناص انجاز في اللحظة الاخيرة. (وعلى كل حال فإن دور دنيس روس في المفاوضات العربية الإسرائيلية منذ مدريد لم يدرس بشكل كاف بعد، ولأي جهات ولمصلحة من عمل طيلة هذه الفترة؟ هذه ملاحظة أضعها عند عتبة الباحثين المهتمين بهذا الشأن، وأولئك الذين شاركوا في المفاوضات، ولم يكتبوا بعد).

و نحن لم نسمع عن تغير يذهب الى قبول الانسحاب الكامل من هضبة الجولان أساسا للتفاوض. وإذا لم يتم ذلك فلا معنى لكل الأحاديث الاخرى. واهتمام إسرائيل منصب على "عملية سلام" حتى لو لم تنجب سلاما، وحتى لو كان عملية متواصلة يصبح فيها الاتفاق مجرد تتميم معاملة. ولكن المعاملة لا تنتهي، ففي كل يوم تظهر مشاكل جديدة، واقتراحات إسرائيلية جديدة. ويبدو في هذا السياق التفاوضي الذي تريده إسرائيل اي إصرار على اي نتيجة كشروط مسبقة كموقف متصلب يعرقل عملية السلام، أو يشكل عقبة أمام عملية السلام.

أما السلام نفسه، فهو هذه العملية ذاتها التي تستيفد منها إسرائيل لأنها تحيّد القرارات الدولية بانتظار نتائجها التي تعكس موازين قوى ثنائية وليس مبادئ دولية، وهذا ما جرى للفسطينيين الذين وقعوا في فخ أوسلو... وكلما طال الزمن يصبح الطرف المعني بإنهائها والخروج بنتيجة ما أكثر استعدادا لتقديم تنازلات ليخرج بإنجاز ما من هذه البهدلة المستمرة من جلسة إلى أخرى ومن مصافحة إلى أخرى ومن خطاب افتتاحي إلى آخر، وكله تلبية لحاجات انتخابية أميركية وإسرائيلية. العملية السلمية الإسرائيلية تستنزف الطرف العربي لأن الطرف الإسرائيلي هو المعني باستمرارها، وهو الذي يمسك بالأرض، إلا إذا كانت المفاوضات قد ولدت طرفاً عربياً تجمعه نفس المصلحة باستمرارها.

سوريا ليست من هذا النوع من المفاوضين. ويُعابُ على خطابها "خشبيته"، لأنها تكرر نفس الكلمات من نوع "العودة الى التفاوض من النقطة التي انتهت اليها المفاوضات" الى درجة التندر الصحفي. وكأن على سوريا أن تغير موافقها لكي تسلي بعض الصحفيين الذين يؤيدون بجرة قلم هجوما أميركيا على العراق أو إيران. لا يوجد ما تغيره سوريا هنا. وقوة خطابها في تكراره، وليمل من يمل. ولا بد ان تعرف إسرائيل ان التفاوض ليس على الإنسحاب الكامل، هذه قضية محسومة، الانسحاب هو أساس النفاوض. والتفاوض لا يدور حول الانسحاب، بل على شكل وشروط التسوية.

أي ولوج للتفاوض دون حسم هذه المسألة يخسّر سوريا، ولذلك فهي تنفر وبحق من المفاوضات السرية التي لا تلبث إسرائيل دائما أن تسربها. تنتصر غريزة التسريب عليها وعلى مصلحة التفاوض دائما، لتضع العرب أمام حقيقة أنها مقبولة من قبل هذه الطرف العربي، وأن مفاوضات سلام تجري معها فعلا قبل أن يتضح إذا كانت معنية بدفع ثمن التسوية... وهذه عملية تعويد للرأي العام وترويض له على تقبل أنه لا رفض يجدي، وأنه تحت السطح تجري صفقات. ولا يلبث أن يخرج كل من يؤيد تسوية بأي ثمن متلذذا بنشر " شي صار وشي ما صار" ليثبت لنا أنه لا يوجد عربي أفضل من الآخر، وأن الجميع متورطون. ولذلك كل من يأتمن جانب السرية الإسرائيلية لا يلبث أن تفضحه هذه الغريزة الإسرائيلية دائما.

إسرائيل لم تحسم بعد مسألة الإنسحاب الكامل. وإذا كانت قد حسمتها في سرها وعلى مستوى المعلومة والمعرفة، فهي لم تحسمها سياسيا وللتنفيذ على مستوى الإرادة. فما الجديد إذا؟

قلنا في عدة مقالات نشرت في هذه الزاوية في الأعوام الثلاثة الماضية، أنه بعد 11 ايلول/سبتمبر واحتلال العراق انتقل ملف المفاوضات السورية الإسرائيلية الى اميركا، وأن الأخيرة تعتبر رفض التفاوض مع سوريا جزءاً من الحصار المضروب عليها حتى تحقق الشروط الأميركية الخاصة بلبنان والعراق وفلسطين. وأن إسرائيل تعتبر هذه الترتيب مريحا لأنها غير جاهزة لدفع استحقاقات التسوية، ولكنها تجد الآن مبررا لعدم التفاوض بجدية إذ يعتبر التفاوض كسرا للعزلة الدولية واستفزازا لاميركا. ولا شك ان إسرائيل تستطيع ان تؤثر على هذا المزاج الأميركي لو ارادت.

الجديد أن العزلة الدولية حول سوريا تنكسر تدريجيا، وذلك دون أن تغير مواقفها في العراق وفلسطين ولبنان، ومع فشل السياسات الاميركية في هذه المناطق تحول الموقف السوري الى عامل يدفع للاتصال مع سوريا والحوار معها وكسر الحصار. ثم جاءت صدمة حرب لبنان التي دفعت الإسرائيليين عسكريين ومدنيين لقول رأيهم صراحة بهذا التجميد غير المنطقي من وجهة النظر الإسرائيلية للتفاوض مع سوريا، مع أن هؤلاء يغفلون طبعا ان الأخيرة ليست رهن الإشارة، وأن هنالك شروطا لا بد من تحقيقها متعلقة بقبول أساس التفاوض وقاعدته.

ولكن هذا لا يكفي لتغيير مواقف أميركا وإسرائيل بشأن التفاوض. والتحرك الإسرائيلي الأخير لعقد جلسة للحكومة مخصصة لهذا الموضوع والذي انضم اليه حتى شمعون بيرس الرافض المعروف لهذا المسار وأحد من أفشلوه ايام رابين، هو التريب المقصود من إعداد سوري للمقاومة، وإقرار المحكمة الدولية في لبنان.

لم يطرأ تغير جذري على الموقف الإسرائيلي، بل نشأت برأي معارضي المفاوضات فرصة جديدة للتلويح بها الى سوريا لتغيير موقفها من شروط التفاوض بعد إقرار المحكمة الدولية: عصا وجزرة جديدين لسوريا.

هنالك من يعتقد في إسرائيل ان الفرصة سانحة حاليا لطرح المفاوضات "دون شروط مسبقة"، اي دون أساس، وان سوريا سوف تجدها فرصة ربما للتخلص من المحكمة الدولية. وأن أميركا سوف تجد فيها مسارا جديدا للضغط على سوريا بواسطة المفاوضات. العصا هي المحكمة الدولية والعقوبات، والجزرة هي إيجاد مخارج للتراجع عنها بشرط القبول بالشروط الإسرائيلية للتسوية، ومن ضمنها إعادة غالبية الجولان ما عدا شريط على البحيرة، معادلة باراك دنيس روس ربما، ولكن بشرط كف يد سوريا عن بقية القضايا والأمور في العراق ولبنان وفلسطين، وربما التحول للعب دور "إيجابي".

وهذا طبعا فخ لقتال تراجعي. فحالما تلج سوريا مفاوضات بهذه الشروط سوف تجد نفسها غير قادرة على "إسعاد" اميركا وإسرائيل، فكل تراجع سوف يفتح الشهية لتراجعات أخرى. وهي لا تستيطع مغادرة المفاوضات دون إنجاز ولن تستطيع البقاء فيها دون تنازلات لا تستطيع تقديمها، ولا يفترض أن تقدمها، ولا تريد تقديمها.

إزاء هذا الوضع سوف تجري محاولة لتذكير سوريا بحالة ليبيا والحصار الذي فرض عليها بعد لوكربي، وأن لسوريا ما تخسره بعد انفتاحها الاقتصادي الأخير اكثر من ليبيا بعد لوكربي. نحو هذا الاتجاه تدفع السياسة الاميركية الإسرائيلية وحلفاؤهما من قصيري النظر في المنطقة حاليا.

ولكن سوريا لا تستطيع حتى لو أرادت ان تخضع لهذه الشروط، وهي لا تريد. ولذلك فإن هذا الدفع الاميركي الإسرائيلي بهذا الاتجاه سوف يقوي من تحالفها مع إيران وتقاربها مع تركيا. ولن يكون بالإمكان هزم هذا التحالف، ولا هزم ما سوف يفرزه إقليميا. نحن لا نتحدث هنا عن ليبيا، ولا عن العراق بعد الحصار الطويل. وقد تحولت تجربة العراق ذاتها الى رادع عن تكرارها.

والتحالف المضاد هنا هو تحالف صريح مع إسرائيل ضد دولة عربية أراضيها محتلة من قبل، وهي جاهزة لتسوية سلمية قبل فحص الخيارات الأخرى لاستعادتها. كل من لا يرى ذلك بغض النظر عن نقده المشروع منه وغير المشروع، الصحيح منه وغير الصحيح، لسوريا وسياستها الداخلية والخارجية مصاب برأينا بقصر نظر خطير.

نصب الدرع الصاروخية بين النصب والاحتيال

يبدو أن الموقف من الكذب والصدق، مثل قيم أخرى، يتوقف على موقف المعرَّض له من الشخص أو الدولة أو المؤسسة الحاملة لهذه القيم. فكذب الفقير أو الضعيف لا يختلف عن كذب الغني أو القوي. لكن الموقف المتفهم أو المتغاضي يتبدل بموجب علاقة الشخص المعرض له مع القوة والغنى، وواقعيته في تقبل النتيجة المترتبة على الكذب والصدق. فإذا كان الكاذب القوي سوف ينتصر على كل حال فما الفائدة من اتخاذ موقف من كذبه. وإذا كان فضح الكذب سوف يؤدي إلى فصل من العمل، أو إلى عزلة اجتماعية أو سياسية او التموضع في صف الطرف المهزوم سياسياً، يصبح الصدق مذمة غير واقعية، والكذب واقعية وعملية. ويمنح حتى الدين فرصة للشخص الأخلاقي إلا يستسلم للكذب، فإن عدِم الوسيلة لتغيير منكر بيده وبلسانه فليصمد في قلبه على الأقل، «وذلك اضعف الإيمان». أما الطامة ففي تذوت هذا كله الى درجة القيمة والأدلجة إلى حد التهجم والتحريض فعلاً على من يرفض الكذب، ويصرّ على التذكير بما جرى بسببه.

نقول ذلك لأن أكاذيب الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن العراق، تلك الأكاذيب التي عرفها الجميع قبل انكشافها، لم تنه بعد حياتها المهنية ولم تُحَل إلى التقاعد. ونقول إن الجميع ممن تواطأ معها كان يعرف طبيعتها الخبيثة قبل انكشافها ومع ذلك أصر على انتظار نتائج البحث عنها. لماذا تبحث أميركا عن أسلحة كيماوية أو «أسلحة دمار شامل» بعدما احتُلّ العراق من دون أن يستخدمها. فاكتشافها لن يثبت صدق أميركا بقدر ما كان سوف يثبت أننا كنا إزاء قيادة مسؤولة لم تستخدم أسلحة دمار شامل حتى في مرحلة الخطر، وحتى للدفاع عن النفس، فيما استخدمتها أميركا بطراً وتبرجاً ضد اليابان حتى من دون حاجة.

ولم تُكتشف أية أسلحة، وثبت أن أميركا كذبت. لكن من يؤيد أميركا يؤيد عادة كذبها كوسيلة تبررها غاية يوافق عليها، كذلك يؤيد شرعية الكذب الثاني الذي يلي الكذب الاول إذا انفضح أمره باستبدال الحجج لتحقيق الغرض نفسه،ألا وهو ضرب العراق.

وكأننا في حلقة تاريخية مفرغة من حلقات شوبنهاور المتشائمة، لا يفيد شيئاً في تغيير شيء، فكل الفضائح الصحافية عن الكذب الذي استخدم وكيفية استخدامه، وحتى لو كان الفاضح هو رئيس المخابرات الاميركية ذاته، تحقق فقط زيادة مبيعات لكتابه. حال الفضائح كحال المضادات الحيوية، «آنتي بايوتيك»، مع الفيروس. ففيروس الكذب لمصلحة القوة والغنى يطور جلداً أسمك ضدها مع الوقت.

العالم بأسره رأى أن بوش يكذب في براغ. فالصواريخ على الأراضي التشيكية لم تنصب ضد الصواريخ الإيرانية او الكورية. (لماذا تشيكيا الحضارية متورطة دائماً في طبخ الكذب الأميركي، بما في ذلك سلاح الدمار الشامل نفسه؟). ولم يتحقق أحد من قدرة صواريخ إيران وكوريا على الوصول الى أوروبا في حالة ضربهما عسكرياً. وعلى كل حال، حتى لو كانت تصل فهي لن تطلق إلا إذا ضربت ودفاعاً عن النفس، وهذا سؤال لا يخطر ببال الحضاريين الذين يستخدمون سلاح الدمار الشامل كهدية «فوق البيعة بعدما حقق الانتصار، كما في حالة هيروشيما ودريزدن، أو بعدما اتضحت النتائج كما في حالة لاووس وكمبوديا.

لماذا تنصب الصواريخ إذا؟ يستغرب بوش حق بوتين بالاستغراب، والتساؤل.

وبوتين ليس رئيساً بريئاً من الجرائم مثله مثل بلير وبوش وشيراك وغيرهم. وهو ليس لبرالياً، ولا هو شخص أخلاقي في السياسة. لدينا رئيس يؤمن بسياسات القوة، ويحاول استعادة دور لروسيا على الساحة العالمية. وحتى يتحقق ذلك كان بوتين على استعداد لصنع كل الحلول الوسط الممكنة وتقديم كل التنازلات على الساحة الدولية من الموافقة على دور «تكميلة عدد» في الرباعية بشأن فلسطين، مروراً بعدم التصويت مرة واحدة في مجلس الأمن ضد القرارات السلبية بحق حلفاء روسيا في المنطقة، ومنهم سوريا وإيران، وأحياناً مقابل صفقات اقتصادية الطابع.

لكن روسيا بعدما سددت ديونها كاملةً، باتت تسمح لنفسها بأن تراقب بقلق، التوسع الاميركي في آسيا الوسطى في جمهوريات سوفياتية سابقة والتمدد الأميركي في أوروبا الشرقية. وأن يكون نصب الدرع الصاروخية فيها موجهاً ضد روسيا هو احتمال أقرب بكثير إلى الخيال الروسي من إيران وكوريا. وذلك ليس فقط بالمعنى العسكري الضيّق بل أيضاً بمعنى أخذ أوروبا الشرقية والغربية رهينة العسكرية الأميركية وفرض جو من الشحن السياسي والتوتير يساهم في تعبئتها إلى جانب أميركا على جبهات أخرى.

ومن الواضح أن هنالك حساسية يجب أن يأخذها الأميركيون في الحساب إن كانوا يقصدون فعلاً تحسين الأجواء مع روسيا، ألا وهي حساسية الدول التي كانت قبل فترة قصيرة فقط دولاً عظمى تجاه وضعها الدولي. نجد ذلك عند فرنسا وبريطانيا وروسيا وغيرها، وهي تتحول بسهولة الى عامل في السياسة الداخلية في تلك الدول وخاصة عند القوى المعارضة والتي تزاود وطنياً وتتغنى بالأمجاد السابقة التي تسخّفها وتهينها حسابات النظام الضعيف الانتهازية. وبغضّ النظر إذا كان بوتين يريد أو لا يريد الترشح للمرة القادمة، الأمر الذي يتطلب تعديل الدستور، فإنه لا يستطيع تجاهل تظاهرة القوة الاميركية المستمرة «غير الموجهة ضد أحد ما عدا الدول المارقة» على أبواب بلاده.
لكن أميركا تصرّ، ويهاجم بوش فجأة الصين وروسيا لعدم استمرارهما بالإصلاح وصولاً إلى الديموقراطية، وكأن الصين تعهدت له أن تكون ديموقراطية حتى يقرّعها لعدم التزام وعودها.

فجأة يبدأ بوش عملية قتل شخصية لبوتين، ومعه الجوقة الإعلامية بما في ذلك في منطقتنا، والتي سوف تنضمّ الى «تعديد مناقب» الرجل، وهو مثل بوش شخصية غير «مهضومة»، لكنه كان قبل فترة قصيرة فقط «صديقي بوتين».

وليس من سوف ينضم الى بوش بالضرورة معنياً بأن يعرف هل يفعل ذلك لكي يوتّر الوضع تهيئةً لحوار مع روسيا حول دورها إذا ما شنّت أميركا حرباً على إيران، ولا يعرف إذا كانت هذه صواريخ موجهة ضد روسيا أو لتثبيت سيادة أميركا على أوروبا بشرقها وغربها. لكن يبدو أن الأكاذيب ليست فعلاً ماضياً في تبرير السياسة الخارجية العدوانية. فكم بالحري اذا اكتشفنا أن بوتين يرغب بتحقيق فوائد فعلية لكارتيل صناعة الأسلحة في أميركا قبل مغادرته البيت الأبيض، وأنه لا تفسير أكثر منطقية لدرع صاروخية ليس واضحاً ضد مَن، ولا فائدته، بل الواضح الوحيد أن المبررات التي تساق هي مبررات كاذبة؟

Friday, June 1, 2007

موريتانيا:المغزى الإسلامي للعملية الديموقراطية

موريتانيا:المغزى الإسلامي للعملية الديموقراطية

لم تكن التجربة الموريتانية الانتخابية من 11 آذار (مارس) هذا العام وليدة فعل مباشر او درامي بطولي انقلابي كما يتغنى الديموقراطيون العرب بل نتاج إصلاح بدأ عام 1991. وخلافا لما هو رائج لم تكن الانتخابات الرئاسية الاخيرة أول انتخابات تعددية تشهدها موريتانيا فقد سبقتها انتخابات عام 1992، و1997، و2003. وصحيح انها كانت انتخابات تعددية شارك فيها أكثر من مرشح، ولكنها لم تكن ديموقراطية، وعبّرت عن عدم قناعة النخب الحاكمة بمبدأ تداول السلطة بعد. وقد استخدمت فيها مصادر الدولة من قوة ورشوة في تقرير مصير الانتخابات. ومنعت حركات منها الحركة الإسلامية من خوض الانتخابات. كانت انتخابات هذا العام 2007 أول انتخابات رئاسية وبرلمانية تعددية وديموقراطية. ولكن سبقتها عملية طويلة من التوقعات الديموقراطية عند الناس والخيبات والآمال والتجربة والخطأ.

لم تكن التجربة الموريتانية تجربة ثورة شعبية، بل كانت هذه عملية إصلاح طويلة ومتعثرة ومضنية تخللتها أكثر من انتخابات وأكثر من انقلاب عسكري قبل الانقلاب الذي أدى الى التحول الديموقراطي الحاسم، آخرها كان عام 2003.

وما ميز الانقلاب العسكري الأخير عن آب (اغسطس) 2005 أنه جاء بعد هذا التعثر باستنتاجات متعلقة بتعميق الإصلاح الجزئي والشكلي الذي لم يمس مصادر السلطة الرئيسية وبقي يراوح عند حرية التعبير، وعند برلمان من دون صلاحيات فعلية، ومتعلقة بالتغلب على عثراته ومفاسده وقيوده وذلك في حوار وطني شامل وغير مسبوق باتساعه عربيا. في هذا الحوار تم الاتفاق عمليا على قواعد اللعبة الديموقراطية ومبادئها الدستورية الرئيسية. فالالتزام بهذه المبادئ من قبل القوى الفاعلة سياسيا والراغبة بالمشاركة السياسية والوصول الى السلطة بوسائل ديموقراطية هو شرط اساسي لمنع الانقلاب على التجربة الديموقراطية، وذلك من قبل قوى غير ديموقراطية من الدولة ذاتها لم تشارك في الحوار ولا في الإصلاح، أو من قبل المتخوفين من وصول قوى غير ديموقراطية إلى الحكم بوسائل ديموقراطية... أوما نسيمه بعقدة الجزائر.

أما تجربة السودان، التي شهدت ايضا تخليا طوعيا من قبل قائد انقلاب عسكري هو الفريق سوار الذهب عن الحكم التفاني الموريتاني نفسه، فلم تسبقها عملية إصلاح طويلة ومتعثرة بل ديكتاتورية جعفر النميري، كما لم يفسح المجال لمثل هذا الحوار الديموقراطي المديد بين القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة لكي ينتهي باتفاق وإجماع على قواعد اللعبة الديموقراطية. وهذه ليست الأسباب الوحيدة لانتهاء تجرية الانتخابات الديموقراطية في السودان إلى انقلاب عسكري إنقاذي كما انتهت، ولكنها أسباب مهمة تضاف إلى ما هو معروف من فوارق بين البلدين والتجربتين والمرحلتين.

نقول كل هذا ونتحفظ عن الجزم والحزم والاحكام المطلقة عند مشارف التجربة الديموقراطية، فنحن نعتبر التجربة الموريتانية غير ناجزة بعد ونحن إذ نتمنى لها النجاح نعتقد انه من المبكر الحكم على نضوجها الى درجة إعادة انتاج ذاتها بذاتها. ولكن هذا لا يبرر عدم الاكتراث الذي ابدته قوى سياسية عربية تجاه هذه التجربة.

ولكني أود هنا ان الفت النظر الى عناصر مهمة أخرى في التجربة، تم التعامل معها كأنها نقطة ضعف، وأعتبرها نقطة قوة تجعل من موريتانيا حالة شبه مختبرية لمسألة العلاقة بين الديموقراطية والثقافة العربية الإسلامية. واقصد بالضبط «هامشية» موريتانيا فيما يتعلق بقضايا الامة الاساسية ومراكزها، التي تجعل من سياسات النفط العالمية وإسرائيل عناصر معيقة في التحول الى الديموقراطية، وذلك بفعل الدولة الريعية وبنيتها، والإيديولوجيات الملتهبة الطابع التي تنشأ مع الصراع والتدخل الأجنبي، واستخدام الديموقراطية كغطاء للتدخل الأجنبي كما حصل في العراق بمشاركة ودعاية بعض الديموقراطيين العرب ممن أساؤوا لقضية الديموقراطية عربيا إساءة بالغة. بُعد موريتانيا عن هذه القضايا المعيقة للتطور الديموقراطي يبعدها ايضا عن عوامل التدخل الخارجي بفعل سياسات المحاور العربية والغربية. ورغم تعرض موريتانيا الى تأثير أميركي نجم عن فقرها وعن ابتعادها لمرحلة ما عن التحالف الفرنسي التقليدي، إلا ان هذا التأثير الأميركي لم يتخذ بعد الطابع العدواني الإملائي الذي يتخذه في المناطق القريبة من إسرائيل ومن سياسات النفط. وعلى كل حال اكتشفت كميات نفط قليلة في موريتانيا لا تقرب هذه الدولة من سياسات النفط الدولية.

تحيد «الهامشية» المدعاة هنا عوامل إزعاج وتعطيل وتعقيد هائلة تعيق التحول الديموقراطي، وتتحول من تهمة الى إيجابية من إيجابيات الموقع في الحالة العربية. وفي مقابل ذلك فإن عوامل إعاقة أخرى مدعاة تتجلى بكل قوتها في التجربة الموريتانية: دولة فقيرة، غياب طبقة وسطى واسعة، نظام اجتماعي قبلي، فوارق ذات طابع إثني مدعى أو متخيل على الأقل... وغيرها من العوامل المعيقة للتحول الديموقراطي.

في هذه الدولة التي تحولت الى مركز اهتمامنا سوف تتفاعل الإرادة السياسية وعوامل الوعي عند النخبة السياسية مع معيقات بنيوية وثقافية للديموقراطية في دولة عربية إسلامية. كل هذا في ظروف تحييد نسبي لعوامل الإعاقة الخارجية. ولذلك نقول إن تجربة موريتانيا مهمة ويجب التعامل معها بمنتهى الجدية. فقد انيط بها أن تثبت عدم صحة الادعاء بوجود تعارض بين الهوية العربية والإسلامية ثقافةً وانتماءً والتحول الديموقراطي، وطبعاً وبموجب المنطق الاستقرائي التحليلي عند كارل بوبر مثلا فإن اثبات خطأ نظرية ما بمثل واحد هو أقوى من إثبات صحتها بألف مثال. فلو فشلت التجربة الموريتانية لا سمح الله فإن هذا لا يثبت صحة الإدعاء بوجود تعارض بين الثقافة العربية الإسلامية وبنية المجتمعات والديموقراطية. غداً قد ينجح غيرها، أما إذا نجحت فإن مثالا واحدا كهذا على خطأ نظرية عدم توافق الثقافة السياسية العربية الإسلامية مع الديموقراطية كاف لنسفها.

كل ديموقراطي عربي معتز بحضارته العربية الإسلامية يتمنى النجاح للتجربة الموريتانية إذا كان للديموقراطية ان تتحول الى أجندة وطنية وقومية وإسلامية ضد التدخل الأجنبي وضد ربطها بالأجندات الاستعمارية.

وأخيراً نسأل سؤالا يبدو غريبا بما يتضمنه من مراجعة وكسر للمسلمات، ولكنه ليس جريئا، لأن الواقع سبقه الى كسرها، ونقصد تقييم دور الجيش. تم في الدول العربية نزع الشرعية الديموقراطية وحتى التنويرية عن دور الجيش بعد تجربة مريرة لانقلابات عسكرية قامت بتجييش الحياة السياسية وتزييف السياسة بعد انتزاعها من النخب المدينية، وكلنا نعرف ما المقصود من نفور الناس من ممارسة العسكريين في السلطة ومن مرحلة الانقلابات والبيان رقم 1. ولكننا غالبا ما ننسى أن هذه الحالات تتطرق الى انقلابات عسكرية إيديولوجية الطابع. تبعتها عادة عملية تحزيب للجيش ذاته كجيش وطني يشكل إحدى أهم أدوات بناء الأمة، كما حصل في بداية الحداثة الأوروبية، وكما استخدمته إسرائيل في بناء أمة من أكثر من مئة دولة ولغة.

ولكن لدينا تجربتان مهمتان قاد فيهما الجيش انقلابا على الفساد وعلى إعاقة الإصلاح الديموقراطي ثم تخلى عن الحكم لصالح التحول الديموقراطي. كيف لا تدعونا هذه المحاولات الى إعادة النظر في دور الجيش؟ وقد سبق ان تمتع بصورة إيجابية جدا في الدول المستقلة حديثا كرمز الكبرياء والاستقلال الوطني، وكأداة التحديث الرئيسية في البلد وإطار بناء الامة ودمج نواحيها وعشائرها في زي رسمي واحد يؤدي التحية لعلم واحد. لقد تفجرت بعض هذه الأوهام مع تطويع الجيش للخلافات السياسية وللنظام وأجندته وانتماءاته وطائفياته وغيرها. ولكن ها نحن أمام وضع يحتاج الى تفكير مجدد. لدينا حالات لم تكن فيها النخبة السياسية قادرة على انجاح الإصلاح الديموقراطي أو قيادة البلد الى استقرار، أما المعارضة فكانت عاجزة أو ضعيفة، أو غير منظمة بالقدر الذي يسمح لها بانتزاع زمام المبادرة في مرحلة الإصلاح وحتى في مراحل الانهيار، كما في نهاية عهد النميري. هنا تدخل الجيش. لم تعدم الدولة الوطنية الوسائل إذاً، ولم يحدث التحول نتيجة لتدخل أجنبي بل قامت قوة وطنية هي الجيش وانتزعت زمام المبادرة من دون ان تستثير مقاومة محلية ضدها، ومن دون أن تغرب الناس عن الديموقراطية والأجندة الديموقراطية كأنها أجندة أجنبية او استعمارية.

هذه حالات لا تثبت اي نظرية جديدة، ولكنها دعوة لإعادة النظر في دور الجيش، والبرتغال كانت عبرة قبل موريتانيا والسودان. في الكثير من الدول العربية يوالي الجيش النظام وليس الوطن، وقد يلعب دورا اقل ديموقراطية من النظام القائم، وفي بعضها الآخر يحكم الجيش الآن عمليا حكما غير ديموقراطي طبعا. ومع ذلك علينا أن نسأل ليس فقط عن تنحي ضابط عن الحكم كأنه اعجوبة، بل عن دور الجيش. الإعجاب المشدوه بفعل التخلي عن السلطة مهما كان صحيحا يغطي على أسئلة لا يجوز تجنبها مهما كانت تجربة الماضي أليمة. لدينا مثالان نافيان يكفيان لكسر بعض التعميمات حول دور الجيش.

أفكار لم تبلغ الأربعين

مثّلت حرب حزيران هزيمة ساحقة للدول العربية التي شاركت في الحرب. وأخذت الهزيمة المدوية جيلاً كاملاً رهينة لها، ولم تتوقف التفسيرات للهزيمة من نقد الفكر الديني وحتى نقد الفكر القومي، الى الصدمة الحضارية إلى الانتاج الأدبي. لم نتوقف منذ تلك الفترة عن طرح الأسئلة غير الصحيحة.

لكن أمراً واحداً لم يخطر بالبال، وهو أن هذه الهزيمة هي الاستثناء وليست القاعدة، وأن النظام العربي نفسه حارب افضل عندما أتيحت له فرص أخرى، وأن فدائيين فلسطينيين وكتيبة مدفعية أردنية أبلوا بلاء حسناً في معركة الكرامة بعد أشهر من الهزيمة. ثم تلت حرب الاستنزاف وحرب اكتوبر 73، ومرحلة المقاومة اللبنانية.

وكل هذه لم تدحض الانطباع المتجذر عن تلك الهزيمة النكراء. أولاً لأن الواقع الذي نشأ مع احتلال عام 67 لم يتغير، وثانياً لأن الخيبة والإحباط واليأس كانت على قدر الأحلام العربية الكبرى. لم يعد في الإمكان التحرر من تداعيات الهزيمة الثقافية والفكرية والسياسية، ولن نقوم بمراجعتها هنا. وما يهمنا في هذه العجالة، أنه منذ تلك المرحلة والشارع العربي السياسي أسير اعتبار حرب استثنائية وهزيمة استثنائية هي القاعدة في الصراع مع إسرائيل. أما إسرائيل فقد عدّت النصر السريع على نمط تلك الحرب هو القاعدة. وما لبث أن تحول هذا الوهم الإسرائيلي الى نقطة ضعف إسرائيلية أمام أية حركة مقاومة جدية تتطور... مثلما أثبتت الحالة اللبنانية مرتين على الأقل.

ومثلما أعادت الهزيمة تشكيل العالم العربي وتذويت ما أراد الإسرائيليون أن يذوَّت، كذلك أعادت تشكيل إسرائيل. وقد كانت تلك الحرب حدث التأسيس الحقيقي لإسرائيل من حيث كونها حاسمة في إقناع رأس المال والشتات اليهودي أن هذه الكيان ليس مجرد مغامرة، وارتفاع قيمة إسرائيل من زاوية النظر الأميركية الى درجة التحالف الشامل، ثم تضامن العالم مع «الضحية المنتصرة» ضد «الفاعل الفاشل»، وهي الوصفة الدولية السحرية التي لم تفهمها السياسة العربية حتى الآن بتأكيدها إما على عنصر الضحية وحدها، أو البراغماتية الهادفة لتأكيد صورة الناجح وحدها. لا يكفي أن تكون ضحية من أجل تفعيل التضامن وإلهاب الخيال الإعلامي، بل يجب أن تكون ضحية تقاوم بأفق انتصار.

لم يصمد احتلال في القرن العشرين اربعين سنة. وامتداد الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من اربعين عاماً يطرح سؤالاً هاماً عن معنى التعامل مع إسرائيل كأنها دولة طبيعية في حدود 67 ومحتلة خارج هذه الحدود. عمر إسرائيل ستون عاماً، منها 20 عاماً فقط داخل حدود عام 67، فما الاستثناء وما القاعدة في مثل هذه الحالة؟ من غير المنطقي ولا الطبيعي اعتبار إسرائيل «الطبيعية» هي إسرائيل العشرين عاماً لا إسرائيل الستين عاماً. نقول ذلك سجالاً ونحن ندرك أن إسرائيل العشرين عاماً لم تكن أصلاً دولة رأسمالية طبيعية قامت باحتلال اراض تبلغ ثلاثة أضعاف مساحتها، فإن احتلالاً ما وقع قبل عام 67. نحن إذاً أمام حالة استعمارية ممتدة.

ربما صدم هذا الكيان من انتصاره السريع والساحق والمذهل عام 67، لكن الأمر الطبيعي كان استغلال هذا الانتصار لفرض شروط سياسية من جانب كيان يعرف جيداً حجم الجريمة التي تطلبها قيامه. ومنذ البداية كانت حكومة ليفي أشكول على استعداد لإعادة جميع المناطق المحتلة عام 67 إلى الدول العربية مقابل سلام كامل وتطبيع كامل، أي مقابل قبول إسرائيل دولةً عادية في المنطقة العربية، ودون حل القضية الفلسطينية التي اعتبرت في الفكر الإسرائيلي الرسمي حينذاك مسألة جانبية قياساً بالصراع العربي- الإسرائيلي، أو اعتبرت ظاهرة مرافقة له بإمكان العرب أن ينحّيها جانباً بتوطين اللاجئين. وقد جاءت لاءات قمة الخرطوم تأكيداً على رفض هذه الصفقة الإسرائيلية.

لكن منذ لحظة الانتصار، ورغم رسالة حكومة إسرائيل الى جونسون التي تعبّر فيها عن استعداد لصفقة من هذا النوع، أبقت إسرائيل عنصرين أساسيين خارج الصفقة: أولاً، عودة اللاجئين كانت وبقيت مرفوضة، وثانياً، رفض الانسحاب من القدس الشرقية التي «وحدت» مع الغربية وأعلنت عاصمة إسرائيل الأبدية عام 68، بما في ذلك من تحويل «الأبد» إلى مجرد موظف بوظيفة جزئية عند إسرائيل. والمناطق التي يستعد بعض اليسار لإعادتها من القدس لم تكن في حينه جزءاً من المدينة بل قرى تحيط بها وتحولت في هذه الأثناء إلى أحياء فيها.

أما بالنسبة لبقية المناطق المحتلة عام 1967، فقد انقسم قادة حزب العمل بين من يؤيدون الاستيطان فيها وضم أجزاء منها لإيجاد حدود آمنة غير حدود 4 حزيران، والتي أطلقوا عليها تسمية حدود أوشفتس. كذلك اختلفوا على مواقع الاستيطان وقانونيته بين تيارات غولدا مائير ويسرائيل غاليلي من جهة وتيار يغئال ألون من جهة أخرى. هؤلاء لم يعترفوا بوجود قضية فلسطينية، أما موشي ديان فقد انفرد منذ تلك الأيام في محاولة إيجاد حل يحوّل المناطق المحتلة عام 67 الى حل محلي للقضية الفلسطينية، ولذلك حافظ على سياسة الجسور المفتوحة التي تركت متنفساً غير إسرائيلي للناس، ثم باشر بالاتصال بقيادات محلية من رؤساء بلديات وغيره لتشكيل قيادة تتولى نوعاً من الحكم الذاتي... وذلك قبل كامب ديفيد المصرية- الإسرائيلية بعشر سنين، وقبل طرح الحكم الذاتي هناك. وقد لا تكون صدفة أن ينتقل ديان من حزبه الى حكومة بيغن حين لاحت فرصة لتطبيق هذه الافكار مع دولة عربية... وتحول ما خطط له موشي ديان الى إرث سياسي عربي يختزل قضية فلسطين الى الأراضي المحتلة عام 67.

وعلى كل حال، تحولت المناطق المحتلة والحدود المقترحة فيها الى عنوان للتعبير عن الصراعات الداخلية في حزب العمل. فمثلاً، جسدت النقاشات الصراع بين بيرس ورابين بعد نهاية الجيل الذي تنتمي اليه الاسماء المذكورة اعلاه. وقد كان بيرس في الصراع على الزعامة، يعارض ما يفعله رابين بغض النظر عن قناعاته، فإذا كان رابين، رئيس الحكومة الأسبق معارضاً، بين 74 و77 للاستيطان في المناطق المأهولة المرشحة للانسحاب في صفقة مع العرب بموجب خطة ألون التي أيدها، كان وزير الدفاع بيرس يزعجه ويناكفه بدعم الاستيطان «غير القانوني» في منطقتي نابلس والخليل. هكذا تحولت «المناطق» الى موضوعات للصراع السياسي الداخلي، وباتت السياسة بهذا المعنى تتطلب خبرة لا معنى لها بالشأن الإسرائيلي لمعرفة «مشاريع الحل». لقد بنى حزب العمل الكتل الاستيطانية الكبرى ومستوطنات غزة أيضاً.

من جهة أخرى فإن بعض المجتمع الإسرائيلي أصيب بجنون العظمة، وباشر بتأسيس حركات مثل «أرض إسرائيل الكاملة» والتي غيرت الخطاب السياسي برمّته، ثم تبعتها حركة جوش إيمونيم، ثم سُحر المجتمع الإسرائيلي وخطابه بالانتصار وبلقاء وتطابق «ارض إسرائيل التوراتية» مع دول إسرائيل، لقاء ولّد هذه التطابق بين البعدين الدنيوي والديني للمشروع الصهيوني الذي بات واقعاً بعد الحرب تديينا للسياسة والخطاب السياسي العلماني وتسييساً للدين، بشكل طابق بين التطرفين القومي والديني. وهو أمر غير مفهوم للعرب، لأن التطرفين متنافران في الحالة العربية.

منذ أن تذوت العرب الهزيمة وحولوا الهيمنة الى خيار السلام الاستراتيجي، وهو ليس خياراً ولا استراتيجيا ولا سلاماً، تحولوا الى أسرى هذه اللعبة الإسرائيلية بين يسار إسرائيلي منقسم على ذاته بشأن تصور للحدود، ويمين لا يرى السلام واقعياً، ولا يجمع بينهما الا الرغبة بالتخلص من اكبر عدد من العرب على أصغر رقعة من الأرض. وبات الامتحان الاسرائيلي- الاميركي لما يسمّى مبادرة السلام العربية يتلخص بمدى توافقها مع هذا الإجماع الإسرائيلي.