Tuesday, April 24, 2007

حول حرب نتمنى ألا تقع


20/04/2007 08:53

ما أن عاد الجنوبيون الى أنقاض بيوتهم مسجلين النصر على العدوان الإسرائيلي على لبنان حتى دار نقاش حول الحرب الإسرائيلية القادمة، لأن المهمة لم تنفذ، كما يقال باللغة العسكرية المغلقة. وقد انطلق النقاش عادة من زاوية نظر حاجة الجيش الإسرائيلي ان يعيد الاعتبار لهيبة الردع لديه التي جاء العدوان على لبنان ليثبِّتها ففقدها. والحقيقة أنه حتى لو كانت استعادة هيبة الردع سببا كافيا للرأي العام الإسرائيلي أو للمؤسسة الصهيونية ( ويمكن إهمال الفرق بينهما) لشن الحرب في الماضي، فهي لم تعد كذلك حاضرا، وذلك بسبب الفشل في لبنان. ويصعب الإقناع بالعودة الى نفس الوسائل لتنفيذ نفس الأهداف قريبا، ناهيك عن عدم اكتمال نشوء المتغيرات المساعدة اللازمة على الأرض.

ويصعب على المؤسسة الإسرائيلية حاليا أن تجد التأييد داخلها أو في الرأي العام لشن حرب قريبة ضد نفس الأهداف، وذلك بعد فشل الحرب الأخيرة في تحقيقها. وكل النظريات الإسرائيلية المنشورة ( نقول المنشورة حتى لا نتهم من جديد ب"إعطاء معلومات للعدو"...) القائلة بأنهم سيبدأون في الحرب القادمة برا لا تغير شيئا، فربما تتمنى المقاومة اللبنانية أن تبدأ إسرائيل بما انتهت إليه المرة السابقة دون كل هذا الدمار والقصف الوحشي.

مع التحفظ أنه مع ذلك، ورغم ما قيل أعلاه، يجب عدم منح الأسباب لإسرائيل لشن هجوم انتقامي على لبنان، لأنها لن تفوت فرصةً للرد للانتقامي من الهزيمة أو على الاقل لكي لا تخلق سوابق جديدة على نمط تفاهمات نيسان، ومع التحفظ أن التحليل النظري أعلاه دائما محدود الضمان، فثمة مغامرين في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والسياسية قد يقدمون على حماقات، وفي حالة إقدامهم على حماقات سوف يكتشفون قدرة على المقاومة لا تقل عما سجلته في صفحة التاريخ تلك... مع هذين التحفظين نقول انه يصعب منطقيا، إذا توفر المنطق طبعا، حساب إمكانية حرب جديدة على لبنان.

ولكن هذه الجملة غير كافية... والأدق أن نقول "يصعب توقع حرب على لبنان وحده"، وهذا يعني أن كل حرب قادمة سوف تكون حربا إقليمية. فإذا ضرب لبنان المرة القادمة سيمتد العدوان إلى سوريا، إما لأنه لن يكون مقنعا لأحد في إسرائيل ان المقاومة قادرة على الصمود دون سوريا، أو استباقا لتدخل سوري بات ممكنا، أو نتيجة لتقدير إسرائيلي في حالة الحرب أنه من الأفضل ان يحصل الاستباق قبل تعاظم القوة الدفاعية السورية الجاري الحديث عنها على لسان كل خبير وكل صحيفة في إسرائيل.

في هذه الحالة يسأل السؤال: هل تستطيع أن تقف إيران موقف المتفرج من حرب قد تتناول سوريا ولبنان وواضح أنها خطوة أولى لعزلها نهائيا في المنطقة؟ إيران ربما تقدر أنه إذا شنت إسرائيل حربا قادمة على لبنان، فإن ذلك مؤشر لحتمية الحرب الأميركية ضدها. الإجابة غير واضحة، ولكنها تحمل مخاطر. وهذا يعني إمكانية حرب إقليمية واسعة، وفي ظل الوجود الأميركي المكثف في الخليج والعراق. لم يعد مثل هذا القرار قرارا إسرائيليا تدعمه أميركا، بل بات قرارا أميركيا، تدعمه إسرائيل إذا طلب منها.

ولذلك نقول أن الحرب القادمة هي حرب إقليمية. ونحن نتمنى ألا تكون، ويجب منع وقوعها بكافة السبل. فالمنطقة مرهقة ومفجوعة بما يجري في العراق، ونسيج مجتمعاتها ذاته، ناهيك عن وحدة دولها، بات عرضة للتضرر مباشرة من الحروب...والحرب الإقليمية بتوفر سلاح الصواريخ، وبوجود دول تختلف عن العراق بعد عقد ونصف من الحصار، وتختلف عن أفغانستان بالتأكيد، سوف تكون مدمرة نتيجة لقدرة الدول المعنية على الرد والمقاومة، و"اضطرار" الولايات المتحدة على تفعيل "قوة نار" أكبر. هذا عدوان مكتوب له الفشل منذ الآن، فلماذا يتم إدراك ذلك فقط بعد وقوع الكارثة.

يتفق معظم المعلقين العسكريين أنه بعد تحرك ناقلة الطائرات الثالثة نحو الخليج مؤخرا بات قرار شن الحرب أكثر واقعية، الجميع يكرر هذه الجملة التي تبدو سحرية، ولا ادري مدى صحتها، وهل الرقم ثلاثة سحري مثلا؟ في حالة خيار الولايات المتحدة سوف تكون إيران هي هدف شن الحرب، هذا واضح. ولكن التجربة الأميركية في العراق تؤكد انها لن تكون اجتياحا لإيران... الحديث هو إذا عن قصف أميركي ل"بنك أهداف" تم تجهيزه في إيران.

وهذا بحد ذاته لا يمنح إيران إمكانية المقاومة مباشرة في العراق فحسب، وهي مفارقة عجيبة بالنظر لموقف إيران من المقاومة العراقية حاليا، ولكنه يمنحها قدرة الرد العسكري الكلاسيكي في مناطق أخرى. ومن هنا الخوف الصادق والفعلي من هذه الحرب عربيا. وطبعا نحن لا نتحدث عمن يتواطأ مرة أخرى لشن الحرب، فمثله لن يتعلم اي درس، وحتى لو تعلم الدرس هو ليس سيدا لاستخلاص العبر، ولا سيدا لقراره. ولكن بين نقاد إيران العرب من لا يريدون الحرب فعلا ويخشونها. ومع ذلك فإن السلوك العربي المعترض على الحرب ويخشاها فعلا، يحاول أن يضغط حاليا على إيران لكي لا تمنح اميركا سببا للحرب، ولكن ضغطه او حتى توسله من الاميركان الا يقعوا في خطأ شن الحرب مرة أخرى غير واضح تماما. وهذا ينتج معادلة خطيرة، بالنظر لطبيعة القيادة الإيراينية الحالية بشكل خاص: إذا لم تقبل إيران بالشروط الاميركية فسوف تشن الحرب. وهذه نبرة لن تقبل بها إيران، وهي تستطيع ان تدلل على أن القبول بالمنطق الامبراطوري واستسلام له أثبت أنه كارثي، وبإمكان الأنظمة العربية الناقدة للمشروع الإيراني ان تساهم أيضا في تليين الموقف الأميركي قبل أن يصل الى النقطة التي لا ينفع فيها الكلام، ويجب أن تعرف أميركا صراحة أنها تخشى من تبعات هذه الحرب وإسقاطاتها عليها.

ولا شك أن حربا أميركية على إيران حاليا لن تعني إلا حرب بوش قبل ذهابه وإسرائيل في أزمتها الراهنة، لأن غالبية الرأي العام الأميركي المختلف عن رأي المؤسسة الحاكمة هذه المرة، خلافا لإسرائيل، تعارض الحرب. وقد تبين ان هنالك من يسرب أخبارا عن الحرب من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية لصحفيين مرموقين في تلك البلاد لكي يكشف للجمهور ما يعد ويخطط وبحيث تسنح الفرصة لبلورة وتثوير رأي عام ضدها. ففي المؤسسة الأمنية الأميركية ثمة من يعرف ان الحرب قادمة وهو يعارضها ويريد منعها هذه المرة خلافا للمرة السابقة.

بعد فشل بوش في كل مكان نشأ خطر أن يشن حربا انتقامية على إيران مدفوعا بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تصر على مواقفها في المنطقة، ولا تتراجع بل تنفذ ما تريد، ومدفوعا بموقفه، وهو نفس الموقف الإسرائيلي، من التسلح النووي الإيراني. وهو أيضا مدفوع بالرغبة في إثبات عدم تراجعه عن منطق محور شر رغم الفشل المدوي في العراق... هذه أيضا حرب يتم فيها تكريس النهج والمنطق الذي نشأ بعد 11 أيلول وآثاره بحيث لا يختفي مع فشل العراق.

ثمة عناد غريزي لدى الضعيف لاعتبار كل هزيمة درسا يجب قبوله وتعلمه، وثمة عناد غريزي لدى القوي يرى في تعلم الدرس من التجربة قبولا بالهزيمة. ولكن أميركا باحتفاظها بقدرتها على شن عدة حروب في عدة مناطق في العالم رغم الفشل، وبرئيس كهذا يمكنها أن تسمح لنفسها ألا تستخلص العبر أو أن تتجاهلها. بوش يرفض قبول الهزيمة في العراق. أما المسؤولين الأكثر مسؤولية ولكي لا تفقد أميركا هيبتها تماما فيقبلون الاعتراف بالفشل في العراق ولكنهم يصرون على التمييز بين: "أميركا فشلت في العراق"، و"أميركا فشلت". وسوف يكلف هذا التمييز ثمنا باهظا مرة أخرى.

من ناحية أخرى، لا بد ان المسؤولين الإيرانيين يشكون ان من يحذرهم من خطر كهذا في فترة بوش العرجاء، إنما ينسق مع الأميركان بنصيحته لهم ببعض التراجع ليحقق بهذا الأسلوب دون حرب ما لا تستطيع اميركا تحقيقه من إيران، بالضبط لانها غير قادرة على شن الحرب. ومن هذه الزاوية، ربما يشك الساسة الإيرانيون أنه يتم تسريب الأخبار من المؤسسة الأمنية الأميركية للصحف وللصحفيين لغرض تخويف إيران من حرب واقعة لا محالة وتحصيل نتائج بتراجع إيراني دون شن حرب. وربما يكون هذا التقدير الإيراني صحيحا، ولكن هل تجوز المقامرة؟

ورغم جهل الكاتب بلغة القمار نقول: السؤال هو الثمن الذي يدفعه اللاعب ليترك طاولة القمار قبل ان يحصل مكروه. إذا فهم مثلا ان ثمن الانسحاب باهظ، فربما سوف يفضل أن يجازف.

واضح لإيران وسوريا أن الفترة التي يجب تمريرها هي فترة بوش، وهذا يعني سنتين من تجنب المواجهة. هل هذا ثمن مرتفع؟ إذا تم تسجيل سابقة تراجع كلي ومبدئي لتجنب المواجهة فسوف يكون هذا بنظرهم ثمن مرتفع: مثل ان تتراجع إيران عن التخصيب نهائيا، او أن تدعو سوريا لخيار السلام دون أن تحتفظ بخيار المقاومة. لانه يصعب فيما بعد على الغرب عموما قبول أي تغيير في الموقف الإيراني أو السوري لصالح العودة الى مشاريعها، وتصبح تحت رحمة استراتيجية التوسل يقابله طلب المزيد من التنازلات.

ولذلك فإن التغيير يجب ان يكون مجرد إعطاء سلم يساعد من يريد النزول عن سقف التهديد بالحرب دون تسجيل الفشل الأميركي الكامل. ويسهل بعد ذلك بالتشخيص وبالعقل السليم رؤية هل سيطالب بالمزيد وهل يتحول هذا التغيير الى قتال إيراني تراجعي لا حدود له، ولا ينتهي الا بإرضاء أميركا في كل ما يطلبون. وبغض النظر عن النوايا الاميركية تترك النبرة الإيرانية رغبة لدى الجميع بسماع تغيير على الاقل بالنبرة واللغة. قد لا يكفي هذا التغيير ربما، ولكن إيران لن تخسر شيئا جوهريا، وقد تربح إذا عرضت مثل هذا التغيير في النهج. فهنالك قضايا لفت المشاريع الإيرانية بغلاف من الإيديولوجية جعلت حتى بعض المتعاطفين والرافضين لعدوان أميركي عليها يخشون تبعات المشروع الإيراني، وذلك من نوع ما انتقدناه سابقا من انشغال دون حق ودون حاجة بالهولوكوست، أو عدم الطمأنة المباشرة والسافرة حول عروبة العراق، وإبداء الحرص على الهوية العربية الواحدة لشيعته وسنته.

حول حرب نتمنى ألا تقع


20/04/2007 08:53

ما أن عاد الجنوبيون الى أنقاض بيوتهم مسجلين النصر على العدوان الإسرائيلي على لبنان حتى دار نقاش حول الحرب الإسرائيلية القادمة، لأن المهمة لم تنفذ، كما يقال باللغة العسكرية المغلقة. وقد انطلق النقاش عادة من زاوية نظر حاجة الجيش الإسرائيلي ان يعيد الاعتبار لهيبة الردع لديه التي جاء العدوان على لبنان ليثبِّتها ففقدها. والحقيقة أنه حتى لو كانت استعادة هيبة الردع سببا كافيا للرأي العام الإسرائيلي أو للمؤسسة الصهيونية ( ويمكن إهمال الفرق بينهما) لشن الحرب في الماضي، فهي لم تعد كذلك حاضرا، وذلك بسبب الفشل في لبنان. ويصعب الإقناع بالعودة الى نفس الوسائل لتنفيذ نفس الأهداف قريبا، ناهيك عن عدم اكتمال نشوء المتغيرات المساعدة اللازمة على الأرض.

ويصعب على المؤسسة الإسرائيلية حاليا أن تجد التأييد داخلها أو في الرأي العام لشن حرب قريبة ضد نفس الأهداف، وذلك بعد فشل الحرب الأخيرة في تحقيقها. وكل النظريات الإسرائيلية المنشورة ( نقول المنشورة حتى لا نتهم من جديد ب"إعطاء معلومات للعدو"...) القائلة بأنهم سيبدأون في الحرب القادمة برا لا تغير شيئا، فربما تتمنى المقاومة اللبنانية أن تبدأ إسرائيل بما انتهت إليه المرة السابقة دون كل هذا الدمار والقصف الوحشي.

مع التحفظ أنه مع ذلك، ورغم ما قيل أعلاه، يجب عدم منح الأسباب لإسرائيل لشن هجوم انتقامي على لبنان، لأنها لن تفوت فرصةً للرد للانتقامي من الهزيمة أو على الاقل لكي لا تخلق سوابق جديدة على نمط تفاهمات نيسان، ومع التحفظ أن التحليل النظري أعلاه دائما محدود الضمان، فثمة مغامرين في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والسياسية قد يقدمون على حماقات، وفي حالة إقدامهم على حماقات سوف يكتشفون قدرة على المقاومة لا تقل عما سجلته في صفحة التاريخ تلك... مع هذين التحفظين نقول انه يصعب منطقيا، إذا توفر المنطق طبعا، حساب إمكانية حرب جديدة على لبنان.

ولكن هذه الجملة غير كافية... والأدق أن نقول "يصعب توقع حرب على لبنان وحده"، وهذا يعني أن كل حرب قادمة سوف تكون حربا إقليمية. فإذا ضرب لبنان المرة القادمة سيمتد العدوان إلى سوريا، إما لأنه لن يكون مقنعا لأحد في إسرائيل ان المقاومة قادرة على الصمود دون سوريا، أو استباقا لتدخل سوري بات ممكنا، أو نتيجة لتقدير إسرائيلي في حالة الحرب أنه من الأفضل ان يحصل الاستباق قبل تعاظم القوة الدفاعية السورية الجاري الحديث عنها على لسان كل خبير وكل صحيفة في إسرائيل.

في هذه الحالة يسأل السؤال: هل تستطيع أن تقف إيران موقف المتفرج من حرب قد تتناول سوريا ولبنان وواضح أنها خطوة أولى لعزلها نهائيا في المنطقة؟ إيران ربما تقدر أنه إذا شنت إسرائيل حربا قادمة على لبنان، فإن ذلك مؤشر لحتمية الحرب الأميركية ضدها. الإجابة غير واضحة، ولكنها تحمل مخاطر. وهذا يعني إمكانية حرب إقليمية واسعة، وفي ظل الوجود الأميركي المكثف في الخليج والعراق. لم يعد مثل هذا القرار قرارا إسرائيليا تدعمه أميركا، بل بات قرارا أميركيا، تدعمه إسرائيل إذا طلب منها.

ولذلك نقول أن الحرب القادمة هي حرب إقليمية. ونحن نتمنى ألا تكون، ويجب منع وقوعها بكافة السبل. فالمنطقة مرهقة ومفجوعة بما يجري في العراق، ونسيج مجتمعاتها ذاته، ناهيك عن وحدة دولها، بات عرضة للتضرر مباشرة من الحروب...والحرب الإقليمية بتوفر سلاح الصواريخ، وبوجود دول تختلف عن العراق بعد عقد ونصف من الحصار، وتختلف عن أفغانستان بالتأكيد، سوف تكون مدمرة نتيجة لقدرة الدول المعنية على الرد والمقاومة، و"اضطرار" الولايات المتحدة على تفعيل "قوة نار" أكبر. هذا عدوان مكتوب له الفشل منذ الآن، فلماذا يتم إدراك ذلك فقط بعد وقوع الكارثة.

يتفق معظم المعلقين العسكريين أنه بعد تحرك ناقلة الطائرات الثالثة نحو الخليج مؤخرا بات قرار شن الحرب أكثر واقعية، الجميع يكرر هذه الجملة التي تبدو سحرية، ولا ادري مدى صحتها، وهل الرقم ثلاثة سحري مثلا؟ في حالة خيار الولايات المتحدة سوف تكون إيران هي هدف شن الحرب، هذا واضح. ولكن التجربة الأميركية في العراق تؤكد انها لن تكون اجتياحا لإيران... الحديث هو إذا عن قصف أميركي ل"بنك أهداف" تم تجهيزه في إيران.

وهذا بحد ذاته لا يمنح إيران إمكانية المقاومة مباشرة في العراق فحسب، وهي مفارقة عجيبة بالنظر لموقف إيران من المقاومة العراقية حاليا، ولكنه يمنحها قدرة الرد العسكري الكلاسيكي في مناطق أخرى. ومن هنا الخوف الصادق والفعلي من هذه الحرب عربيا. وطبعا نحن لا نتحدث عمن يتواطأ مرة أخرى لشن الحرب، فمثله لن يتعلم اي درس، وحتى لو تعلم الدرس هو ليس سيدا لاستخلاص العبر، ولا سيدا لقراره. ولكن بين نقاد إيران العرب من لا يريدون الحرب فعلا ويخشونها. ومع ذلك فإن السلوك العربي المعترض على الحرب ويخشاها فعلا، يحاول أن يضغط حاليا على إيران لكي لا تمنح اميركا سببا للحرب، ولكن ضغطه او حتى توسله من الاميركان الا يقعوا في خطأ شن الحرب مرة أخرى غير واضح تماما. وهذا ينتج معادلة خطيرة، بالنظر لطبيعة القيادة الإيراينية الحالية بشكل خاص: إذا لم تقبل إيران بالشروط الاميركية فسوف تشن الحرب. وهذه نبرة لن تقبل بها إيران، وهي تستطيع ان تدلل على أن القبول بالمنطق الامبراطوري واستسلام له أثبت أنه كارثي، وبإمكان الأنظمة العربية الناقدة للمشروع الإيراني ان تساهم أيضا في تليين الموقف الأميركي قبل أن يصل الى النقطة التي لا ينفع فيها الكلام، ويجب أن تعرف أميركا صراحة أنها تخشى من تبعات هذه الحرب وإسقاطاتها عليها.

ولا شك أن حربا أميركية على إيران حاليا لن تعني إلا حرب بوش قبل ذهابه وإسرائيل في أزمتها الراهنة، لأن غالبية الرأي العام الأميركي المختلف عن رأي المؤسسة الحاكمة هذه المرة، خلافا لإسرائيل، تعارض الحرب. وقد تبين ان هنالك من يسرب أخبارا عن الحرب من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية لصحفيين مرموقين في تلك البلاد لكي يكشف للجمهور ما يعد ويخطط وبحيث تسنح الفرصة لبلورة وتثوير رأي عام ضدها. ففي المؤسسة الأمنية الأميركية ثمة من يعرف ان الحرب قادمة وهو يعارضها ويريد منعها هذه المرة خلافا للمرة السابقة.

بعد فشل بوش في كل مكان نشأ خطر أن يشن حربا انتقامية على إيران مدفوعا بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تصر على مواقفها في المنطقة، ولا تتراجع بل تنفذ ما تريد، ومدفوعا بموقفه، وهو نفس الموقف الإسرائيلي، من التسلح النووي الإيراني. وهو أيضا مدفوع بالرغبة في إثبات عدم تراجعه عن منطق محور شر رغم الفشل المدوي في العراق... هذه أيضا حرب يتم فيها تكريس النهج والمنطق الذي نشأ بعد 11 أيلول وآثاره بحيث لا يختفي مع فشل العراق.

ثمة عناد غريزي لدى الضعيف لاعتبار كل هزيمة درسا يجب قبوله وتعلمه، وثمة عناد غريزي لدى القوي يرى في تعلم الدرس من التجربة قبولا بالهزيمة. ولكن أميركا باحتفاظها بقدرتها على شن عدة حروب في عدة مناطق في العالم رغم الفشل، وبرئيس كهذا يمكنها أن تسمح لنفسها ألا تستخلص العبر أو أن تتجاهلها. بوش يرفض قبول الهزيمة في العراق. أما المسؤولين الأكثر مسؤولية ولكي لا تفقد أميركا هيبتها تماما فيقبلون الاعتراف بالفشل في العراق ولكنهم يصرون على التمييز بين: "أميركا فشلت في العراق"، و"أميركا فشلت". وسوف يكلف هذا التمييز ثمنا باهظا مرة أخرى.

من ناحية أخرى، لا بد ان المسؤولين الإيرانيين يشكون ان من يحذرهم من خطر كهذا في فترة بوش العرجاء، إنما ينسق مع الأميركان بنصيحته لهم ببعض التراجع ليحقق بهذا الأسلوب دون حرب ما لا تستطيع اميركا تحقيقه من إيران، بالضبط لانها غير قادرة على شن الحرب. ومن هذه الزاوية، ربما يشك الساسة الإيرانيون أنه يتم تسريب الأخبار من المؤسسة الأمنية الأميركية للصحف وللصحفيين لغرض تخويف إيران من حرب واقعة لا محالة وتحصيل نتائج بتراجع إيراني دون شن حرب. وربما يكون هذا التقدير الإيراني صحيحا، ولكن هل تجوز المقامرة؟

ورغم جهل الكاتب بلغة القمار نقول: السؤال هو الثمن الذي يدفعه اللاعب ليترك طاولة القمار قبل ان يحصل مكروه. إذا فهم مثلا ان ثمن الانسحاب باهظ، فربما سوف يفضل أن يجازف.

واضح لإيران وسوريا أن الفترة التي يجب تمريرها هي فترة بوش، وهذا يعني سنتين من تجنب المواجهة. هل هذا ثمن مرتفع؟ إذا تم تسجيل سابقة تراجع كلي ومبدئي لتجنب المواجهة فسوف يكون هذا بنظرهم ثمن مرتفع: مثل ان تتراجع إيران عن التخصيب نهائيا، او أن تدعو سوريا لخيار السلام دون أن تحتفظ بخيار المقاومة. لانه يصعب فيما بعد على الغرب عموما قبول أي تغيير في الموقف الإيراني أو السوري لصالح العودة الى مشاريعها، وتصبح تحت رحمة استراتيجية التوسل يقابله طلب المزيد من التنازلات.

ولذلك فإن التغيير يجب ان يكون مجرد إعطاء سلم يساعد من يريد النزول عن سقف التهديد بالحرب دون تسجيل الفشل الأميركي الكامل. ويسهل بعد ذلك بالتشخيص وبالعقل السليم رؤية هل سيطالب بالمزيد وهل يتحول هذا التغيير الى قتال إيراني تراجعي لا حدود له، ولا ينتهي الا بإرضاء أميركا في كل ما يطلبون. وبغض النظر عن النوايا الاميركية تترك النبرة الإيرانية رغبة لدى الجميع بسماع تغيير على الاقل بالنبرة واللغة. قد لا يكفي هذا التغيير ربما، ولكن إيران لن تخسر شيئا جوهريا، وقد تربح إذا عرضت مثل هذا التغيير في النهج. فهنالك قضايا لفت المشاريع الإيرانية بغلاف من الإيديولوجية جعلت حتى بعض المتعاطفين والرافضين لعدوان أميركي عليها يخشون تبعات المشروع الإيراني، وذلك من نوع ما انتقدناه سابقا من انشغال دون حق ودون حاجة بالهولوكوست، أو عدم الطمأنة المباشرة والسافرة حول عروبة العراق، وإبداء الحرص على الهوية العربية الواحدة لشيعته وسنته.

المواطنون العرب في الداخل ونظام الوصاية


19/04/2007 08:28

يصعب تفسير شدة حملة التحريض الأخيرة على المواطنين العرب في الداخل، وعلى تيارهم الوطني بشكل خاص، بفتح التحقيق ضد نائب عربي في البرلمان بتهم أمنية. ولا شك أن المؤسسة الصهيونية بيسارها ويمينها تصفي حسابا طويلا مع أفكار طرحت ووصلت مؤخرا حد التفتح بألف لون وزهرة، وشكلت اقتراح مشروع فعلي للجماهير العربية. ولا يوجد مشروع يمكن تسميته مشروع شامل للجماهير العربية تتميز به سوى: أولا، ان الدولة لكي تكون ديمقراطية ولكي تتحقق فيها المساواة يجب ان تكون لجميع مواطنيها، وهذا يعني ان المساواة والديمقراطية إذا طرحت بشكل مثابر وصحيح لا يصح ان تكون اندماجية في الصهيونية او على هوامشها، بل مناقضة منافية لها. وثانيا، أنه في هذه البلاد تعيش قوميتان واحدة منهما هي قومية الأصلانيين، وأن العرب الذين بقوا هم جزء من القومية الأصلانية. هذا إضافة لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا. وهم يعلمون أن هذا المشروع لم يعد حزبيا بل اصبح إرث كل شاب وفتاة عربية يرفضان التخلي عن عروبتهم وعن المساواة الكاملة، ويرفضون نظام الوصاية الاستعماري الطابع.

ويصادف المواطن العريي عشرات الأنواع من الوصاية لا يكاد يدركها لكثرتها، نذكر منها ثلاثة فقط: 1. وصاية على الحقوق: يعتبر كل حق للعرب في هذه البلاد منحة ومنة من الدولة اليهودية توجب التسبيح بحمدها وتهليل الفرق في مستوى المعيشة والحقوق السياسية بين المواطنين العرب داخل الخط الأخضر وفي قطاع غزة مثلا، أو ان توجب التعبير عن امتنانهم لضمان حق الكلام وحرية الرأي قياسا بالدول العربية، وعلى تمتعهم بديمقراطية إسرائيل في مقابل فقدانها في العالم العربي.

والحقيقة أن هذه الوصاية قد انطلت على البعض في الداخل ممن تذوتوا فكرة التفاخر المشوه بإسرائيلية غير قائمة إلا في خيالهم. أما المشاهد العربي المطلوب منه تذوت الهزيمة، فيرى عربا من الداخل يعبرون عن رأيهم بحرية في التلفزيون فيحسدهم على هذه النعمة، ويرى رئيسا إسرائيليا يحاكم فيحسدنا على هذه النعمة. فقد اخذوا الوطن كله ومنحوا الناس حرية الكلام.

ولا شك أن هذا الموقف يتضمن محوا للتاريخ بمعنى التعامل مع إسرائيل كدولة كانت دائما هنا، وهاجرت اليها اقلية عربية باحثة عن حياة افضل. وهذا يعني ان هذه الأقلية يجب ان تكون موالية لإسرائيل، وطنها الجديد الذي هاجرت إليه، مقارنة الحياة فيها ببلدان الأصل. يسقط هنا طبعا الوعي التاريخي بأن هذه الديمقراطية هي ديمقراطية قامت على خرائب شعب، وهي تعيد انتاج ذاتها كديمقراطية داخل حدود جماعة وهوية استيطانية، وأنه يتم التسامح مع العرب في إطار هذه الحدود فقط. وعند حصول اي تحد لهذه الحدود تسقط الديمقراطية الإسرائيلية في الامتحان، إن كان ذلك بإطلاق النار على متظاهرين عرب أو بنزع حصانة نائب ومحاكمته ، وأخيرا في الجوقة الإعلامية المنسقة التي تخرج دفعة واحدة مثل قبيلة بدائية تقرع طبول الحرب.

لماذا نتحدى هذه الحدود ونحاول توسيعها باستمرار؟ لوم لا نقنع بالعيش في مستوى الحياة الإسرائيلي ضمن هذه الحدود، وكمواطنين من الدرجة الثانية فهذا على كل حال أكثر من خبزنا كفاف يومنا؟ والحقيقة أنه في هذه الأثناء تتحول القرى والمدن العربية الى جيتوات واحياء فقر ، ونظام التأمينات الاجتماعية الإسرائيلي يحمي الفقراء من الجوع ولكنه يكرس فقرهم، كما أنه من ناحية أخرى وخلافا لآفاق التطور العربي فإن الأفق في إسرائيل مسدود تماما أمام المثقفين العرب والطبقات الوسطى العربية والبرجوازية وغيرها.

لا مجال للتطور في الحدود التي تضعها إسرائيل. ولذلك يجب توسيعها باستمرار. وحتى دون ذاكرة تاريخية ليس صحيحا ما يقوله بعض المعتدلين العرب الذين يلوموننا على أننا لا نكتفي بدور قوة احتياط لمعسكر السلام الإسرائيلي، وأن على العرب في إسرائيل ان يشكروا ويسبحوا بحمد الواقع الإسرائيلي وأن يفرحوا به. إنهم يبررون اعترافهم ليس فقط بإسرائيل بل ايضا بطابعها الصهيوني، ويبررون أيضا التنازل عن حق العودة لكي تحافظ على هذا الطابع، ومن وجهة نظرهم يجب أن يقتصر دور عرب الداخل على تأييد هذا المسعى. ولذلك يرى بعض العرب أن "العربي الجيد" بنظر المؤسسة الصهيونية هو العربي الجيد فعلا، اي المريح لهم أيضا في هذه المرحلة.

2. وصاية على علاقة العرب مع هويتهم العربية: لا تكتفي إسرائيل بوجود عملاء او أصحاب مصالح مرتبطين مباشرة بها وبسياستها، بل تحاول أن تفرض حدودا بين المواطن العربي العاي وبين بقية العرب بحيث لا يصح له التضامن مع أعدائها، وكأنه أعداءها هم أعداؤه. والعدو في مرحلة هو الشعب الفلسطيني او لبنان او سوريا أو المملكة العربية السعودية. ويرفض الوعي التاريخي ان تجعل إسرائيل من المنطقة العربية عدوا لعرب الداخل. ولكن حتى بدون وعي تاريخي يسأل السؤال: كيف يمكن الوقوف مع المعتدي وعدم التعاطف مع ضحية العدوان؟ طبعا تفضل إسرائيل ان يشكل مواطنوها العرب جسر سلام مع العرب، ولكنه يجب أن يكون رأس جسر لإسرائيل وليس للعرب. في هذه الحالة تصبح العلاقة مع العرب محمودة لأنها تسخر كأداة تطبيع في خدمة إسرائيل. اما العلاقة الطبيعية الراغبة في التواصل مع المجتمعات والدول العربية من اجل الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية فهي مرفوضة ويتم التحريض عليها لانها تشب على طوق الوصاية.

لقد حرضت إسرائيل ضد اي محاولة عربية محلية جدية لنسج علاقات مع العرب خارج نظام الوصاية. وكان دائما عملاء ومخبرو إسرائيل العرب من سياسيين وغير سياسيين، على رأس حملات التحريض ضد هذا النوع من العلاقات مع العرب الذي لا يدخل ضمن نظام الوصاية فيهدد مكانتهم ودورهم ايضا في إسرائيل. ومنعت إسرائيل وحرمت وسنت القوانين لكي تمنع تواصلنا. وقد بلغت الوصاية بها انها باتت تترجم كل علاقة مع العرب تخرج عن إطار الوصاية إلى علاقة أمنية. وهذا كما يبدو سهم أخير في الجعبة التي استنزفت الأدوات الدستورية. هذه الرمية الأخيرة والخطيرة والتي تتكشف فيها الأنياب يجب الا تخيف الوطنيين، اذ من الصعب استخدامها بكثافة، ومن الواضح انها تستخدم حاليا في حالة فردية يعتبرونها حاليا خطيرة سياسيا بشكل خاص، و أفضل طريقة لإحباطها هي الا يسمح لها أن تؤثر على الموقف. فتعليم الناس درسا بشخص لا يعني ان يتصرف كل الناس بموجب ذلك، وإلا يكونوا قد نجحوا في تلقين الناس درسا فعلا.

3. الوصاية الأخلاقية: وهي أخطر أنواع الوصاية لأنها تفرض تفوقا أخلاقيا للصهيونية و"اليشوف" على العرب، الذين لا ينتظرون فقط الرضى من اليسار الصهيوني ومنحهم علامة "العربي المعتدل" أو "الجيد" او "المتطور" او "العقلاني" "الذي لا يبدو حتى عربيا"، بل يخشون اشد الخشية ويصابون بالهلع من الهجوم الكاسح اذا تم على شكل جوقة تحريض صهيونية. إن أخطر ما يمكن أن يحصل للمستعمَر هو ان يجمع بالطبل ويجزر بالعصا من قبل المستعمِر، او ان يضيع عقلة من تريبت الإعلام الإسرائيلي على كتفه أو ان يفقد شجاعته من التحريض عليه وإدانته كما فعل المستعمرون في الماضي ضد كل من لم يعحبهم من قيادات المستعمَرين في العالم الثالث كله.

ليست إسرائيل ديكتاتورية، بل هي ديمقراطية يهودية، وكيان استعماري في كل ما يتعلق بسلوكها مع العرب، بما في ذلك مواطنيها الذين تواجدوا على الأرض بعد ان انتهت حرب عام 1948، أي ما تبقى من الأغلبية العربية في هذه البلاد.
يستمد هؤلاء حقهم بالوجود على الأرض من وجودهم الفعلي عليها جيلا بعد جيل، وبهذا المعنى، يضاف إليه البعد الثقافي والديني والقومي وغيره، هذا هو وطنهم. والمقصود أن وطنهم ليس إسرائيل، بل البلد الذي قامت على أنقاضه دولة إسرائيل. ولذلك فإن وطنيتهم لكي لا تكون مشوهة هي وطنية فلسطينية وليس إسرائيلية.

ولكن التناقض يكمن في أن حق الوجود على الأرض بموجب قانون المحتل يستمد من كونهم مواطنين في الدولة التي احتلت أرضهم وليس كأبناء الوطن الذي تم احتلاله. هكذا تقلب السياقات التاريخية رأسا على عقب. ويصبح المواطن بحاجة أن يثبت بالأوراق الإسرائيلية حقه بالوجود في هذه البلاد. من شهادة الولادة وحتى بطاقة الهوية والجواز، وأن يحمل بعضها في جيبه دائما خشية المباغتة البوليسية، ولتمييزه عن سكان المناطق المحتلة عام 1967 الذين يمنع وجودهم في هذا الجزء من الوطن دون تصريح.

بدون جنسية إسرائيلية أو "بطاقة هوية" إسرائيلية يسمح للعربي في أفضل الحالات أن يبقى سائحا مدة ثلاثة أشهر في وطنه، وذلك في حالة حصوله على تأشيرة دخول. وهي تأشيرة يسعى للحصول عليها الكثير من فلسطينيي الضفة والقطاع المتواجدين في الخارج، وقسم منهم يعاد من المطار بعد حصوله عليها، فحتى الجواز الأجنبي لا يسعفه أن يتحول إلى سائح "عادي" في بلده على الأقل.

لقد تحولت المواطنة في كيان استعماري إلى أداة تهجير، إلا إذا لعب الفلسطيني اللعبة على ملعب هذا الكيان وبموجب قوانينه لتنجح أقلية فقط في البقاء على الأرض كما يسمح التوازن الديموغرافي، والمحاكم إسرائيلية، وكذلك القانون. عليك أن تثبت له ولذاتك أنك "إسرائيلي"، أي أن تتشوه، وذلك لكي تبقى في فلسطين. أما ان تعود إلى فلسطين، فهذا غير وارد طبعا. وهذا يفترض أن تقاومه الحركة الوطنية، فالوجود العربي الفلسطيني على الأرض وحقوقنا لا تشتق من هذه "الإسرائيلية". كل هذا يهون مقابل مشاعر الرضى والاكتفاء التي ترتسم على وجوههم عندما يشعرون أن هويتهم أو جوازهم أو إقامتهم مرغوبة من قبل العربي. إنها عملية تضليل وخداع فريدة ونادرة لا مثيل لها في التاريخ الحديث: احتلوا البلد وطردوا السكان ثم منع من تبقى من الإقامة في البلد دون بطاقة هوية إسرائيلية أو دون جنسية، ثم يتظاهرون بالدهشة من جاذبية الجنسية الإسرائيلية للناس ورغبتهم بإقامة دائمة في إسرائيل، ويتظاهر بعض الإسرائيليين أنهم يفهمون من هذا كله أن حياة العرب فيها رائعة إلى درجة التشبث بها. وكأن هذا هو الدافع. ولا شك أن قسما من الناس نسي فعلا هذا السياق الاستعماري المقلوب للتمسك ببطاقة الهوية أو جواز السفر، وراح يفتخر به.

لسان حال التفكير اليميني الجديد في إسرائيل يقول: انس حقك في هذه البلاد كفلسطيني، وحقك أصلا ليس إيديولوجيا ناجما عن كون الدولة قامت من أجلك، كما في حالة المواطن اليهودي، فالمواطنة الإسرائيلية لا ترتبط بشخصك كيهودي، ولا تلازمك كصفة من صفاتك، إنما منحت لك هبة لكونك إسرائيلي ب"صدفة" أو "مفارقة" وجودك هنا عند "قيام الدولة"، أي أن علاقتك بالدولة هي الأساس. وهي علاقة قائمة على الولاء أو الخيانة. أن يخون الفلسطيني إسرائيل. هل هذه جملة مفيدة؟ هذا ما يحاولون فرضه الآن. وهذا ما يجب تفويته عليهم.

السياسيون الغربيون والمرأة الشرقية والديموقراطية


16/04/2007 09:35

ليس التدخّل في شؤون الناس الخاصة، حتى لو كانوا قادة دول أو خصوماً سياسيين، شيمة من شيم الاهتمام الصحي بالحيز العام، إذ هو ليس بالضرورة دليل تسييس ولا دليل اهتمام بالشأن العام. فلا علاقة للاهتمام بالحيز العام باقتحام خصوصية الناس ما دامت لا تمت مباشرة لعملهم ولا تتضمن مخالفات جنائية، إلا إذا كان الهدف استغلال غرائز الناس وحب استطلاعها لتصفية الخصم شعبياً. والتدخل في حياة السياسيين الخاصة هو من نوع تدهور الصحافة حول السياسة والسياسيين الى نوع من مجلات النجوم التي تمتهن البصبصة وإثارة غرائز حب الاستطلاع لدى الجمهور بهذا الشأن.

ولهذا السبب استأت لأول وهلة من كثرة التعليقات على علاقة وولفوفيتس بفتاة ليبية الأصل. فليس هذا نقاشنا معه، وليست كل أداة جائزة في مقارعة الخصم، وخاصة تلك الأدوات التي يكرس استخدامها تخلّفنا.

ولكن ما لفت نظري جاعلاً من الولوج الحذر إلى شأن خاص كهذا أمراً مشروعاً، هو ليس فقط الترقية التي حازتها خليلته في إطار البنك الدولي بقفزة مرة واحدة وبغير الأصول المتبعة، ما أدى إلى مطالبة لجنة الموظفين في البنك الذي يرفع راية محاربة الفساد في العالم الثالث بإقالة رئيسهم، محافظ البنك الجديد، «المحافظ الجديد». وهذه الاتهامات تشكل عادة مبرراًَ كافياً لمناقشة الشأن الخاص لأنه أصبح عاماً، إذ زجّ المتهم به في الشأن العام. وهو مبرر مألوف لإطلاق الادعاءات والمطالبة بالعقوبات ضد كبار الموظفين والسياسيين، فالتمييز لمصلحة المقرّبين، المسمى في بلادنا واسطة، يكرس معايير لا علاقة لها بالموضوع، ولا بالكفاءة عند التعيين. وهذا مألوف لا يلفت النظر. ولا يختلف التمييز لمصلحة قريب خارج معايير الوظيفة والكفاءة والموضوع عن التمييز لمصلحة عشيقة، والمسألة لا تتعلق بخصوصية العلاقة وطبيعتها بل بتأثيرها في عدم اتباع المعايير والمقاييس الموضوعة والموحدة.

وقد أخيّب ظن القارئ إذ أقول إن ما لفت النظر هو أيضاً ليس ميل السياسيين الأوروبيين والساسة الأميركيين إلى «فتاة عربية»، هذا الميل الاستشراقي التافه الذي يتضمن في ما يتضمن رغبة من يعتبرون أنفسهم ممثلي الحضارة الغربية بتحرير المرأة الشرقية من نير الرجل الشرقي....

وهذا موضوع استشراقي معهود عاد وأثاره أخيراً في النفوس المرشح لرئاسة فرنسا ساركوزي. هذا الأخير لم يرمش في وجه التهمة بأنه محافظ ويميني ومعادٍ للمهاجرين، على رغم كونه من عائلة مهاجرين، وربما كان هذا هو السبب، يضاف إلى ذلك أن امرأة تنافسه على رئاسة فرنسا عن الحزب الاشتراكي، بل عاجل التهم والادعاءات بإعلان مفحم صفّقت له بعض النساء، بأنه إذا قيّض له الفوز فسوف يجعل من فرنسا ملجأ أميناً للنساء اللواتي يتعرضن للاضطهاد في البلدان الأخرى.

من الصعب أن يجد المرء كمّاً أكبر من «العصافير» يُصاب بتصريح واحد، تصريح كأنه انطلق من بارودة صيد بالخردق. أولاً، لم يتطرق المرشح إلى وضع المرأة أو حقوقها في بلده، ولا إلى حقوق المهاجرين رجالاً ونساء الموجودين أصلاً في بلده، وقد اشتهر بموقفه العدائي منهم، بل تعرض، ثانياً، للثقافات الأخرى بشكل مبطّن كثقافات معادية للمرأة، وثالثاً أعلن نظاماً من الوصاية على مقموعي المقموعين. فهو ممثل الرجل الأبيض الغربي ومخلّص المرأة الشرقية من غبن الرجل الشرقي عدوه وعدوها. استشراق للاستهلاك من أسوأ نوع في بلاد ربما يعتدي فيها جزء كبير من روّاد الحانات من مؤيديه اليمينيين على نسائهم. هكذا لم يتنازل ساركوزي عن رجعيته، ومع ذلك فقد اشترى لحظة من اللياقة السياسية التي تبدو تقدمية بسعر رخيص.

وقد بادر أريئيل شارون في حينه الى موقف شبيه، إذ قصد ان يكون أول اجتماع يعقده كرئيس حكومة هو الاجتماع مع اتحادات النساء لدى انتخابه رئيساً للحكومة لأول مرة. فعندما يصبح امتحان الموقف من المرأة مبادرات من هذا النوع، والحرص على اختيار ألفاظ غير مهينة ولا تحطّ من شأن المرأة، يصبح من السهل نشوء يمين جديد «تقدمي» في كل ما يتعلق بقضية المرأة كمسألة هوية نسائية وتمثيل نسائي في الوظائف وغير ذلك، ولا يستطيع أحد ان يتبارى في هذا السياق مع السياسيتين اليمينيتين جولدا مئير وتاتشر في الماضي، والمستشارة الألمانية الحالية على صغرها، وغيرهن كثير.

لقد تعلّم اليمين الأوروبي كيف يتبارى لفظاً مع مصطلحات اليسار حول البيئة وحقوق المرأة. ولكن استشراقية ساركوزي وتعاطفه مع نساء العالم ضد مضطهديهم في خطاب انتخابي فاق حتى الفنع الانتخابية الأميركية.

وأخيراً ما لفت نظرنا عند وولفوفيتس الذي تجاوز الأصول وقوانين التوظيف في البنك الدولي، هو ليس رفع أجرة عشيقته الى 200 ألف دولار قبل إعارتها للخارجية الأميركية بحيث يستطيع ان يدّعي أنه أنهى وظيفة صديقته في البنك متجنّباً علاقة الرئيس والمرؤوسة ومطالباً بالموضوعية والشفافية، وأن يرفع أجرتها في الوقت عينه.

ما الذي لفت نظرك، إذاً، في كل مرة تكتب عن شيء يلفت النظر، وتلفت إليه النظر فعلاً ثم تدّعي انه ليس ما لفت نظرك، ما الذي لفت نظرك إذاً؟

ما لفت نظري هو أنه بعد رفع أجرها السنوي حاول نقلها إعارة الى وزارة الخارجية الأميركية للعمل في قسم نشر الديموقراطية ومكافحة الفساد في الشرق الأوسط.

يشبه هذا الموقف صورة الثقوب في جواربه عندما دخل لزيارة مسجد في استانبول، فهو يعبّر كثيراً عن نفسية صاحبه وعقليته. ولو تباهى وولفوفيتس كرئيس بنك دولي بالثقوب في الجوارب فسوف نجد أنفسنا أمام شخصية غير طبيعية بل عصابية تتفاخر بأمر كهذا لا يمكن ان يعتبر مبدأ مثيراً للتعاطف إلا عند من لا يخجل بفقره وهو ليس فقيراً، وإذا كان ذلك ناتجاً من إهمال فإنه يشير أيضاً إلى نفسية البخيل المولييري، والبخل صفة لا تأتي وحدها في الشخص، بل تأتي في عنقود واحد مع مجموعة من الصفات السيئة. ولكن جوارب وولفوفيتس هي فعلاً شأنه الخاص، وفقط جشع الكاميرا حوله الى موضوع نأسف أننا خضنا فيه، ولكن التشبيه التصويري مع موقفه الأخير كان مغرياً.

الإيديولوجية الداعية الى نشر الديموقراطية عند العرب فقط كأنها توزع بضاعة من دكان خاص يملكه المحافظون الجدد، هي إيديولوجية مثقوبة ومهلهلة مثل الجوارب المثقوبة. ولكنها هنا ليست مجرد خدعة إيديولوجية، ولا مجرد لعبة مفضلة عند راديكاليي المحافظين الجدد، ولا مجرد «جلجقة» و«تجلجق» للديموقراطية «الجلجوقة»، بل أصبحت أيضاً أداة «مصاحبة»، فكل سياسي لديه فتاة مقرّبة أو شاب نابه، ما عليه إلا تشغيله في شؤون نشر الديموقراطية في ديارنا. ولا حاجة إلى مؤهلات، إذ تكفي الرغبة في التقليعة والعمل حيث «تحصل الأشياء المهمة» حالياً في عالمنا، والرغبة في وعظ العرب. وقضية استعصاء الديموقراطية عربياً وتحول معالجتها الى تقليعة ورياضة روحية تحمل كل هذه «الجلاجيق».

لا أدري كيف يمكن أن يكون رد فعل الصينيين لو شغّل الأميركيون عشيقاتهم وبناتهم في نشر الديموقراطية في الصين، مثلاً، العصية حتى الآن على الديموقراطية هي الأخرى. وكل شاب وفتاة يوظف أو توظف في مؤسسة لديها فروع في الخارج يحسب نفسه خبيراً في الديموقراطية لمجرد أنه ولد في دولة ديموقراطية لا فضل له عليها من قريب ولا من بعيد.

ذكرنا تشغيل خليلة في نشر الديموقراطية في العالم العربي، فلماذا قلت تشغيل بناتهم؟ بنت من؟
ابنة ديك تشيني. لقد وظف تشيني قبل عامين ابنته ليز تشيني في القسم نفسه لنشر الديموقراطية في الشرق الأوسط في وزارة الخارجية لكي تنظّر علينا. فهذا القسم الناجح جداً في نشر الديموقراطية كما يظهر على المنطقة، نجح على الأقل في عملية التوظيف. تشيني يوظف ليز، ووولفوفيتس يستغل الديموقراطية في الشرق الأوسط لكي يلز... وكل الجماعة وأنسباؤها وأقرباؤها مدعوون إلى وليمة الفساد والإفساد، وإلى ممارسة هواية نشر الديموقراطية في المنطقة العربية ووعظ العرب.
فهمت، فعلاً أمر لافت.

مواطنة صغيرة ومربعة، بالألمانية: شبيزبورغر

مواطنة صغيرة ومربعة، بالألمانية: "شبيزبورغر"..

04/04/2007 10:30

استغرب الفلسطينيون من سلوك المستشارة الألمانية ميركل. وهم معتادون منذ بدأ الاعتراف بـ م. ت. ف ومنذ بيان البندقية الشهير على سلوك أوروبي رسمي يطرح كأنه متوازن، أو يتحالف مع إسرائيل ويساير الحالة النفسية الفلسطينية، ويخفف على الفلسطينيين قليلا، أو يحيد الاحتلال بطرح حالة غير متكافئه من علاقة المحتل والواقع تحت الاحتلال كأنها متكافئة. وقد كان بذلك يزوّر الحالة الفلسطينية ويزيد من أعبائها فيما يبدو مساواة بين طرفين. وربما لا تكون التسوية ممكنة دون تزوير كهذا. أما ميركل فقد خرجت عن كافة أصول اللياقة والكياسة والسياسة باستفزاز مشاعر الشعب الفلسطيني، والاستخفاف بع وبقياداته، مقابل ما أظهرته من مسايرة وتملق ومراءاة لمشاعر الجانب الاسرائيلي.

ولكن هذا هو موقفها. موقفها يجعلك تشتاق للموقف الأميركي، أو لنانسي بيلوسي التي زارت سوريا ايضا، ولم تكتف بلبنان، وهي خطوة لا تجرؤ المستشارة الألمانية على اتخاذها.

وفيما عدا رفض لقاء رئيس الحكومة الفلسطينية بشكل مطلق رفضت ميركل لقاء رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس في بيت لحم بناء على اقتراح فلسطنيني لمشاهدة جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل. وأصرت على رام الله، ربما لكي لا يتبادر الى ذهن احد ان يسألها عن المقارنة مع جدار برلين، ولكي لا تحرج من مشهد بيت لحم المحاصرة وهي رمز المسيحية "حتى" في أوروبا. كما رفضت ميركل كذلك لقاء رؤساء الكنائس في مدينة بيت لحم حيث صادف الاحتفال بعيد الشعانين وأهازيجه التي يختلط فيها التدين الشعبي بالوطني الفلسطيني، وهو ما تبقى من رونق المسحية الشرقية الرائع في فلسطين، خاصة وأن مسيحيي فلسطين يحرمون من أدائه في القدس، وهي مهد هذا العيد الشرقي، ومولده مثل عيد الفصح الشرقي الطابع ايضا. والشعانين عيد له كان له طابع كرنفالي رائع في المدينة المقدسة التي احتوت ذات يوم الوان الشعانين وأهازيجه ودرب آلام مسيرة الفصح والإسراء والمعراج تحت سقف فلسطيني واحد. ويتوجه معظم أبناء الطوائف المسيحية المقيمين في بيت جالا وبيت ساحور وحتى من رام الله وغيرها الى بيت لحم بسبب الإجراءات الإسرائيلية التي تمنع دخولهم الى مدينة القدس المحاصرة.

وألغت ميركل اجتماعاً كان مقرراً مع ممثلي مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما درج عليه معظم المسؤولين الأوروبيين الذين يزورون الأراضي الفلسطينية. ونحن نعتبره استثنائيا إلغاء محمودا يضع النقاط على الحروف بالنسبة للموقف الأوروبي الذي كان يستثني تلك المنظمات باعتبار اللقاء معها لقاء مع المجتمع المدني. وقد تضمنت تلك اللقاءات قدرا كبيرا من التمييز لصالح المنظمات غير الحكومة وجرت مداهنتها من زاوية أنها قوة تغيير ممولة أوروبيا في مقابل السياسة الفلسطينية. أما فظاظة ميركل فلم تترك هامشا حتى لمثل هذه المراءاة. وأظهرت المستشارة ميركل اهتماما غير مسبوق بالجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، ولم تأت طبعا على ذكر أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني بما فيهم أطفال ونساء ومرضى. وقامت بزيارة أهالي الجنود الأسرى الإسرائيليين الثلاثة، ولكنها لم تلتق بأهالي أي من الاسرى الفلسطينيين.

لقد حطمت ميركل التلون الأوروبي الرسمي كما عهده الفلسطينيون، ووضعت الموقف الأوروبي في نصابه الاميركي في المنطقة دون الرتوش المعهودة... وهذا كله نذير ما هو متوقع في المرحلة القادمة لناحية الموقف من الشروط الإسرائيلية وعدم الحياد عنها.

طبعا هنالك الهولوكوست والفهم الألماني اليميني للتعويض عنه والمغزى منه في تفاهم مع إسرائيل حول تقاسم المصالح كناطقة بإسم الضحايا ومانحة صكوك براءة للفاعلين، وليس في رفض العنصرية وممارساتها عموما. ولكن نفس العقدة الألمانية عند قيادة سياسية لشعب ارتكب مجازر فعلا، لم تمنع ويلي برانت في الماضي، وشرودر مؤخرا من اتباع نهج مختلف. لدينا هنا حالة مختلفة تمثل مزاجا أوروبيا يمينيا جديدا ضاق ذرعا بعد 11 ايلول ب"مسايرة" الإسلام والمسلمين أولا في اوروبا نفسها، وثانيا خارجها. ويتصرف بتأنيب ضمير أمام الولايات المتحدة بهذا الشأن. وأقصى ما يذهب اليه هو حد التعددية الثقافية في إطار الهيمنة الغربية، أو تقسيم المسلمين والعرب إلى معتدلين ومتطرفين لكي يكون بالإمكان البدأ بالتعامل معهم. وقد وقع انتخاب حماس على أوروبا التي ربت الحوار الإسرائيلي الفلسطيني ورعته، ورعت الاتفاقيات من مدريد حتى أوسلو، وقوع الصاعقة. و 11 أيلول يضاف اليه انتخاب حماس هو أمر لا يحتمله مواطن مربع عادي تمثله ميركل ولديه وقت للتعامل مع القضية الفلسطينية مرة في العام ربما بعد ثاني زجاجة جعة وقبل ان يقلب ثالث محطة تلفزيونية.
وهنالك رغبتها الحادة للتميز عن شرودر.

لكن هذه كله لا يكفي لفهم فظاظة الأسلوب، ورفض أخذ أي مجازفة لإغضاب إسرائيل، والحذر من أي شي غير محسوب بحساب المصالح الفورية والمباشرة والباردة. إنه المواطن الصغير والمربع المنزوع روح الفكاهة الذي شكل مادة سخرية المفكرين والشعراء الألمان من هاينة وماركس وحتى أدورنو، واعتبروه ما يميزهم عن الفرنسيين والانجليز، كما اعتبرته هانا أرندت نوع المواطن الذي كان مستعدا لدعم النازية ما دام هنالك "زبدة على الخبز" بالعبارة الألمانية، أو على الأقل للتظاهر بعدم رؤيتهم، وهم يسوقون جاره اليهودي او الشيوعي او الاشتراكي الى المعتقلات. إنه المواطن المحبوس خلف الستائر، والذي يعتبر نوع الستائر في البيت موضوعا مصيريا في الحياة، ويعتبر الدقة دقة المواعيد لا غير، ويعتبر الروتين اليومي هو القداسة بعينها. وهوالذي بات يعرف العالم مؤخرا كسائح في جزر الكناري والبهاما وإسبانيا وإيطاليا وغيرها. ليس الألمان هكذا طبعا، ولكنه رمز الالماني الصغير الذي تمثله ميركل... وقد بات يحكم المانيا.

ليس هذا هو المواطن الذي تمرد وعارض وسجن في المانيا الشرقية وغيرها من دول اوروبا الشرقية، بل هو الذي صمت عن الحكم وتساوق معه وتسلق بجلد سميك وقدرة على التحمل الى درجة منصب سكرتيرة رئيس حكومة في ألمانيا الشرقية، كما كانت ميركل. ولكن هذا المواطن هو الذي حكم بعد التغيير، فقد انضم الى التذمر ثم الى التغيير لأنه غاضب ومسكون بالمرارة من مقارنة مستوى معيشته بمستوى معيشة ابن المانيا الغربية.

ميركل تأتي من المانيا الشرقية، ومن الأوساط الموصوفة أعلاه. والتركيبة: ديمقراطية مسيحية + المانية شرقية = سياسة ميركل هذه. وهي التركيبة التي شهدها الفلسطينيون في زيارة الإحراجات الكابوسية هذه.

ونضيف ايضا: شهدت أوروبا خلال العقد ونصف الأخيرين إضافة لانضمام المانيا الشرقية اليها انضمام عشر دول من الكتلة الاشتراكية سابقا. وهي دول لم تملك في يوم من الأيام سياسة خارجية باقل درجة ممكنة من الاستقلالية . فقد كانت تابعة للاتحاد السوفييتي السابق، وكانت وزارات الأمن والخارجية مجرد تكملة عدد في حلف وارسو. تغيرت هذه الدول، وقاد الانقلاب فيها إما نخب انتهازية من داخل الحزب الحاكم أرادت انقاذ نفسها في اللحظة الاخيرة بعد الانهيار السوفييتي، أو قوى ديمقراطية فعلا. ولكن في الحالتين عادت النخب القديمة للحكم. وقد حملت معها نفس العقلية السابقة: لا سياسية خارجية ولا سياسة أمنية، وحرصت على الانضمام الى حلف الناتو قبل الاتحاد الأوروبي. وقد تبنت بمعظمها سياسات أميركية مميزة نفسها عن الجيران الأقوياء، عن المانيا التي تكاد لا تملك سياسة خارجية عدا في أوروبا الشرقية، وعن فرنسا التي تتميز بأنها تصر على سياسة خارجية مستقلة.

ولألمانيا دور الدولة العظمى اقتصاديا وثقافيا في اوروبا الشرقية. وإذا رغبت بالاستمرار في لعب دور قيادي في أوروبا الشرقية، فلا بأس بالنسبة لها ان تتبع سياسة موالية لأميركا في القضايا غير المصيرية، مثل القضية الفسطينية التي بدأت تتحول الى قضية علاقات عامة تتوسل اعترافا أوروبيا حتى بوزراء حماس، لتكسب في قضايا مصيرية بالنسبة لها مثل شرق أوروبا.

ويضاف الى ذلك ايضا ان العديد من هذه الدول يعادي كل من كان يصادقه النظام القديم بما في ذلك العرب والفلسطينيون والتأمينات الاجتماعية ويتبع لبرالية اقتصادية متوحشة، وتوحشا لا مبرر واضح له في البراغماتية عديمة الأخلاق والروادع في العلاقات الدولية.

Friday, April 20, 2007

Shattered Illusions

If the fall of Baghdad exposed the dangers of identifying the state solely in its leader, Iraq's past four years show the folly of those -- especially Arabs -- who thought democracy could be imposed by foreign force, writes Azmi Bishara

No amount of overstatement does justice to the significance of the fall of Baghdad. Yet stunned gasps at how easily the regime was toppled have little bearing on the subject. When you consider that the invasion was preceded by 10 years of war followed by 15 years of sanctions, the fall wasn't "easy" by any count. The importance of studying the fall of Baghdad resides in the insight it gives into how a regime that rested on a personality cult grew hollow. It sheds light on a type of regime that disengaged itself from the concerns, rights and interests of the people, that lumped its citizens into an amorphous body called "the masses", and that believed that slogans were enough to make this body move, as though it had a single head to process the information it was fed.

If the public can be spontaneously stirred to action by powerful emotions such as jubilation, pent up resentment or outrage, then the government's task would seem to be to create the agenda and institutions for channelling these energies. The kind of regime at hand, however, does not deal well with spontaneity. In fact, spontaneity is one of its greatest fears and it is very good at containing it and sapping it of its force. Such a regime cannot suddenly mobilise "the masses" behind a strategy for resistance, especially when those so-called masses realise that resistance is synonymous with defending the regime.

The people of the Soviet Union fought the Nazi occupation at a time when the Soviet order was at its most robust, in spite of Stalin's dictatorship. But even then, popular resistance alone could not have prevented the fall of Stalingrad and Leningrad. Those battles required the full and concerted strength of the entire army and the state. Contrary to the common impression, democracy doesn't come into it. Many dictatorships have emerged victorious from their wars, just as many democracies have lost theirs. What does come into it is an organised government, the loyalty of the army, current balances of power and the horizons of opportunity this offers. In the case of Iraq, the government and the army were in a disastrous condition.

Of course that regime appealed to the Arab people, who had spontaneously demonstrated their outrage at the invasion. However, as there was no alternative project to steer these energies towards the realisation of a political agenda, they quickly dissipated. In some instances, other regimes succeeded in co-opting these energies in the interest of reaping a quantity of popular kudos. In other cases, governments simply loosened the leash a bit to let their public vent itself in a direction that was not aimed at them.

In Iraq, the eruption of popular energies came after the collapse of the regime that had kept such a tight cap on them. The explosion took two trajectories: one directed inwards, as previously repressed conflicts between diverse social forces erupted; the other directed outwards, in the form of resistance against the occupation. Both trajectories influence and feed off each other, of course. Resistance under conditions of an intense and bloody domestic power struggle quickly descends to a conflict over the reading of the past and, hence, the definition of the future. This conflict, in turn, contributes to the deconstruction of existing identities and the reconstruction of new identities shaped by the current political struggle and by attendant images of the self as victim and the other as interloper or proxy of the interloper, all reinforced by the spiralling cycle of violence, vengeance and retribution. These volatile forces may inflict great moral and material damage on the occupation, as they are doing in Iraq, but they do not offer a viable national alternative to a united Iraq.

In like manner, today's sectarian conflict in Iraq has assumed the guise of a conflict between those with and those opposed to the occupation. Tomorrow, it may assume the shape of a race to oust the occupation and claim the laurels for liberating Iraq -- or for achieving the partition of Iraq, which appears to be the way the current dynamics are heading.

Perhaps the foregoing underscores why it is important to home in on the role and condition of the government and the army when studying the fall of Baghdad. After all, current social circumstances and the resistance have put paid to all studies and theories that preceded the war and that foresaw a victorious entrance of American troops, the clouds of dictatorship dispelled by the purifying forces of aerial and naval bombardment, and the rise of democracy from the devastation, like a phoenix from the ashes.

Democracy is not borne from chaos or from the destruction of a nation, that's for sure. Democracy in Germany and Japan did not emerge from the destruction of those countries, contrary to the ridiculous myth. Democracy is an expression of the sovereignty of a nation and a form of exercising this sovereignty -- the most ideal form of exercising sovereignty, according to advocates of democracy, because it reflects the will of the people. Democracy cannot come into effect by manacling the sovereignty of a nation and dismantling a country as is currently taking place in Iraq and as some mad theorists had envisioned.

It wasn't just Baghdad that fell, not even at first glance. What also came crashing to the ground was the fairytale that one could build democracy just by pointing some mighty barrels at a dictatorship. The commonly held impression is that society without government is civil society. The notion has become something of a fad. But it is an illusion and a dangerous one at that. Society without government is a society at war, a society in which everyone is at the throats of everyone else. With the collapse of the state in Iraq the fires from "society's hell" flared out of control. The dual collapse of the dictatorship of Baghdad and the myth of building democracy on the ruins gave rise to the current Iraqi nightmare.

The current situation in Iraq marks a historic juncture in the Arab world; a juncture that raises a big question mark over the future of the Arab nation state as it currently stands. Iraq has driven home as never before that if this collection of nation states does not develop a higher level of cooperation on the basis of their common Arab identity it will disintegrate into a morass of warring sectarian and tribal groupings and revert to the pre-state era. Globalisation, as opposed to Americanisation and marginalisation, is a process that the Arabs must not allow themselves or their common identity to abandon in its wake. The Arabic language and culture are inherent media of communication and Arab satellite networks, television stations, newspapers, books, coffeehouses and all other public venues offer easily accessible channels for drawing the Arabs together and unifying their agendas. Unless they take advantage of these instruments to develop closer political, economic, social and supranational bonds, globalisation will bring nothing but the fragmentation of each nation state into sectarian and tribal pawns in the political and economic agendas of others.

Iraq's isolation from the rest of the Arab world stemmed, firstly, from the nature of the decision- making process in Iraq, itself; secondly, from the ability of an American-led coalition to corner the country, subject it to a prolonged blockade and then to pound it militarily on pretexts that would not legitimise a war even if they were true; and, thirdly, from the mechanisms that elevated sectarian and tribal groupings into political blocs that recruit allegiance either to or against the occupation on the basis of their various organic affiliations. Building a nation ultimately rests on the creation of a sense of the overriding bonds of citizenship. Yet, prior to this, in both the pre- and post-independence phases, there must exist a sense of common cause -- generally referred to as the right of self-determination -- for it is this that affirms that overriding bond as the primary cornerstone for building the nation. The Arabs, however, have produced neither the type of national entities that can serve as a basis for generating a sense of identification with a common cause or a foundation of citizenship that may be smaller than the Arab world combined but larger than the Arabs within a single sub-regional national entity. What is left and what is now forcefully advancing itself as the intermediary between the individual and tyranny is political unity based on ethnic, religious and tribal affiliations.

Even in the non-civil national entities we have, these same organic bonds form the primary units of affiliation within the state and army, in view of the absence of democratic institutions and the government's distrust of the loyalty of the individual to it. For the individual, meanwhile, these same units serve as the shield between him and the state. The irony is that what protects the individual from the despotism of the state forms one of the primary underpinnings of that despotism. The despotic regime justifies its existence on the grounds that it preserves the unity of the state, but in fact it sustains itself through its perpetration of and juggling with a vast diversity of centrifugal forces. But when the state and its army are defeated, these disparate disintegrative forces pounce upon the inheritance, in the course of which they exercise their own brand of tyranny as they fight it out with one another. Perhaps for this reason, some yearn for just plain tyranny.

Clearly, then, the Arabs' task is to find the ways to forestall the emergence of a situation that opens the way to such phenomena as the blockade of Iraq and the military intervention in that country. Surely this is the lesson to be derived from that tragic experience. One hopes, therefore, to hear again the voices of those who had appealed for outside intervention in the name of slogans that quickly proved themselves hollow, if not extremist -- slogans, for example, that espoused bringing democracy on the back of American tanks. One might expect to hear some honest self-criticism instead of the pieties spouted by those who have shown themselves to have no real interest in democracy.

There are a good many neo-liberals who parade beneath the banner of democracy, in spite of their general disregard for democratic methods and civil liberties, and who trumpet the need to prevent dictatorship only to retroactively justify a war that was waged on patently false pretences. If we add this behaviour to the actual crime of the dismantlement of the Iraqi state, we know that there was nothing unwitting in their complicity. The innocent ones blanched, admitted their mistakes and, at the very least, recognised the folly of American policies. The others never say what they mean and never mean what they say, and may well resort to the same theoretical hocus-pocus somewhere else in the future. No Arab state, at present, is immune to the spectre of fragmentation if it is subjected to the type of pounding visited upon Iraq.

Proponents of privatisation are not necessarily economic neo-liberals. The system of patronage, sectarianism and tribalism, and the corruption that pervades it, does not form the foundation for neo- liberal capitalism. Nor are economic neo-liberals necessarily politically liberal. Under the shadow of American interventionism in the region there have emerged forces that have called for change, but in fact are thirsty for power and numb to the cause of civil rights and liberties. The current Arab condition breeds the type of people who propel themselves to the fore on liberal platforms and then quickly reveal themselves liberal only in the amount of economic and political influence they seek to lavish on themselves.

Baghdad has fallen, but so to have all the illusions that had been pinned upon its fall. Here precisely is where an intensive reassessment must begin.

Friday, April 13, 2007

الفصح والميلاد في ظل كريسماس

غادر القدس فصح آخر، ولفظت ألوان الشعانين وسبت النور الكرنفاليين نفساً آخر. منذ مدة تصارع الأعياد على حياتها وعمقها الشعبيين، إذ تشهد المدينة اضمحلالاً تدريجياً للكرنفال الشعبي الديني بما يضفيه من زهو وتنوع على المدينة، وبعمقه الشعوري مقارنة بالكرنفالات المصنوعة الاستهلاكية
.
يصعب تخيل عيد شعبي تختلط فيه الأناشيد والتراتيل الدينية بالأهازيج الشعبية والعادات المحلية الشرقية العربية الفلسطينية المسيحية مثل أحد الشعانين الذي استقبلت القدس فيه بسعف النخيل ملكاً راكباً أتاناً. وسبت النور، ذلك النور الذي يتخاطفه الناس المتجمعون في ساحة القيامة في حالة نشوة جماعية تثور حال خروج البطريرك من قبر السيد المسيح حاملاً شعلته. تنتظره على أحرّ من الجمر وفود من المدن والقرى المحيطة تحمله الى كنائسها لتضيء به شموعها استعداداً لـ«الهجمة» والاحتفاء بالقيامة بعد منتصف ليلة السبت صباح الأحد.

وتنتظره بدموع منهمرة أو منحبسة عجائز يونانيات بات حجيجهم منذ قرون الى هذا اليوم وهذا المكان جزءاً من منظر القدس.
عيد الميلاد جميل خاصة إذا تضمن الشجرة والزينة وقصة ملوك المجوس والرعاة مرتلة. لكن في الجوهر كل الأنبياء ولدوا، ونسبت إليهم فكرة الاحتفاء بميلادهم حتى حيث لم توجد سابقاً، أما الصلب الذي تثبت معاني القيامة أنه شبّه لهم، معنى ومغزى، فهو خصوصية المسيحية. وقد يكون هذا تفسيراً مقبولاً مسيحياً لـ«وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم».

إنها فكرة الغفران ليس فقط بعبارة «يا ابتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» التي قالها على الصليب، بل افتداء ذنوب البشر كبشر، أي كإنسانية، وهي أيضاً فكرة الوساطة الإلهية التي تجسر «هذا» العالم مع «ذاك» العالم، العالم الدنيوي مع عالم القداسة المطلق. تتجسد الكلمة أولاً في البشارة والولادة في مذود حقير في بيت لحم، ثم تتسامى إلى ألوهيتها من جديد في القدس، هذه هي فكرة المسيحية والخلاص بتحمل نير الذنوب والعذاب عن البشر. بالصلب والقيامة يفترض أنه فتح مجال الخلاص لكل الناس إن كانوا يعلمون أو لا يعلمون ماذا يفعلون. والمقصود أن يمنحهم الفداء حرية القرار كأفراد لا كقبائل او كشعوب باختيار طريق الخلاص التي باتت بعد هذا الافتداء ممكنة بمجرد الاختيار.

لقد استبدلت طقوس العشاء السري ثم الصلب والقيامة الفصح التوراتي القديم القبلي الإثني الذي يلعن على مائدة عشائه الأغيار، الآخرين، ولا يغفر لهم. استبدل هذا بفصح يقدم فيه جسد المسيح (الفكرة، الكلمة وقد تجسدت) بدل الخبز، ويدعو الى عشائه كل بني البشر، خاصة الفقراء والمحتاجين منهم. فقد وجد المسيح الوقت حتى على الصليب ليغفر ويعد لصاً مصلوباً إلى جانبه بالجلوس في حضرته عندما يجلس على يمين الآب، لأنه قبل رسالة الخلاص.

لم يصعب على ثقافة محلية، ريفية كانت أم مدنية، أن تتبنى هذه المغازي الإنسانية العامة بعد أن رست فيها وفي إطار عاداتها وتقاليدها المحلية.
ولأن الفصح يحلّ في الربيع فقد كان دائماً مشرقاً بهيجاً متعدداً ينتقل من الصيام الى الحزن الى الفرح. وقد شارك في المشرق العربي وفي فلسطين التي اتناولها بالتحديد، الصبية المسلمون والمسيحيون في منافسة كسر البيض الملوّن في مسابقات لا تنتهي، وتبادل الجيران من مختلف الطوائف أطباق كعك العيد، وهو نفسه الذي يُعدّ في عيد الأضحى بالمواصفات نفسها، لكنه ليس من رموز الاحتفالات الأوروبية. ولأن هذه الحلوى مشتركة للبلد بمسلميه ومسيحييه، فقد أكل الأطفال هذا الكعك عدة مرات في العام. أما عيد الميلاد فيحل في الشتاء. وقد كان شتاء الفقراء صعباً. ولم يكن عيد الميلاد مدفئاً ولا موسيقياً، ولم يكن مكتظاً بالهدايا والقطع الاستهلاكية، كما هي حاله اليوم. حتى زينة الأشجار كانت نادرة وغالية الثمن. وفي المدينة كان الاحتفال بالميلاد مكثفاً وأكثر مركزية مما في القرية، وله تقاليده. لكن كان عيد الميلاد على جماله هو «العيد الصغير».

لم يحاصر الاحتلال القدس فقط، بل جوَّفها ايضاً من الداخل، إذ فقدت الوانها بالتدريج مع ضمور بنيتها الاجتماعية وخفوت تنوعها، ثم قمع الاحتلال الشعانين وسبت النور مع قمعه الحيز العام وكل تجمع شعبي عفوي. فما مارس أحدهم رغبة في مناسبة سبت نور وأحد شعانين أن يشارك أطفاله في رؤية هذا الكرنفال الفلسطيني الذي يزنره حجاج وعجائز قبارصة ويونانيون وطليان إلا تعرض لذلك المشهد البائس المتشكل من حرس حدود إسرائيليين يتلهون بالتنكيل بشباب جاؤوا للاحتفال.
وحلّت الحواجز يليها الجدار، فقطَّعت كل شيء وشوهته.

وزاد بالتدريج منسوب التحدي والصمود وحرس الحدود في العيد على حساب البهجة التقليدية وزحام الدين الشعبي.
وتناقص عدد المحتفلين من السكان في موجات هجرة، وفصل الجدار من بقوا بعضهم عن بعض.
درب الآلام زقاق في القدس القديمة يقطعه المصلّون والحجاج من حاملي الصلبان في مسيرة يوم الجمعة الحزينة التقليدية، ينتهي عند الجلجلة، أما درب تشويه القدس ومعالمها الإسلامية والمسيحية التي منها تتشكل عروبتها وفلسطينيتها، وأما درب ألمنا شهوداً على هذا التشويه فلا تنتهي.

ليس صدفة أن يسمى في المسيحية الشرقية، أرثوذكسية كانت أم كاثوليكية، «العيد الكبير» كما كان يسمى عيد الأضحى العيد الكبير أيضاً. فقد كان الاحتفال الرئيسي في المسيحية، من الصيام يليه حداد الجمعة الحزينة ثم سبت النور والضوء المنبعث من القبر ثم يوم العيد الاحتفالي الذي يطرد الشياطين في الهجمة لكي يدخل الملك الرب، يوم القيامة.
اختلط العيد وكعكه وبيضه بأعياد الخصوبة والربيع في المشرق العربي وفي أوروبا وأميركا اللاتينية على حد سواء، فتحول الى عيد شعبي، تحتفل فيه كل طائفة بموجب تقاليدها القومية والوطنية المحلية، في تنوع يمتد من أميركا اللاتينية حتى فلسطين. لا يحتفل شعب بالفصح مثل شعب آخر. الفصح متنوع مختلف متمايز. إنه الربيع والاحتفاء المحلي المتميز بالربيع. إنه الخلاص، ولكل شعب زاوية نظره للخلاص، إنه الغفران، واحتفالات كل شعب بالتطهر من الذنوب قائمة في الديانات القديمة. إنه العبور من الحياة الى الموت، ومن الموت الى الحياة، وطقوسه مختلفة من مكان لآخر. ومن هنا متعة وأصالة الفصح ومحبتنا له صغاراً وكباراً.

فقط منذ عقود قليلة أصبح عيد الميلاد عيد سانتا كلوز وكريسماس والهدايا وفرح الأطفال، الذي يفرح به وله كل من له عقل ومشاعر، والاستهلاك وعملية الشراء التي تستمر شهراً وأكثر، فبات الأطفال يحبونه أكثر من الفصح الذي لا يكاد يفطن له الأطفال. من أين جاءنا هذا التقليد في تهميش الفصح؟
من أميركا طبعاً. هناك جرت عملية تقزيم الفصح، وبرأينا تم تقزيم الميلاد نفسه أيضاً، لمصلحة كريسماس. لقد تصرفت البروتستانتية الأميركية كأن هنالك مشكلة مع إبراز خصوصية المسيحية في الصلب. ومع التنازل عن إبراز خصوصية المسيحية في موسم الأعياد الذي بات يشمل الحانوكا اليهودية، أصبح من باب اللياقة السياسية أن يتبادل الناس التهاني بـ«أعياد سعيدة»، لا عيد ميلاد سعيد.
وقد تحول كريسماس الى كرنفال استهلاك لا ينتهي وتعتاش عليه صناعات بأكملها من أميركا حتى الصين. وفيما عدا البطر الاستهلاكي المنتشر ونضوب فرح الأطفال بالهدايا، فقد نسي الناس بالتأكيد ما تعنيه الرموز التي يشترونها في العيد وهل لها علاقة بالعيد او حتى بالتقاليد المحلية الأخرى.

لكريسماس رونق بالتأكيد، لكنه نمط عالمي. كل الناس يتصرفون في كريسماس بالنمط المتكرر في كل مكان. وكل عام تضاف إليه سلع استهلاكية جديدة. ولم يعد هنالك ما يميز كريسماس عن أمثاله في أقطار أخرى، مثلما تميز عيد الميلاد أو «الميلادي» في الجليل، او «الميلادية» على الساحل السوري مثلا. لقد أخلت هذه مكانها لكريسماس العالمي الذي يتصرف فيه الناس بالشكل نفسه في كل مكان. مملّ ومنمّط أليس كذلك؟ بإمكان القارئ أن يجيب بالنفي بالطبع، ولا بأس، أما الكاتب فيجيب بنعم. لقد أصبح نمطياً معمّماً ويكاد يكون مجرداً. ويفترض الكاتب أن بعض القراء قد اشتاق للميلادي وللفصح المهمشين، أو يرغب في أن يثير حنيناً في من لم يأته هذا الشجن.
كريسماس هو نتاج عملية عولمة، لا يمكن ان تعني في هذا المجال الاستهلاكي الثقافي في عصرنا إلا عملية أمركة، أما الفصح فهو نتاج تفاعل المسيحية الأولى بأعمق معانيها العالمية الإنسانية مع الثقافات الشعبية المحلية. ولذلك فحول كل فصح موحد الشعائر والمغازي الدينية ثمة تقاليد واحتفالات وعادات ورونق خاص يختلف باختلاف المكان. هل يجوز أن ينحاز المرء لعيد الفصح ولعيد الميلاد ضد كريسماس كما يمكن أن يفهم من هذا المقال؟ لا طبعاً، نحن لا نفتح هنا جبهة صراع جديدة: مع وضد.

هذا مجال يحتفي فيه الناس شرعياً برونق وشخصية شعب بدون تعصب قومي، فطقوس العيد الشعبية هي ممارسة لتدين شعبي غير متزمت. وهو ينتج جماليات تداعب الحس لأنها مرتبطة بتكوين الناس الثقافي، تماماً كما تداعبها التراتيل الكنسية البيزنطية، والأناشيد الصوفية، وسماع التجاويد من المسجد المجاور صبح العيد، ولأنها مرتبطة بعلاقة الناس بالمكان.
وتضطر الأصولية مثلما تضطر المؤسسة الدينية لمراعاة هذه الكرنفالات والاحتفالات والطقوس والتكيف معها، رغم أنها غير نصية ولا منصوص عليها، لكي لا تخسر جمهور المؤمنين. وفي العديد من الحالات يتم تبنيها لتصبح جزءاً من الشعائر.
لا ينبغي ان يخضع كل شيء لقوانين السوق. وهنالك قوى اقتصادية واجتماعية تهمش الفصح وغيره لمصلحة عولمة الاستهلاك على النمط الأميركي. وفي مهد الفصح في القدس، وفي بيت لحم حيث صلب عيد الميلاد، يجري كسر الاحتفال بتدخل خارجي اسمه الاحتلال، وبتدخل داخلي يمتص الألوان في الرمادي ويُفقِد المجتمع الفلسطيني تنوعه وغناه.

سقوط بغداد وكل ما بني على السقوط

مهما بالغ المرء بالحديث عن سقوط بغداد فإنه لا يفي الموضوع حقه من الأهمية. وتتعدى المسألة الذهول الذي أصاب من أسطروا السياسات الفردية والكارزماتية وهم يشهدون سقوط نظام دولة بهذه السهولة. فإذا كنا جديين وامتنعنا عن مقارنته بالتصريحات العراقية التي سبقته، نقول أن السقوط لم يكن سهلا. عشر سنوات من الحرب تلتها خمس عشرة سنة من الحصار الفعلي، لا يعتبر "سهولة" بأي مقياس.

ولكن دراسة السقوط مهمة لناحية تجوف النظام الذي يبتعد عن الناس وهمومهم وآرائهم وحقوقهم ويتصورهم في ذهنه مجرد جماهير، ثم يعتقد أن الشعار يكفي بحد ذاته للتعبئة الجماهيرية، كما لو ان الجماهير جسم يتحرك ويأخذ قراراته ويرتب أولوياته.

يعبر التحرك الجماهيري العفوي عن احتجاج أو فرح غضب أو نقمة. وتكمن المهمة في وجود مؤسسة تضع أجندة للاستفادة من هذا التحرك تجييشه توجيهه تهدئته ومأسسته وغير ذلك. أما النظام السياسي القائم فهو عكس العفوية. وهو يحترف الخوف من العفوية أو يحترف احتواءها لتفريغها، ولا يمكنه تحويل التحرك الجماهيري فجأة الى استراتيجة مقاومة، خاصة وأن ما يسميه هو "الجماهير" تفهم المقاومة في ظله كدفاع عنه.

لقد قاومت شعوب الاتحاد السوفييتي الاحتلال النازي في ظل ستالين عندما كان المشروع السوفييتي واعدا، وفي أوجه رغم الاستبداد. وحتى في تلك الحالة لم تكن المقاومة الشعبية وحدها لتكفي في حالة العدوان النازي لمنع سقوط لننغراد وستالينغراد بل خاض المعركة كل من الجيش والدولة، وبقوة. والمسألة هنا ليست مسألة ديمقراطية كما يروج. فالكثير من الدول الديكتاتورية انتصر في حروبه والعديد من الدول الديمقراطية خسر، والعكس صحيح أيضا. المسألة مسألة وجود الدولة وولاء الجيش وميزان القوى القائم والأفق الذي يتيحه. في حالة العراق كان كل من الدولة والجيش في حالة يرثى لها.

وعندما جرى اللجوء الى الجماهير ثبت أن جماهير العالم العربي تحتج عفويا، ولكن ليس في إطار مشروع سياسي بديل مطروح يستغل التحرك الجماهيري لأجندة سياسية، ولذلك تهدأ التحركات الجماهيرية العفوية العريية، وغالبا ما يحتويها النظام القائم فيكسب بعض الشعبية على حسابها، أو يستخدمها للتنفيس إذا لم تكن جزءاً من مشروع سياسي محلي.

في حالة العراق تفجرت الطاقة الجماهيرية الهائلة بعد سقوط النظام. ولم يكن ممكنا أن تتفجر في ظله. ولكن حالما كسرت قيود الدولة بانكسار الأخيرة تفجرت بالاتجاهين، داخليا كقوى اجتماعية متصارعة قمعَ الاستبدادُ صراعها، وكمقاومة للاحتلال.

والاتجاهان يتبادلا التأثير والتأثر طبعا. فمقاومة الاحتلال في ظل صراع سياسي دموي للسيطرة على البلد يتخذ شكل صراع على تفسير ماضي البلد ثم مستقبله وتساهم في تفكيك الهويات القائمة وصناعة هويات جديدة يدخل في تركيبها العنصر الملحمي السياسي الحالي، بما فيه من صور الذات كضحية والآخر الداخلي كتجسيد لمؤامرات مع الاحتلال وغدر وثأر وانتقام. قد تُفشِل هذه القوى المتفجرة الاحتلال وتدميه وتضر به وتلحق به خسائر وهزائم، وهي تفعل ذلك في العراق حاليا، ولكنها لا تطرح مشروعا وطنيا بديلا للعراق الموحد.

ومن ناحية ثانية فإن الصراع الطائفي يتخذ شكل ولاء أو مقاومة للاحتلال، وقد يتخذ في المستقبل شكل تنافس في مقاومة الاحتلال وإحراز هدف التحرير، وربما تقسيم العراق، وهذا ما تقود إليه الديناميكية الحالية.

على كل حال لا بد من دراسة تجربة سقوط بغداد المباشرة من ناحية دور الدولة والجيش، وسرعة سقوطهما. أما من ناحية الوضع الشعبي ومقاومة الاحتلال فقد جاء رد الواقع مبينا عقم الدراسات والتنظيرات التي سبقت الحرب محولا استقبال الجيش الأميركي وتبديد الاستبداد تحت وطأة القصف من البر والبحر والجو وحلول الديمقراطية في مكانه، كأنها تنبت من بين الخرائب، مثل طائر أسطوري ينبعث من رماد الحرائق.

لا تنبعث الديمقراطية من الخراب. هذا أكيد. وهي لا تنبعث من خراب أمة هذا يقين. ولا هي انبعثت في ألمانيا واليابان من تخريب الأمم. هذه أسطورة سخيفة في بلد تميز فيه الاحتلال الأميركي بمطلب توحيد المانيا ضد تقسيمها. فالديمقراطية تعبير عن سيادة الامة وشكل من اشكال ممارستها. ويفترض أن يدعي الديمقراطيون أنها الشكل الأمثل في ممارسة السيادة لأنها الاكثر تعبيرا عن ارادة الشعب. ولا يمكن تطبيق الديمقراطية عبر تقويض السيادة وتفتيت الأمة بالشكل الذي ارتكب في العراق وتم التنظير له أيضا.

لم تسقط بغداد وحدها، ولا حتى للوهلة الأولى. بل سقطت بعد أقل من حين رواية بناء الديمقراطية بمجرد توجيه ضربة للاستبداد من البوارج. هنالك وهم منتشر من اوهام التقليعات ان المجتمع دون دولة هو مجتمع مدني. المجتمع دون دولة هو حرب كل ضد الكل. لقد انفجرت نار "جهنم المجتمع" من تحت انهيار الدولة.

وانهيار بغداد الاستبداد من جهة، وانهيار نظرية تحول الانهيار الى ديمقراطية من جهة أخرى، هما كابوس الحالة القطرية الحالية.
ما يجب أن نبدأ به هو رؤية هذا المفصل العراقي في تاريخ الأمة العربية كمفصل تاريخي، يمد فعل علامة السؤال من مصير الأمة العربية إلى مصير الدولة القطرية بوضعها الحالي، فإما أن تنتقل إلى مستوى أعلى من التنسيق الإقليمي القائم على الهوية العربية، وإما أن يتداعى "البنيان المرصوص" في هويات مذهبية وعشائرية متصارعة تشكل حرب الكل ضد الكل في حالة ما قبل الدولة.

لو كانت عولمة فعلا، وليست أمركة وتهميشاً، فإنها يجب ان تمر بالعروبة والعرب، من الثقافة واللغة أداة الاتصال بين العرب عبر فضائياتهم ووسائل اعلامهم وكتبهم ودراساتهم ومقاهيهم وحيزهم العام وكل ما يوحد الأجندات. فالعولمة اذا لم تمر بالعروبة وتقريب العرب من بعضهم البعضا سوقا اقتصاديا وإعلاميا وهموما وأمنا قوميا لن تعني الا تفتيت كل دولة على حدة لتصل مباشرة بين العشيرة والطائفة وبين الأجندات العالمية الاقتصادية والسياسية.

فالآلية التي أدت إلى عزل العراق عربيا، أولا في عملية صنع القرار في العراق ذاته، وثانيا بانفراد النظام الدولي الأميركي فيه لعزله وحصاره ثم ضربه عسكريا بمبررات كاذبة لا تبرر حربا حتى لو كانت صادقة، وهي ثالثا الآلية التي توصل الى اعتبار الطائفة والعشيرة وحدة سياسية لتجنيد الولاء السياسي للاحتلال في مقابل الولاء لمقاومة الاحتلال. لم تنجح الهويات القطرية المحتلفة بتشكيل قاعدة تضامن أولية لبناء الأمة. ونحن نرى أن بناء الأمة يتم نهاية على أساس المواطنة، ولكن تسبق هذه العملية مرحلة قومية قبل وبعد الاستقلال، تسمى عادة مرحلة حق تقرير المصير للشعوب، وهي تسبق مرحلة التأكيد على المواطنة كحجر الأساس في بناء الأمة. وفي الحالة العربية لم يجر هذا ولا ذاك. أي لا قومية قطرية محلية تصلح هوية تضامينة، ولا مواطنة تؤسس أمة مواطنين هي أقل من الأمة العربية وأكثر من العرب القاطنين في الدولة ذاتها. وما طرح نفسه بقوة كوحدات سياسية وسيطة بين الفرد والاستبداد هو الطائفة والقبيلة والعشيرة.

من جهة الدولة غير القومية وغير المدنية في الوقت ذاته تشكل هذه الوحدات رابطة ولاء في إطار الدولة والجيش في غياب المؤسسات الديمقراطية وفي ظل عدم ثقة الدولة بالولاء الوطني للأفراد. ومن جهة الفرد فإن الذي يحميه من الاستبداد هو هذه الواسطة بينه وبين الدولة هي أيضا الحاجز الحائل بين الفرد والدولة. من يحمي الفرد من الاستبداد في هذه الحالة هو الذي يبرر الاستبداد. فالأخير يبرر ذاته بالحفاظ على وحدة الدولة في ظل وجود هذا الكم من القوى التفتيتية والطاردة عن المركز.

وعند ضرب الدولة وجيشها يحل الصراع بين هذه القوى على وراثة الدولة، هذه القوى التفتيتية تمارس استبدادا وحربا أهلية في الوقت ذاته. ولذلك يشتاق البعض الى الاستبداد وحده.
تكمن المهمة في استخلاص مهمة العمل على منع نشوء حالة مثل حصار العراق والتدخل العسكري الذي حصل هناك. هذا ما يجب ان يستفاد من التجربة. ولذلك ننتظر ان نسمع الأصوات التي دعت إلى هذا التدخل تحت شعارات تبين انها فارغة ومتطرفة أيضا مثل فرض الديمقراطية بالتدخل العسكري الأميركي. ونحن نطلب نقدا ذاتيا ليس من قبل من تبين أنه ليس لديهم حرص خاص على الديمقراطية.

وإذا أضفنا عدم الحرص على الديمقراطية وحقوق المواطن لدى القوى النيو- لبرالية مع الإصرار على رفع شعار الديمقراطية ومنع الاستبداد لتبرير حرب بأثر رجعي بعد أن ثبت كذب المبررات التي سيقت قبل شن الحرب، وتم التواطؤ معها كمبررات، إذا أضفنا هذا للجريمة التي وقعت بحل الدولة العراقية نجد أننا إزاء حالة غير بريئة. فالبريء تراجع وعرف خطأه وقيم السياسة الأميركية كغبية في أفضل الحالات. أما غير البريء فلا يقصد ما يقول ولا يقول ما يقصد. وقد يكرر التنظير لأمر شبيه في مكان آخر في المستقبل. ولا توجد دولة عربية واحدة إلا وتواجه خطر التفتت إذا تعرضت الدولة لدك من نوع ما تعرضت له العراق، إن كانت في هذه المرحلة تهدد أو تتعرض لتهديد.

لا تقوم الأمة القطرية الحالية على القومية العربية، ولا على المواطنة، بل على توازنات تفرضها الدولة بين العشائر والطوائف وغيرها... قلنا تفرضها الدولة، ولكن تغيب هذه التوازنات في غياب الدولة.

الفاسدون ودعاة الخصخصة لغرض الاستملاك ليسوا بالضرورة لبراليين اقتصاديا، فنظام الواسطة والعشيرة والطائفة والفساد الذي ينخره لا يؤسس للبرالية اقتصادية. واللبراليون اقتصاديا ليسوا بالضرورة لبراليين سياسيا. لقد نمت في ظل التدخل الأميركي في المنطقة والاستزلام له قوى تدعي التغيير ولكنها جشعة للسلطة والنفوذ والسطوة، وليست حساسة لقضية الحريات وحقوق المواطن. وأثبتت الحالة العربية انه يمكن ان يكون وراء اللبرالي اقتصاديا من لا تهمه حقوق المواطن ولا الحريات الفردية، كما يفترض ان تهم اللبرالي...ثم ما لبث أن تبين انه حتى ليس لبرالي اقتصاديا بل يخلط بين السطوة والنفوذ السياسي والاقتصادي.

سقطت بغداد، هذا صحيح، ولكن سقطت ايضا كافة الأوهام التي بنيت على سقوطها. وهذا ما يحتاج ايضا الى تقييم مكثف.

Sunday, April 8, 2007

ما الجديد في القديم؟

الاخبار

عزمي بشارة

لم تحظ قمة عربية بعملية علاقات عامة أنشط وأكثر اتساعاً مما جرى في الترويج المتفائل للقمة العربية الحالية، لذلك لم يتساءل الناس بقدر ما تساءلوا هذه المرة: هل تختلف القمة العربية الحالية عن سابقاتها؟

ولسنا ضد التفاؤل ونكاد لشدة واقعيتنا نرى أي شيء أفضل من لا شيء، وأن القمة أفضل من عدم انعقادها، وأن جامعة رثّة تفترض وتفرض رغم كل شيء اعترافاً رسمياً بالفكرة العربية أفضل من حلها رسمياً، وأن توقعات المواطن العربي وخيباته وشتائمه أفضل من فقدانها، لأنها على الأقل دليل على أنه ما زال يتمسك بإطار عربي. فهو يغضب عليه، ويتوقع منه، ويصاب بالإحباط، لكن هذا يعني اكتراثاً عربياً، وربما حتى أجندات اهتمام معممة تجمع الرأي العام العربي.

ولا شك في أن القمة تعكس وضعاً عربياً ولا تصنعه، وتلخص مجمل مواقف وحالة الدول كأفراد ولا تبلورها ولا تجمعها ولا توحدها. فهي بذاتها، اي كملتقى ومؤتمر، ليست إلا محاولة مستميتة للخروج ببيان مشترك يمثل فناً في تجنب الخلافات أو تدويرها، وصوغ، وتأكيد ما هو قاسم مشترك أدنى فعلاً، وذلك بعد نقاش «على الفاصلة والنقطة». وهو لا يهم من لم يكتبه، سوى من لم يقرأه. وليس بالإمكان فعل الكثير بوثيقة نجمت عن هذا الكم من الحلول الوسط والمساومات، ولذلك يتلخص الانجاز في نصها لا في تنفيذها.

ولا شك في أن المملكة المضيفة قد بذلت جهداً هائلاً يستحق التقدير لإنجاح القمة وليخرج الجميع راضين مسرورين.
ومع ذلك كيف نفسر هذا الاهتمام؟ هل هنالك جديد؟ هل يكمن الجديد في تعبير «احتلال غير شرعي» في وصف الاحتلال الأميركي للعراق في كلمة خادم الحرمين الشريفين الافتتاحية؟ هل يحمل التحرك الحالي في القضية الفلسطينية جدية فعلاً؟ هل الخلاف السعودي ـــ الأميركي أو «الزعل السعودي من أميركا، مثلما يسمّى ويروّج له حالياً، هو موقف سياسي أو حتى مزاج فعلي؟

نبدأ بالسؤال الأخير، فهو يشمل كل الأسئلة الأخرى. يسمح التحالف القوي إذا كان قوياً فعلاً، بأخذ مسافة نقدية أحياناً، والتعبير ليس فقط عن العتب بل حتى عن الغضب بمقدار ما يتجاوب حتى مع بعض مشاعر الرأي العام المحلي. وهذا ما يجرى حالياً.
وصل العتب السعودي الى حد الغضب فعلاً في أوج غطرسة المحافظين الجدد، وذلك منذ التوريط في العراق وحتى التورط في لبنان إبان العدوان الإسرائيلي مروراً بالضغط الأميركي على الدول العربية الحليفة لإجراء إصلاحات وحملة التحريض الأميركية على المملكة ونمط الحياة والعقيدة السائدة فيها بعد 11 أيلول. هذا ليس جديداً، أما الجديد فهو في قدرة المملكة حالياً على التعبير عن هذا العتب، نتيجة توفر ثقة أكثر بالنفس، لأن المشروع الأميركي بصيغته تلك قد فشل، ولأن الولايات المتحدة لا تملك ان تمنع هذا التعبير عن العتب والغضب الكامن منذ سنين من جانب حلفاء باتت الآن أكثر حاجة اليهم في العراق وفي لبنان وفي محاولتها عزل إيران. وهذا الجهد مفيد في الحالتين، أي في حالة تنفيذ ضربة ضد إيران وفي حالة فرض العقوبات عليها. جاءت هذه الثقة بالنفس بعد فشل سياسة المحافظين الجدد في طرح علامة سؤال على «الوضع القائم»، بما في ذلك في الدول الحليفة. وأخيراً وليس آخراً تحتاج الولايات المتحدة إلى تعاون المملكة وبقية الحلفاء لتحريك «العملية» إياها، وأقصد ما يسمى بعملية السلام، إبان الإعداد للعدوان الأميركي القادم على إيران أو محاولة عزلها، وذلك بطرح تطوير او تسويق او تعديل... ومن يدري، ولم لا تثمر هذه المحاولة الجانبية التي تثير كل هذا الغبار تسوية فعلاً؟ فلا مانع عند أميركا، ولا عند العرب المتحالفين معها في أن «تحل القضية الفلسطينية»، وهي لن تغضب، بل قد يكون من دواعي سرورها «إيجاد حل للقضية الفلسطينية»... ونستطيع أن نضيف كليشيهات أخرى طبعاً، بشرط أن يوافق الفلسطينيون على الشروط الإسرائيلية أو العكس. ويجب أن يحصل هذا من دون أن تضطر الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل، ولا يجوز الندم إذا أدى استحضار الموقف الإسرائيلي المناسب وقبوله إلى صراع فلسطيني مجدداً.

في كل الحالات لا تخسر أميركا ولا حلفاؤها من التعامل مع القضية الفلسطينية كـ«عملية» لا أول لها ولا آخر. فهي تيار متدفق من التفاصيل، وصيرورة في المكان، وركض موضعي، مثل دوران ناعورة تدور حول ذاتها وتسقي غيرها. وقد يفرح خلالها البعض حتى بإنجاز مثل استقبال وزراء فلسطينيين في فرنسا وإيطاليا وغيرها بعد أن افتخر الفلسطينيون ذات يوم بأن حجم تمثيل فلسطين الدبلوماسي أكبر من حجم التمثيل الإسرائيلي. وما دام هنالك إعلام خاضع لقوانين العرض والطلب، او العرض وحده في حالة الإعلام الممول، وما دام هنالك نشرات أخبار يجب أن تملأ فلن يكون هنالك وقت فراغ إخباري يسمح بالملل. ولا بد من وجود من يربح من تحويل القضية الفلسطينية الى قضية علاقات عامة لأزمات أخرى ومشاريع أخرى بعد الحروب وقبلها، ولامتصاص النقمة قبل الأزمات وبعدها.

إن تحويل القضية الفلسطينية الى أداة علاقات عامة لأزمات أخرى وللتغطية على مآس أخرى، يسيء للقضية الفلسطينية ويسيء بواسطتها للقضايا العادلة الأخرى.
لقد وصلت هذه الثرثرة حد سماع إيهود أولمرت يقول مشكوراً انه جاهز ومستعد لمقابلة القادة العرب إذا رغبوا في عرض مبادرة السلام عليه. فهو لا يعرف كيف يستخدم الدليل اليدوي للمبادرة (مانيوال) ولا يستطيع فهمها من دون أن تعرض عليه. وأين يجب ان يتم ذلك؟ في قمة مع كافة القادة العرب المعتدلين. لا أكثر ولا أقل. وهو (لاحظوا التغيير الجذري!!) جاهز للحضور، وإذا عرض عليه العرب التطبيع فسوف يقبل، لكنه سيناقش المبادرة العربية معهم، وسوف يسمعون منه كلاماً طيباً. هكذا تكلم أولمرت.

إذا لم نصل الى أولمرت فسوف تصل المبادرة الى مجلس الامن ليعدلها ويتبناها. قد يكون هذا هو الجديد.
وإذا لم يكمن الجديد في القضية الفلسطينية الا تبنياً، تاريخياً برأينا، لمبادرة السلام كموقف يقلب تماماً لاءات الخرطوم الى عكسها من دون مقابل إسرائيلي، وإذا لم يكمن الجديد في الموقف من العراق حيث تختلط التعبئة المذهبية مع ضرورة امتصاص النقمة الجماهيرية والحاجة لأخذ مسافة من الفشل الأميركي، فأين الجديد؟
لا نعرف إذا كان هنالك جديد. وعلى كل حال لا ينبغي البحث عنه في القمة بما هي قمة، بل باعتبارها مناسبة تسهّل عقد لقاءات ثنائية يصعب عقدها حالياً من دون مناسبة تجمع الرؤساء. فالاجتماعات الثنائية بين الدول هي سياسة. والسياسة أكثر أهمية من مؤتمرٍ ببيان ختامي. وعلى هامش القمة جرى اللقاء السوري ـــ السعودي. ولا نعرف إذا أتى بجديد غير تلطيف الأجواء بين البلدين. لكن إذا كان هنالك جديد بمعنى تجاوز سياسة المحاور الى التعاون الثنائي، فامتحانه ليس فلسطين حيث اتفق الجميع على المبادرة العربية، ولا في العراق حيث اتفق الجميع على عدم المبادرة العربية، وطبعاً ليس في الصومال المنسي، ولا في موريتانيا التي نظر الزعماء العرب الى تجربتها الانتخابية شزراً، بل في لبنان.

هنا لبنان، هنا اقفز!! على وزن «هيك رودس هيك سالتا!!». أي هنا يكمن التحدي. هنا ورقة فحص العلاقات العربية ـــ العربية «حامضية أم قاعدية». هنا في هذا البلد تظهر قيمة تدهور او تحسن العلاقات بين الدولتين. إذا كان هنالك من جديد يجب أن يظهر على صعيد الحوار والتفاهم في لبنان. وإذا لم يظهر هنا فلست أعرف ما يعنيه الجديد في هذه القمة. فهي ليست ذات فاعلية. والجديد يكون مرة أخرى في ما تعده أميركا للمنطقة. من هذه الزاوية يظهر صمت هذه القمة وهدوءها كالهدوء الذي يسبق العاصفة، أو ربما صمت الرضى مجتمعاً مع صمت القلق، ومشكّلاً «هدوءاً مشوباً بالحذر»، أو هو عملية تهدئة عربية ـــ عربية لتمرير الوقت ريثما يمر بوش وغيره، وليس هدوءاً فعلياً.

Wednesday, April 4, 2007

Olmert: as Expected

Israel is demanding the absurd, but the illusion is shattered if Arab states understand that the game of axis politics is not in their interest, writes Azmi Bishara

Some Arabs found encouragement in Olmert's statements to the effect that if the Arab peace initiative were slightly modified it could serve as the basis for negotiations. Specifically, he was referring to the initiative's reference to General Assembly Resolution 194, which he regarded as a flaw that had to be rectified and a red line that no Israeli government could possibly traverse. The motive behind Olmert's statements is no secret. Indeed, Olmert himself takes no pains to conceal it. By way of introduction he said that Israel could not ignore the positive developments that have taken place in moderate Arab states, and as a token of this recognition Israel suddenly, though not surprisingly, took a look at the Arab peace initiative, which it had snubbed for a full five years.

What is positive about the moderate Arab states, from the Israeli perspective, is their position on the war against Lebanon and their subsequent contributions to forcing US-Israeli conditions on Hamas. These efforts, which are still in progress, are conducted in various degrees of secrecy, although it would seem that many Arab officials have confided in Israel what lay in their hearts. On the one hand, the influence of the Arabs' neo-conservative friends in the US has begun to vanish into that black whirlpool of nothingness where the brain-dead Sharon now resides, as a result of which moderate Arab governments have begun to recover an element of their regional manoeuvrability. On the other hand, following the abortive Israeli invasion of Lebanon, these states acquired a broader margin of freedom, in the course of which they discovered that their own attitudes have changed towards the growing clout of their local neo-cons, whose love for democracy as a local or imported product is only equal to their abhorrence of money and power.

The moderate Arab states are breathing easier now. The fat years have come. Gone, now, are those long lean years, 2001-2006, in which their only course of action was to steer clear of the raving wrath the US unleashed in the wake of 11 September, and in which their guiding principles were: walk next to the wall, kiss the hand that feeds you (even as you pray it breaks) and, as the Arabic proverb puts it, "keep evil at a distance and sing it a song." And what a wretched sight they made as they wailed out that plaintive refrain, "my eyes are laughing, but my heart is crying," upon every visit of an American official, like heart-broken lovers, bewildered by the inexplicable shifts in mood of the president of the empire and befuddled by the malevolent advice of his advisors who would pour their souls out to his ever so magnanimous vice-president.

It is difficult to say whether the Arabs recovered a margin of freedom because America messed up so drastically in Iraq and because they realised what a folly it was to heed Washington's orders once the Israeli army started to stumble so frantically over its shoelaces in Lebanon, or because, during the war in Lebanon in particular, they proved themselves no less hostile to the "extremists" in the region than the neo-cons, yet, at the same time, more realistic and certainly not as clouded by the dreams of spreading democracy and other facets of the ideological romanticism that governed the American neo-cons' view of Israel and its regional role. In all events, the result is the same: Washington has loosened the leash and Israel under Olmert is taking the so-called moderate Arabs more seriously than it did under Sharon.

Returning, therefore, to Olmert, why did he home in on Resolution 194, in particular, despite the fact that the Arab peace initiative -- regretfully -- does not explicitly mention the Palestinian right of return but rather confines itself to the formula of "a just peace in accordance with" this resolution? Why, too, did he not happen to remind us that he refuses to withdraw to pre- June 1967 borders, inclusive of Jerusalem? Certainly, he had made his position on this clear on earlier occasions, going so far as to accuse Ehud Barak of forsaking Jerusalem during Camp David II, even though Barak did nothing of the sort.

Firstly, Olmert likes to air his objections in instalments, so that he can wring out more concessions from the Arabs in a gradual way. Secondly, he didn't want to bring up the subject of withdrawal so as not to undermine the efforts of the "moderate Arab axis" before the Riyadh summit, especially since he knows that Saudi Arabia will not budge an inch on the question of borders and Jerusalem in particular. So, to spare the "moderates" any embarrassment, he confined his remarks to 194, because he rejects the Palestinian right of return on principle. But, supposing for the sake of argument, that the Arabs play along and openly or tacitly relinquish the right to return, would Israel then accept the Arab peace initiative? Of course not. And we should be wary of deluding ourselves into thinking it would. It would only be prepared to accept it as a basis for negotiations, which is to say that it would accept the principle of withdrawal and then haggle over the depth and phasing of the withdrawal and over final borders. In short, Israel will agree to no point whatsoever in the Arab peace initiative.

By accepting to consider this initiative, Israel hopes to transform it into a drawn out process of extracting compromises from the Arabs, just as it had turned its agreement to deal with the Palestine Liberation Organisation into a protracted process of forcing the Palestinians against the wall. In the past we could identify the major turning points in the downward slope of the Palestinian/Arab position with respect to Israel. Now it is difficult to discern even the nooks and crannies, so fluid and convoluted has this process of extraction become, what with all the play given to the "two sides" and "moderates and extremists on both sides", and with the endless biding of time until the Israeli elections are over, the next American elections, a new spate of envoys shuttling about the region, Palestinian elections triggering a blockade, another period of waiting to see how a people under occupation handled economic strangulation, and then whether or not they could form a national unity government and, if so, whether this might bring the end of the blockade or usher in yet another period of waiting.

In addition to trying to set new foundations for the "peace process", after the roadmap failed to neutralise the Arab peace initiative (incidentally, what ever became of the roadmap? Has anyone kept track of how many years, conferences and money were wasted on that?), Israel is busily buttering up the "moderate camp". With the end of the neo-conservative era, it wants to come across as responding to this camp; at least until another Arab summit is held. After all, it knows that now it has to accept these Arab regimes exactly as they are, just as the US had to revert to a hypothetical cold war approach whereby regimes are categorised on the basis of "those that are with us are moderate, and those that are against us are extremist." Israel has also recognised the overt and "positive" change in the attitudes of these regimes towards it. Simultaneously, however, it fears that the newly found freedom that these regimes are feeling might go to their heads and inspire them to leave the margins and head straight to the core of the matter, in which event they might, for example, decide to coordinate with "extremists" to solve their regional dilemmas. The Mecca Accord is a very, very modest example of the possibilities. While this agreement did not solve a regional problem, it did furnish an injection of fresh blood.

Although the Middle East's dilemmas are probably not the direct product of the strategy of creating axes of opposing regional alignments, this strategy has certainly helped to make these dilemmas more intractable. Take Iraq, for example. America might have ignited the flames in Iraq, but these flames have since been fuelled by the various interventions of opposing regional axes. Iraq has become a locus of regional power plays instead of an arena of regional cooperation in which governments could work together to subdue the inferno instead of fanning it. Of course, US forces would have to withdraw first and then refrain from setting fire to other trouble spots in the manner it had perfected during the Cold War.

Lebanon offers a more glaring example than Iraq. The problem in Lebanon could have been solved with greater ease. What has made it so complex? Here is a country with thousands of people ready to pay with their lives to force a foreign occupying power to withdraw, if indeed the presence of that power constitutes a foreign occupation. So why is this no longer sufficient enough cause? Perhaps it has something to do with the fact that certain parties that had allied themselves with the former government now, retroactively, claim that they had been "under occupation" and are demanding the downfall of a government that America tolerates for the same "anti-extremist" reasons that America does not tolerate the parties in question.

Either the previous Lebanese government, which had included some of those that are clamouring against it in foreign capitals, was not a foreign occupying power the withdrawal of which was worth sacrificing one's life for (as was the case from the point of view of actual opponents to the former government, such as Michel Aoun, who now merely demand withdrawal of Syria and have allied themselves with the resistance), or Lebanon has become the playground for rival regional axes. Sincere introspection and logical consistency have nothing to do with the shift of certain parties from an alignment with Syria, Iran and the resistance to commitment to another alignment. This has nothing to do with people recanting extremism and embracing moderation and everything to do with their conviction that their swing to the opposing camp serves their own interests, just as their previous alliance with the regime that they now want to topple happened to have been convenient to them at the time. This pursuit of narrow interests is the essence of the current game of regional axes and it is the only explanation for how the Lebanese problem became bogged down in a morass of complications when it could have been resolved so easily. Consider, for example, that the party that had opposed the Syrian presence in Lebanon and that currently, along with the resistance, opposes the US-oriented axis is taking part in the current government if only to ensure that the government does not turn against it. Now, if only the other major party could bring itself to jump onboard, a solution would be within reach. The major condition for success is that they resolve to immunise Lebanon against the ploys of regional axis politics, the least democratic and the most pernicious form of which is the American one, which seeks merely to use Lebanon as a springboard to get at Iran.

Israel's worst nightmare, at present, is that the "moderates" awaken to the fact that the game of axis politics is in no one's interest. When countries begin to seriously contemplate this game and wonder whether they, themselves, are really capable of demanding the overthrow of another Arab regime and whether they actually want that to begin with, or what price they would have to pay if they don't want that and actively resist it, and when they start asking themselves whether their actions in either direction will pay off in the long run, they will inevitably come up with conclusions that differ radically from the architects of this game. The same applies to the question of a war against Iran. Even the average Arab citizen is capable of realising the disastrous consequences of such a war. Clearly, the last thing Israel wants is for Arab moderates to use their margin of freedom to begin thinking for themselves.

America, meanwhile, is caught between a wall and a hard place, between the conflagration it ignited in Iraq and that is now being fanned by others and the consequences of the halt it called to kindling fires in other countries so that they, in turn, would stop fanning flames in Iraq and, instead, help to quell the fire there. Now, the US is playing the type of hand Israel is playing with the Arabs. It is trying to force Iran and Syria to rectify the images that the American media has created of them, and the way they are supposed to do that is to help America out in Iraq. "Help us in exchange for us letting you help us," seems to be the magnanimous American offer, at best, "in exchange for letting you sit down at the same table with us in Baghdad." Perhaps the US imagines that Syria and Iran would leap at the opportunity because they could portray it as a "victory". However, the real victories are Washington's relaxation of its siege on Syria and its willingness to talk with Iran, and these owe themselves not to American ploys but to the failure of and staunch resistance against American designs in Lebanon, Iraq and Palestine.

In all events, the American game itself is now very much at odds with itself, fluctuating as it is between tests of its strength, as exemplified by the attempt to "expose" Syria and Iran during meetings with the Iraqi leadership, and grudging submission to the realism embodied in the Baker-Hamilton report.

Initiative Versus Principle

If Israel rejects the best Arab position, perhaps the Arabs should revert to maximal demands and ask Israel to propose a plan, writes Azmi Bishara

According to the US and Israeli foreign ministers, the Arab peace initiative is a non-binding Arab position for which the Arabs deserve a pat on the back and a friendly nudge to modify it. The very quality of eliciting such encouragement is what keeps the initiative from being an initiative.

Evidently, the Israeli foreign minister refuses to believe that history began before the elections that brought her into government four years ago. After the neo-conservative school of foreign policy failed so miserably in the Arab world and after the roadmap wandered so deeply into a maze of oblivion that it needs a new roadmap to find its way out, she and her American counterpart need to latch on to something. But such is their newfound flexibility that all they see is an Arab "position", and an unworkable one at that.

Maybe what was required was a new Arab initiative announced during the incumbencies of these two administrations. Then they might have called it an initiative. Better yet, perhaps the Arabs should come up with a new proposal, every three or four years, modifying the "positions" that had once constituted the cardinal points of the previous peace initiative, so as to placate every new set of American envoys. Then, in 20 years or so, after four or five Israeli governments and American administrations have come and gone, the Arabs will approve of Israel's annexation of a large chunk of the occupied West Bank and they'll feel grateful that Israel not only asked them to recognise just plain Israel but also Article 7a of its organic law in which it describes itself as a Jewish and democratic state. Anything is possible as long as Israel finds Arabs who argue, "it's better to accept what's on offer now, before we're forced to accept something worse."

Such is the fate of a peace initiative that emanates from the dynamics of weakness. Without a victory to make the tenets of a peace initiative more compelling or the ability to alter the balance of power in favour of the authors of the initiative, the initiative remains no more than a proposal in need of more alterations. This is why an initiative maker is either a neutral party who wishes to mediate between antagonistic parties that cannot reach a middle ground on their own, or a victorious party who seeks to translate a military victory into a political one, or an otherwise powerful party that has the power to impose the initiative. As for an initiative that is forwarded hypothetically, it can only be interpreted as a form of backing down and is certain to whet the adversary's appetite for more concessions. Real life is not made up of the simulation games played in the strategic study centres that live off Arab-Israeli dialogues.

Of the latter sort of initiative is the type intended to placate the adversary and curry favour with its allies. The Arab initiative is of this sort, and those who counsel this sort are the Arabs' "friends" and their advisors from the American and Israeli Zionist left. According to these people, Israel has no objection to a just solution. Israel's just afraid that the Arabs are out to destroy it and throw the Israelis into the sea. The Israelis aren't racist, they're just nervous. Therefore, what the Arabs have to do is to put the Israelis' minds at rest. Where have the Arabs encountered this fear before? Oh yes. That was the fear that drove the Palestinians into the desert and that caused cluster bombs to fall on the villages of southern Lebanon, the Bekaa Valley and Jabal Amel. That is one terrifying fear. Now the Arabs are expected to sympathise with that very understandable fear of the Palestinian right to return, the fear of restoring Jerusalem to the Arabs, and the fear of withdrawing to pre-June 1967 borders. And soon afterwards will follow the fear of a rupture in Israel's national unity. Some Arabs have already hastened to soothe such misgivings. They were probably acting in deference to the demands aired by the Israeli foreign minister during a recent American Israel Public Affairs Committee (AIPAC) conference. Even Benyamin Netanyahu would have been embarrassed to tell the Arabs what that mild and moderate foreign minister did via her speech to the powerful pro- Israeli lobby. What the Arab governments have to do, she said, is to normalise their relations with Israel so as to allay Israel's fears, after which they should wait until Israel gradually changes. Perhaps, eventually, Israel would recognise the Palestinian national unity government and maybe even the Arabs.

The upshot of all these Arab efforts is that the situation has grown more and more perverse since the Arab initiative, which was quickly shunted aside by the roadmap. Suddenly, Sharon was hailed as a man of peace in spite of himself and he was forced to sit with a grin on his face in Sharm El-Sheikh as he listened to the Arabs describe his unilateral withdrawal plan from Gaza as an implementation stage of the roadmap. Even some outstripped the Arab proposal with an even greater spirit of initiative. Normally, of course, this is a very positive trait, one that is highly valued in capitalist societies since it is the antonym of the laziness, indifference and lack of initiative with which we Orientals are so often characterised. But in this instance, at least, there was no shortage of the spirit of initiative, especially when it came to pleasing the Americans by agreeing, for example, to lower the threshold of the Arab proposal to the level of the roadmap.

In theory, at least, the Arab position -- as opposed to the position of the countries that have signed peace agreements with Israel -- is as follows. They do not yet recognise Israel and the Palestinian cause revolves around the refugees and the whole of Palestine since partition in 1948. In addition, the relevant UN resolutions that the Arabs have approved are the basis of any just solution and according to these Israel should unconditionally withdraw to pre-June 1967 borders. The Arab peace initiative was presumably conceived as a way to bridge the gap between the Arab position and the Israel one. If Israel is rejecting that initiative then logic would seem to demand that the Arabs return to their original position, instead of turning the initiative into a new starting point for bridging the gap between the new Arab position and the old Israeli one. Otherwise put, as long as Israel insists on snubbing the Arab peace initiative or on treating it as a menu from which it can pick what it fancies then send back what it orders and ask the kitchen to come up with something new, Arab officials should simply reiterate their original position as the only other alternative and stress that if Israel doesn't like what's on offer now then perhaps it's time to come up with a peace initiative of its own.

The Arabs were wrong to have produced that initiative in the post-11 September climate. They couldn't have chosen a worse time. But now that it has been unanimously approved and signed, they should wait for Israel to accept it rather than scurrying back into further deliberations at the first sign of disapproval.

Or better yet, why not turn the tables a bit? If Israel were really afraid, then it must realise that Arab recognition and peace are the best guarantees for its safety and security. So let Israel come up with a peace initiative for the Arabs to have a look at and say, "bravo, but it will take some tweaking here and there and a few concrete steps to allay our fears." By all means, there is plenty that Israel could do to demonstrate its good intentions. It could, for example, halt settlement construction and dismantle the settlements that it had promised to remove. It could cease its policy of "targeted" assassinations. It could abide by The Hague court ruling on the separating wall, could declare its intention to withdraw to pre-June 1967 borders, and could rescind laws pertaining to the annexation of Jerusalem and the Golan Heights. Such are the steps that need to be taken to reassure the Arabs that Israel wants peace.

This is how countries -- fully sovereign countries that is -- manage their foreign affairs, regardless of such internal divisions as "moderate" and "extremist". If they negotiate, they do so as negotiating partners, drawing on their respective strengths in order to adhere as much as possible to their original positions. The same logic applies to negotiations between an occupying power and a people under occupation. Unless the occupying power recognises the right of the occupied people to self-determination and declares its intent to withdraw, what you have is not negotiations but another form of bullying, and calling the people sitting around the negotiating table "the two sides" doesn't alter that fact. This is why liberation movements resolve to sustain the resistance and not to negotiate with the occupying power and somehow manage to reconcile the demands of resistance with the demands of day-to-day life until the occupying power declares its readiness to lift the occupation. Only then is there really something to negotiate over.

In Palestine, the liberation movement switched track and began to dream that the occupying power would recognise it. Once that dream was realised, the Palestine Liberation Organisation became one of "two sides", and was then fragmented and reduced to a hypothetical political entity that consisted of remnants of the liberation movement and that enjoyed none of the prerogatives of sovereignty. Eventually, however, the people under occupation were given the opportunity to hold legislative elections and they returned a parliament that produced a government that rejected the post-Oslo game. This government was willing to rule for the very reason it was elected: it stood as a liberation movement determined to fight the occupation. At the same time, however, this government opposed negotiations with Israel, but in order to stay in power it delegated members of its political opponents -- the very people who disintegrated the liberation movement and led the hypothetical political entity -- to enter into negotiations, yet without devising a mechanism to keep negotiators in line. In other words, the government may not have negotiated, but it did not turn its rejection of negotiations into a binding position and it had no way of ensuring that negotiations would not jeopardise the national movement's fixed priorities. Perhaps, one day, it will wake up to the fact that to Israel and the US a Palestinian government consists of no more than a Palestinian Authority president and his advisors who agree to negotiate on Israel's terms. But this subject is better left to another day.